الخُـروْجُ من جُـبّةِ الفِـرْعـوْن: حوار مع الصديق الأستاذ أحمد كمال الدين .. بقلم: جَمَال مُحمّد إبراهيْم

أقرب إلى القلب:

jamalim@yahoo.com
(1)
الشكر أجزله للصديق الأستاذ أحمد كمال الدين فقد حفزني برصانة رأيه ، في حوار جرى بيني بينه، وتبادلنا عبر بريده وبريدي الالكتروني، تداولاً فكرياً حول ما جرى ويجري في مصر. ما وددّتُ أن استفرد في هذه المقالة برأيٍّ أطرحه عن قناعة، ولذا فأقول إن الأستاذ كمال الدين – وأستميحه في إيراد ما كتب لي باختصار غير مخلّ. فهو يرى أن  اللعبة الديمقراطية هنا ترتكز على معيارين أو قاعدتين، أولاهما هي قاعدة  “التزام الصبر على خيار الشعب” لمدة ولاية الرئيس المنتخب لمدة ولايته كاملة، وهي قاعدة يقع على المعارضة الالتزام بها. ثانيهما قاعدة “التزام الصبر على النقد والاحتجاج”، من قبل المعارضة على سياسات الرئيس، وذلك التزام يقع على الرئيس ومؤيديه.
يقول الأستاذ أحمد كمال الدين معلقاً على رأيّ طرحته عليه، أن الثورة تستعيد زخمها فيما يجري الآن في مصر، باعتبار تلك الاحتجاجات “إستمراراً للثورة”، أن في ذلك شبهة إقصاء  لجانب يجدر- وقد فاز مرشحه في انتخابات شهد بها العالم-  أن يلقى احتراماً، وأنه “لا يمكن إلغاء صوته أو دوره الفاعل في الثورة وفي التغيير فقط لأنه (تصادَف) أن كان منتمياً للحركة الاسلامية أو لأيّ فكرة كانت”. لهذا يرى الأستاذ أحمد كمال الدين أن ما وقع في مصر هو “انقلاب عسكري” أيدته القوى الليبرالية من باب الميول والرغبة، وليسَ من باب الحقّ الديمقراطي. لا أدّعي أن ذلك رأي متكامل الجوانب، بل هو تبادل آراء  لم يكن مقصدنا طرحها على الناس، غير أني أستسمح الصديق كمال الدين لأورده على هذا النحو. أملي أن يمضي إلى طرح رأيه بصورة أكثر تفصيلاً، بقصد إثراء الحجة والحجة المقابلة. .

(2)
وحتى يستقيم الحديث، فقد كان ردّي على الأستاذ كمال الدين، أنّه إن كنا نتحدث عن “ديموقراطية” كتلك التي يعرفها الإنكليز في “ويستمنستر”، بمؤسساتها المعروفة، فهي قد رسختْ عبر تاريخ طويل من الممارسة والتجريب، وعبرتْ جسوراً من العنف والعنف المضاد، واستقرّتْ وكسبت قدسيتها. ولربّما تكون الثورة الفرنسية التي وقعتْ في أواخر القرن الثامن عشر أصدق مثلاً، فهي بتوتراتها التاريخية والعنف والعنف المضاد والتصفيات الدموية التي لازمت سنوات زخمها، قد أرستْ في نهاية الأمر، مؤسسات ديمقراطية راسخة تحمل شعارات الحرية والعدل والمساواة إلى الآن.
غير أن معايير الديمقراطية التي ننشدها في بلداننا وتتطلع إليها شعوبنا، لن تكون قطعاً على نسق الديمقراطية “الويستمنسترية”، إن جاز لي التعبير. ما زال العالم الثالث، بل وتحديداً هذا العالم بعينه – إن كنا نحسب أنفسنا منه – في منطقة الشرق الأوســـط وشمال أفريقيـــا
( MENA ) – يبعد فراسخَ عن تلك الديمقراطيات الراسخة، وعن كلّ قواعد لعبتها المشروعة. ليس علينا بالطبع أن نعيد إختراع المعروف، ونتصايح مثما صاح أرخميدس: وجدتها وجدتها!، ولكن لابدّ أن نصل إلى “ديمقراطية”  تحمل بصمتنا ، “ديمقراطية”  تخرج من مصهرة  قيمنا وعقائدنا وأعرافنا وتقاليدنا، تلك التي تعتمدها مجتمعاتنا وشعوبنا. الذي أراه أن الشعب المصري يتفاعل الآن في تجربة سياسية فريدة للوصول إلى تأسيس منصّة للـ”ديمقراطية” بمعايير مصرية محضة، ولن تشبه أو تماثل غيرها من التجارب السياسية. ربما تخونني اللغة والتعبير، وأنا ألاحق تطور الأحداث من حولنا، ولكن في سبيل  الوصوال إلى معايير وفاقية يلتفّ حولها  الجميع، لن يكون ذلك ممكناً بين يومٍ وليلة. ثمّة معاناة قد تطول واختلافات قد تتعمّق ورهق سياسي سيقع . قبل “ويستمنستر”، جرت أنهار من الدم وامتدت سنوات القتال والاحتراب عقوداً طويلة في أوروبا. في أمريكا لم ترسخ الديمقراطية ولم تستقر على سوقها إلا بعد حرب أهلية طاحنة ، دمّرت الكثير من الموارد وأهلكت الملايين من البشر. هذه “ديمقراطيات” استنطقت قيمها وتقاليها السياسية وما في ثقافات مجتمعاتها من إرث، فاستقامت أمورها واستقرت أحوال مجتمعاتها، أخيراً بعد تلك المعاناة الطويلة. .
لكن أيضا قد لايكون من المنطق أن نعبر ذات السبيل، أو أن نخترع الدراجة التي سبقنا غيرنا باختراعها قبل قرون ! علينا ، بل على شعوبنا أن تستهدي بنخبها المستنيرة،  البصيرة بقيمها ومعتقداتها وما في ثقافاتها الراسخة من ممارسات فاعلة، فتأخذ بيدها حتى نصل للتوافق حول تلك المؤسسات والكيانات التي تكفل تشاركنا بحرية وبعدل وبمساواة. مشوار شعوبنا في القارة الأفريقية وفي الشرق الأوسط ما زال طويلا . .
(3 )
هذه تحوّلات أراها تتحقق عبر أجيال تتعاقب عبر حقبٍ زمنية قد تطول، وليس لجيلنا أن يستعجل حدوثها الآن في راهن اللحظة. ما يحدث في مصر هو تفاعل بين التيارات السياسية وستصل السفينة إلى مراسيها ولكن بعد ….كم من الزمن ؟  ذلك في الغيب، ولكن ما سيولد سيكون جنين “الديمقراطية” التي تحمل جينات مصر، وبصمة مصر..
الديمقراطية التي مارسناها حين انجزنا استفتاء جنوب السودان ..أهي ممارسة مثلى أم كان استغفالاً بيّنا ..؟ هل حملت تلك الممارسة بصمتنا ولاقحتْ جيناتنا..؟
ولأنّي كنتُ لفترة وجيزة قريباً من هذا التمرين “الديمقراطي”، فقد رأيت بعينيّ من العثرات والنواقص التي لازمت عملية الإستفتاء لجنوب السودان، ما كان يستوجب بلا أدنى تردّد، مراجعة أساليب إنجاز الإستفتاء ، بل وربّما مراجعة القانون الخاص بالاستفتاء أو تعديل الاتفاق”النيفاشي”  الأوّل من أساسه ، من طرف الشريكين – الخرطوم وجوبا، (تساعدني الجغرافيا استسهالا للحجة حتى لا ألجأ للتوصيف السياسي!). عملت مفوضية الإستفتاء وعينُ رئيسها على التقيّد بالفنيّات القانونية والالتزام بمعايير سُمّيت “دولية”، وتحت نظر مراقبين دوليين، غير أنّها كانت معايير غريبة عن واقع مجتمعاتنا. للأسف لم تبصر عيون مفوضية الإستفتاء الحاجة لانجاز تلك العملية ببصمة سودانية، بجينات سودانية ، بل أنجزتها بمعايير دخيلة على ما عرفت مجتمعاتنا من ممارسات جمعتنا في رقعة واحدة منذ أوّل التاريخ. أنظر إلى العقود الطويلة التي سادت فيها “سلطنة الفونج” بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشرالميلادي. لقد عرفت الدولة السنارية (1505م-1820م) أحلافا سياسية و”فيدرالية سودانية”، ابتدعتها عبقرية مجتمعاتنا آنذاك. عرفت مجتمعاتنا تلك، مؤسسات ابتكرتها للتصالح الشعبي، ويعطيك التاريخ مثلا ما حققه الراحل “دينق ماجوك” و”مادبو” لشعبيهما في أقاصي غرب السودان، وإن وقع تفريط ماثلٌ فيه الآن .  ثمّ ترى  مجتمعاتنا وقد مارست التسامح القبلي فيما عرف بمؤسسات “الجودية”، تلك التي انبثقت من قيمنا ومعتقداتنا، فهل استصحبناها في عملية إستفتاءٍ مشبوه، جرى بمعايير “دولية”. .؟  هذا تساؤل مشروع، وسيقدح التاريخ قطعاً في الذي أفضى إليه هذا الاستفتاء.
(4 )
ثمّ لننظر لحال مصر. .
سعى مرسي ليحمي قراراته محتمياً بإعلان دستوري، كان سيجعل منه طاغية أقل حجماً من مبارك بقليل ..ثم لم يتوان عن الشروع في سياسات معلنة وغير معلنة- وقد نحتاج لوقتٍ طويل لإثبات معالمها- لتمكين جماعة التيار السياسي الذي يتبع له دون الآخرين، للإمساك بيسرٍ بمفاصل الدولة المصرية. الديمقراطية بـ”معاييرهم” ، لن تنجب عندنا زعماء ديمقراطيين. وقف الرئيس المبعد واعترف قبيل ابعاده  بما ارتكب من أخطاء. أما كان عليه أن يمضي إلى آخر الشوط ويقرّ أن اعتذاره عن هذه الأخطاء، لابدّ يجبره على اتباع “ديمقراطية” النزول عن الكرسي، أو على الأقل أن يطرح موعداً لانتخابات رئاسية مبكرة ، تأتي برئيس بديل أو بتثبيته رئيساً برغم أخطائه. . ؟ مثل تلك الأخطاء الفادحة، أجبرت رئيساً أمريكياً للتنحّي لأنّ أشخاصاً من حزبه تجسّسوا على رئيس مرشح  من الحزب الآخر،كان سينافسه على رئاسة الولايات المتحدة. كلنا نعرف ما انتهى إليه “نيكسون” وقد تحمّل مسئولية أخطائه بصورة نبيلة، إذ اتهم بإساءة صلاحياته الرئاسية إبان ما عرف بفضيحة “ووترقيت” التي تجسّس فيها الحزب الجمهوري على مبنى الحزب الديمقراطي، فكان أول رئيس أمريكي يستقيل طواعية ..
لا أحد ينادي بتجاوز ما تقرره شرعية الدستور- برغم تحفظات أيّ طرف على مقرراته- ولكن حين يعترف الرجل بأخطاء كثيرة ارتكبها وارتكبتها جماعته في هذه الفترة الوجيزة على طريق التمكين واعتماد الولاء بديلاً للكفاءات، فقد ركب سرج الديمقراطية لممارسة تحتمل شبهات “غير ديمقراطية”، ولم يحسن استعمال صلاحياته الرئاسية. هو لم يصبر قليلا قبل أن تنفتح شهيته وشهية جماعته للإمساك بمفاصل مصر بأنيابٍ مسعورة. من نفس كأس الاستعجال، سقاه الشارع المصري العريض – من قلة صبرهم عليه – من ذات كأس الضيق والاستعجال! برغم ما في ذلك من مناقضة لـ “معايير اللعبة الديمقراطية”، على قول الصديق كمال الدين،  تكون الحاجة ملحّة لجهد تستعيد الثورة عبره زخمها وشرعيتها  التي جسدها دستور يضبط اللعبة، وأكثر إلحاحاً لمراعاة الحفاظ على أن تسع ثورة مصر الجميع بمختلف توجهاتهم وتياراتهم . لن يكون مطلوباً أن يكون الإقصاء عقوبة لمن أخطأ بنسبة، بل لابدّ من استصحاب كل التيارات، وخاصة التيارات الإسلامية، فهي التي لعبت دوراً مفصلياً في انجاح الثورة، وفي إسقاط “فرعونية مبارك”.
(5)
سينشغل كثيرون بتوصيف ما يقع الآن في مصر أهوَ “إنقلاب عسكري” أم هو تصرف “هجين” يحيط به غموض؟ ولعلّي أميل لنفس المنطق في مساءلة معايير “الديمقراطية” ومرتكزاتها التي أشار بها الصديق أحمد كمال الدين، وأعيد التساؤل حول توصيف ما قام به الجيش المصري، والتساؤلات المشروعة عن “شرعية الانتخابات” في مقابلة ما سمّوه بـ”شرعية الثورة”. ثمّة حاجة لتعريف معايير “الانقلاب العسكري” أيضاً، وهل هو عمل يجري تطبيقه على نمطٍ واحد، أم أن هنالك طرقاً عديدة تلتبس فيها الوقائع و”تتدغمس”. . ؟ لنا أن نتساءل – على سبيل المثال والمقاربة : هل ما قام به المشير سوار الدهب ومجلسه العسكري الذي حكم البلاد لفترة عام كامل إثر انتفاضة “أبريل” عام 1985، كان “إنقلابا عسكرياً” أم هو نمط يختلف. . ؟  نعلم أنّ  سوار الدهب، لم  يلعنه التاريخ لأنّهُ نفّذ انقلاباً ضد حكم قائم ، بل قدّرالتاريخُ التزامه بخارطة الطريق التي اقترحها،  ولم يبق في الكرسي غير عامٍ واحد! مصر التي صبغت تاريخها “فرعونيات” عريقة ستجد لنفسها طريقاً أقلّ كلفة، تعبره إلى استقرار أحوالها ، وسلامة مجتمعاتها، طال الزمن أم قصر. .
في تقديري أنه لا ينبغي أن ننشغل بالتوصيف، بل أن نرى الوقائع الماثلة، فعبرة  الأمور في مقاصدها وأهدافها . الشكر وخالص التقدير مجدّداً للصديق الأستاذ أحمد كمال الدين، لحفزي كتابة هذا المقال، ولن يكون بالطبع إلا فاتحة لحوار يتجدّد .

9يوليو 2013

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً