الدبلوماسية السودانية .. والفخ الأمريكي .. بقلم: محفوظ عابدين ابراهيم

جاء في الاخبار إن  وزير الخارجية السوداني على أحمد كرتي تلقى اتصالا هاتفيا من نظيره الامريكي جون كيري بحث خلاله السبل الكفيلة بدفع العلاقات بين البلدين الى الامام ، واعرب كيري عن رغبة بلاده في تفاوض ثنائي مباشر مع السودان حول القضايا العالقة بين البلدين ،وأوضح تصريح صحفي صادر عن الخارجية السودانية أن الوزير كرتي أبلغ نظيره الأميركي بالوعود الأميركية تجاه السودان، التي ظلت الإدارة الأميركية تتنصل من الوفاء بها، واتفق الوزيران على أن موضوع بحث العلاقات الثنائية قد تأخر كثيراً، وأبديا إستعدادهما لمواصلة الحوار.
اسئلة كثيرة اصبحت مطروحة الآن بسبب هذا الاتصال المباشر في هذا الوقت بالذات  ، وماهو الأمرالذي دفع الادارة الامريكية  لتقديم هذا الطلب  وهو بحث العلاقات بين البلدين  ودفع بها الى الامام ن وقد يكون هذا الامر من باب الدبلوماسية المعروفة ، لكن الطلب الأغرب هو طلب السيد وزير الخارجية الامريكي جون كيري ورغبة بلاده  في تفاوض ثنائي مع السودان  ، وليس هذا فقط بل وتفاوض مباشر  دون وسيط ، إذا ما  الذي حدث حتى تكون الولايات المتحدة الامريكية بهذه المرونة  منذ ان توترت العلاقات بين السودان وامريكا بسبب توجهات الاول ومحاولات استقلاله وبعده من الهيمنة الدولية والاقليمية ، وظلت امريكا تحارب السودان حربا في كل المجالات مباشرة  بفرض عقوبات اقتصادية ووقف التعامل المباشر معها والذي اثر كثيرا على حياة  المواطن السوداني  من خلال   منع التقانات الامريكية مثل ما حدث قبيل افتتاح مصنع سكر النيل الابيض او منع استيراد قطع الغيار من امريكا  الذي اثر على قطاع مهم من قطاعات النقل في السودان مثل قطاع السكة حديد .
وهنالك حرب غير مباشرة قادتها الولايات المتحدة الامريكية من خلال التحالفات الدولية والاقليمية من اجل محاصرة السودان ،بل دعمت حركات التمرد  في الجنوب  سابقا من خلال دول الجوار التي وفرت للتمرد الانطلاق من اراضيها .
لقد ظلت الولايات المتحدة تحارب السودان منذ قيام الانقاذ في 1989م بل وتمارس ضغوطا على السودان  كما ذكر السيد الرئيس  عمر البشير في كثير من الاحاديث ، بل ان الولايات المتحدة مارست تضليلا وغشا على السودان  في كل الوعود التي اطلقتها منذ مفوضات السلام واستمرارا بالفترة الانتقالية التي عقبت توقيع اتفاق السلام ومالحق من ذلك  من عمليات الانتخابا ت والاستفتاء  وعملية فصل جنوب السودان عن شماله 
وحسنا فعل السيد الوزير كرتي  ان ذكر الوزير الامريكي  بالوعود الامريكية تجاه السودان ، التي ظلت الادارة الامريكية  تتنصل بالوفاء بها ،وبالتأكيد ان الوزير الامريكي لايحتاج الى التذكير بتلك الوعود لانه يعرفها جيدا  بل الادهى والامر ان الرئيس الامريكي اوباما  قد جدد العقوبات  ضد السودان قبل خمسة ايام من اتصال وزير الخارجية الامريكي جون كيري بالسيد كرتي( لبحث دفع العلاقات والتفاوض مباشر ) .
والسؤال المطروح ماهو الجديد الذي دفع كيري لاجراء هذا الاتصال بنظيره السوداني ؟ ولماذا جاء هذالاتصال بعد ايام من تجديد العقوبات المفروضة من قبل واشنطون تجاه الخرطوم.
قد تكون القراءة الاولية لهذا الذي حدث  بسبب النتائج التي تخققت من خلال زيارة السيد رئيس الجمهورية عمر البشير الى كل من السعودية ومصر ومن نتائج المباحثات التي التي جرت في الخرطوم  بين البشير وكبار مساعديه مع رئيس الوزراء الليبي عبد الله الثني ، وماترتب على زيارة البشير لكل من مكة والقاهرة وزيارة الثني للخرطوم  ، ادركت القوى الدولية والاقليمية أهمية السودان  خاصة فيما يتعلق بهذا المحور الدولي الاقليمي  لان السودان يجاور اهم دولتين فيه مصر من الناحية السياسية  وليبيا من الناحية الاقتصادية ، وهذا الحديث يأتي مقرونا ما شار اليه السيد الرئيس مر البشير في خطابه امام المؤتمر الرابع للمؤتمر الوطني الي اختتم أعماله قبل ايام من ان علاقات السودن الخارجية قد انطلقت  خاصة مع مصر والسعودية والامارات واخيرا ليبيا وكل هذه الدول تمثل محورا اقليميا مهما مدعوم دوليا ، ومن هنا  اهمية دور الدبلوماسية السودانية في عدم الوقوع في الفخ الامريكي الذي يسعى لتحقيق مصالحه اولا في المنطقة بالدرجة الاولى ، ثم مصالح الحلفاء في المنطقة وعلى رأسهم اسرئيل .
وهذا الامر بدأ واضحا من خلال ماحدث في مصر  وكما هو معلوم فان السيسي قاد إنقلابا اطاح بموجبه حكومة منتخبة من الشعب وشرعية ، وهذا الامر لا خلاف فيه بدليل ان الاتحاد الافريقي جمد عضوية مصر بسبب هذا الانقلاب  ،ولكن الولايات المتحدة الامريكية  حامية الديمقراطية في العالم لم تتحرك  كما هو مطلوب بل اطلقت تصريحات  مواربة تتحمل اكثر من معنى ، والولايات المتحدة التي تنصب من نفسها حامية لحقوق الانسان  في العالم  لم تحرك ساكنا تجاه ما يحدث في مصر  من قمع للمظاهرات السلمية والتدخل الصريح في استقلال القضاء والانتهاكات التي تحدث داخل الجامعات  المصرية .
ويبدو ان الصمت الامريكي لما يحدث  في مصر كان (فوق رأي) كما يقول ذلك الرجل في الطرفة المتداولة وسط السودانيين ، وتبين لاحقا  ان الصمت الامريكي  بسبب ان النظام القائم في مصر يحقق تلك المصالح الامريكية وللحليف الاول في المنطقة  لها وهي اسرائيل ، ويبدو ان النظام المصري قبل ان يحقق بعض المطالب الامريكية حتى يضمن  الدعم  ويتجاوز المساءلة في الانقلاب على الشرعية والتجاوزات التي تمت في حقوق الانسان ، وهذا ما فعلته امريكا بالضبط  بل وصل الامر يالنظام المصري الى ان يحقق اكبر بالمطالب  بإقامة منطقة عازلة مع غزة لتأمين اسرائيل  وتهجير أهالي سيناء ، وهذا مطلب لم تكن تحلم به اسرائيل ان يتحقق في البعيد الآجل فضلا ان يتحقق في القريب العاجل .
وهاهي المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية جين ساكي صرحت أمس بقولها “بالطبع نحن نعتقد أن مصر محقة في اتخاذ خطوات لضمان أمنها، ونفهم التهديد الذي يواجهونه من سيناء” وأشارت ـ من باب المواربة والخبث وحفظ خط الرجعة قولها : لكن على القاهرة أن تأخذ في الاعتبار أثر ذلك على السكان” .” 
ان السودان مطالب بقراءة الوضع جيدا ولايسبح مع تيار  يصعب الرجوع منه  ولايدخل في تحالفات  يمكن الاخرين من جعل السودان هدفا ومعبرا لتحقيق مصالحهم ،ونأمل ان تكون اجابة البروفسيور غندور ردا على سؤال مدير مكتب قناة الجزيرة بالخرطوم المسلمي البشير الكباشي  في المؤتمر الصحفي الذي انعقد قبل مؤتمر الوطني العام  ان السودان لايدخل في تحالفات  غير التحالفات المعروفة دوليا واقليميا ، ويجب لايفرح أهل الاختصاص في السودان بحديث  الامريكي بالتفاوض المباشر مع السودان ،وهو حديث مثل حديث الأب او المعلم لطفل يوعده  بهديه وبفرح الطفل ولايف الواعد بوعده ولا أحسب ان علي كرتي وغندور وعبد الله الازرق  أكبر من هذا الوصف 

nonocatnonocat@gmail.com
///////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً