أحسبُ أن أكثر ما يستوقف المراقب للشأن السياسي السوداني داخل السودان وخارجه، هو صمتُ الشَّيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي الأمين العام لحزب المؤتمر الشّعبي، لا سيما وأنّ الأحداث في السودان في تطورٍ متسارعٍ، يستشكل على المراقب فهم مسارات هذه الأحداث المتلاحقة، واستيعاب صمت الشّيخ المُطبق. ولم يكن الدكتور حسن الترابي في يوم من الأيام سواء أكان في السلطة أم خارجها كثير الصمت، وقد عُرف عنه غير ذلك، مما أكسبه مودة كثير من الصحافيين والإعلاميين، منذ بزوغ فجره، في ستينات القرن الماضي. فلذلك كان مقرباً لدى كثيرٍ من قيادات الوسائط الصحافية والإعلامية، وإن كان متباعداً عن كثير من قيادات الأحزاب والقوى السياسية، لكثرة تصريحاته الصحافية. أذكر أنني عندما كنتُ مقيماً في بريطانيا قرأتُ لأحد رؤساء التحرير، وكان حديث عهدٍ بالمنصب آنذاك، أنّه وجد نفسه مصادفةً يجلس بالقرب من الدكتور حسن الترابي في أحدِ بيوت العزاء، وقال إنه انبهر عندما سأل الشيخ سؤالاً لغزارة المعلومات في إجابته وتشعُباتِها، فَضحكنا ونحن مجموعة في إحدى حلقات التلاوة بلندن، على زمنٍ لا يعرف فيه رئيس تحرير إحدى الصّحف السودانية غزارة معلومات الشيخ الترابي وتشعبات مسارها، وتعدد طرائقه في التّفكير، وفي بعض الأحايين السُّخرية الممزوجة بابتسامةٍ عريضةٍ، جعلت أحد كُتَّاب صحيفة “الفاينشال تايمز” البريطانية، أفرد مقالاً عن ابتسامة الشيخ.
وفي رأيي الخاص، أنّ هذه الفترة التي ظلّ فيها الدكتور حسن الترابي صامتاً، لم تكن فترة صموتٍ أوحد، إذ مارس مثيلاً لها في خواتيم عام 2010، ومطلع عام 2011، إلى الدّرجة التي أقلقت الكثيرين، وأثارت لغطاً وجدلاً بين مؤيديه ومعارضه، مما استدعى أن أكتب مقالاً تحت عنوان “إذا صمت الشيخ أقلق، وإذا تحدث أُغْلِق”، في مطلع عام 2011، وبالفعل كان أول حديث له تصريحاتٍ لوكالة الأنباء الفرنسية، بعد صمتٍ طويلٍ، واعتكافٍ عن الكلام، إذ قال لها: “لقد عرفت هذه البلاد انتفاضات شعبية في السابق، ومن المُرجح أن يحدث الشيء نفسه في السودان”، مضيفاً “وفي حال لم تحدث انتفاضة، قد يقع حمام الدم، لأنّ الجميع مسلحون في السودان”. وبعد ساعات قليلات من تلكم التّصريحات الصّحافية، أمرت أجهزة الأمن بالتوجه ليلاً إلى المنشية العليا، حيث منزل الدكتور الترابي، وأحسبُ أنه لا يحتاج إلى خريطة طريق لذاك المنزل، فهي تحفظ دروبه وتحفظ زواره عن ظهر قلب، وذلك بهدف اعتقال الدكتور الترابي، بحُجية أن الأجهزة الأمنية حصلت على معلومات جديدة لحركة العدل والمساواة.
وأكبر الظن عندي، أن بعض قياديي المؤتمر الوطني يكونون أكثر حَيْرةً، وأشدُّ اضطراباً إذا صمت الشّيخُ، والغريب إذا تحدث اعترتهم غضبة مضرية، يسارع بعضهم إلى المطالبة باعتقاله، دون مراعاة لشيخوخته، وسبقه في الحركة الإسلامية وقيادته، وجهده وجهاده للاتيان بالإنقاذ نفسها. ولكن هذه الأيام، يصمتُ الشيخُ الدكتور الترابي لأسبابٍ مختلفةٍ، إذ أنّه يرى أنّ التحديات المقبلة في السودان، تدفع الإسلاميين إلى التّجمع بعد أن فرقتهم المفاصلة الشّهيرة، مثل ما قد يجمع الله الشتيتين بعض فراقٍ لا يظن معه لقاء، تصديقاً لقول الشاعر العربي قيس بن الملوح الملقب بـ”مجنون ليلى”:
وَقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتيتين بَعْدَمَا يَظُنْانِ كُلَّ الظَّنِّ أنْ لا تَلاقِيْا
أخلصُ إلى أن هنالك أسباباً ومسبباتٍ لصمتِ الشيخِ، أشرحُها بشيءٍ من التّأمل والتَّحليل. أولى هذه الأسباب، أراد الشّيخ أن يُرسل رسالةً ذكيةً لماحةً إلي كثيرٍ من السودانيين داخل البلاد وخارجها، وهي أن صموته، لأنّه يخشى إذا تحدث بلينِ قولٍ، ورقيقِ عبارةٍ عن النظام، أعتقد الكثيرون أنه يأمل في منصبٍ سُلطويٍّ، وهو لا يريد ذلك أن يتبادر إلى أذهان الكثيرين، ظناً كان أم حقيقةً. وفي الوقتِ نفسه لا يريد أن يعتسف في انتقاده للنظام أو الحكومة، فيضيع الأمل المعقود في مساعي انعقاد الحوار الوطني، بدعوةٍ من الأخ الرئيس عمر البشير التي ابتدرها في خطاب “الوثبة” الرئاسي في يوم 27 يناير 2014 بمُرتكزاته الأربعة، والذي تُوِّج بخطابٍ تضمن في ثناياه توجيهاتٍ رئاسيةٍ، ركزت على الحريات، لا سيما حرية الممارسة السياسية للأحزاب داخل دورهم وخارجه، وحرية التعيبر وحرية الصّحافة، وأطّرت هذه التّوجيهات الرئاسية عن الحريات بمرسومٍ جمهوريّ، أكد قوة الإرداة، وعزيمة الرئاسة، ولكن الكثيرين موعودون بإنهاء الشّيخ الدكتور الترابي لصمته الطويل، بأحاديث تضع موجهات عامة، لتفعيل الحوار الوطني المُرتقب.
ومما لا ريب فيه، أنّ الكثيرين لاحظوا أنّ الشيخ الدكتور الترابي لم يسلم مع صمته المُطبق عن التّصريحات الصّحافية في الوسائط الإعلامية والصحافية، عن بعض التعليقات هنا وهناك عنه، والأخص أظنه – وليس كل الظن إثماً – أنّ أكثر تعليقين آلماه، هو تعليق الأخ الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، الأول قوله في تصريحات صحافية “إن الرئيس البشير يُمسك بمقود السيارة، بينما الدّكتور الترابي يُحرك الماكينة”. والثّاني تأكيده في تصريحات صحافية أخرى، أنّه لا يشك أن للدكتور الترابي تأثيراً ونفوذاً على الرئيس البشير”. ولا استبعد أنّ يسخر الدكتور الترابي من تعليقات الأخ البروفسور حسن مكي في حوارٍ أجرته معه إحدى الصّحف أول من أمس (الجمعة)، قوله: “الترابي بالطبع عاد ليحتوي الحركة الإسلامية تحت عُباءته، لأنّها أكبر ميراث له في تأريخ السّودان الحديث”. وزاد عليه، تعليق آخر: “أنا في تقديراتي أن الترابي يتوقع أن ينضم المؤتمر الوطني له”. ومثل هذه التّعليقات مُثار جدلٍ وتساؤلاتٍ. ومازلتُ عند رأيي، إنَّ في صمتِ الشَّيخِ كلاماً.
ولنستذكر في هذا الخُصوص، قول الله تعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”.
وقول الشّاعر العربي زهير بن أبي سُلمى:
من يجعل المعروف من دون عرضه يفره, ومن لا يتق الشتم يُشتم
ومن يجعل المعروف في غير أهله يكن حمده ذماً عليه ويندم
ومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصفٌ ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم