المنشية .. قصة جسر ..هل ينهار .. بقلم: م.م. مجاهد بلال طه

وسط أجواء الاستقطاب و الاستهزاء و اللا موضوعية يصعب الحديث عن أمر ما بصورة علمية .. فتكون النتيجة تصنيف حاد مع أو ضد .. لأن الهدف ليس الجسر سليما أم به خطأ للوصول لحقيقة خلل فى التصميم من عدمه.. بل (الحنك) حول هل أنت حكومة أم معارضة.
حسنا .. أنا مهندس .. و أكتب بصفة علمية حول صيانة جسر المنشية .. فأقول .. منذ وقت مبكر سمعت بالأمر .. و لعلمى بطبيعة مثل هذه المنشآت لم يحركنى الأمر (مهنيا) لتصورى لحجم المشكلة التى يمكن أن تحدث أولا .. و ليقينى بأن اساسات الجسر ترقد فى مكان (آمن) داخل المياه ( يعنى ما بهددوها بالغرق) ثانيا .. فما هى القصة ؟.
سجلت زيارة لموقع الصيانة .. و سأجتهد أن ارسم بالكلمات .. و لكن للضمان .. يمكن لمن شاء أن يقف اسفل الجسر من ناحية المنشية و يمعن النظر فى سلالم المشاة الصاعدة للجسر فتكتمل الصورة لديه لما يحدث فى الضفة المقابلة.
اولا .. ما هى المشكلة .. باختصار شديد .. توقف جسم الجسر الخرسانى من ناحية الجريف شرق بعد وصول اليابسة بعدة أمتار (لا تقل عن 15 مترا تقريبا) على أن يتواصل الطريق المكمل  بردميات ترابية .. و لزوم مزيد من الأمان و لدواع فنية تم تنفيذ طائر من الجسر بطول عدة أمتار إضافية ليكون عنده الملتقى بالطريق الترابى .. و لسبب أو لآخر .. تآكلت اليابسة التى كانت تستوى فيها الدعامة الأخيرة للجسر بسرعة حتى صارت العلبة داخل النهر (و ليس فى ذلك مشكلة كبيرة)  .. لكن المشكلة الأساسية أن ذلك التآكل (الهدام) وصل بسرعة الى منطقة الحماية الجانبية للردميات ..و تحت ضرب المياه و تواصل (الهدام) تأثر جسم الردميات الرئيسى أسفل (الطائر) مما ينذر بإنفصال جسم الجسر الخرسانى عن الردمية المكملة إذا لم يتم معالجة الأمر. و ملخص هذه الفقرة أن الجسر الخرسانى آمن تماما من ناحية تصميمية و تنفيذية و لكن نقطة الملتقى و الحمايات الجانبية تحتاج لصيانة لا تحتمل التأخير.
ثانيا .. لماذا حدثت المشكلة فنيا .. هناك عدة سيناريوهات للأمر .. أولها و أهمها أن فيضان العام 2014 حدث فيه أمران لم يكن من المعتاد حدوثهما خلال السبعين عاما الماضية و ذلك من واقع معلومات حقيقية وقفت عليها قبلا عند وقت الفيضان .. الحدث الأول أن الفيضان زاد عن أعلى معدل للعام (1988) و العام (1946) بصورة مخيفة (هندسيا) .. إذ أن (70 سنتمترا) اضافية تقريبا فى المنسوب كانت كفيلة بأن يجتاح النيل الأزرق تحديدا مدينة الخرطوم و يجعل وسطها عائما. و الأمر الثانى أن قمة الفيضان تكون عادة فى الفترة من أول و حتى أواسط أغسطس و ينتهى الأمر .. هذا العام أستمر الخطر حتى سبتمبر ثم إنجلى .. و فى ظاهرة غريبة  و حدث فريد عاد المنسوب لقمته المجنونة مرة أخرى فى أكتوبر.
السناريو الثانى أن الضفة الغربية للنهر (شارع النيل) حدث فيها تدخل بشرى من ردميات و إنشاء لمساحات ترويح دخلت الى مجرى النهر بما لا يقل عن إثنى عشرة مترا تقريبا .. فإذا علمنا بأن جزيرة توتى فى طريقها لأن تلتصق بالخرطوم عند منطقة القصر الجمهورى لتكون كلها يابسة فى القريب ليسير (الراجل) من الخرطوم الى توتى بدون جسر .. إذا علمنا ذلك .. نستطيع حينها تصور ما يمكن أن تنتجه التغيرات المناخية المذكورة فى السيناريو الأول .. و التغييرات و التدخلات البشرية غير مدروسة الأثر و مثال لها السناريو الثانى. و خلاصة هذه الفقرة أن هذا لا يعتبر تبريرا كافيا لما حدث لردميات الضفة الأخرى بل الأمر يحتاج لدراسة علمية عميقة تهتدى بالشواهد المذكورة و غيرها للوصول الى نظرية صحيحة تساعد فى إتخاذ القرار.
ثالثا .. المشكلة جديدة على ممارسة المهنة فى السودان إذ لم تحدث من قبل داخليا بهذه الطريقة حسب علمى .. بالتالى ما شاهدته من طريقة معالجة عبر زراعة لأساسات عميقة فى منطقة صعبة و ظروف عمل معقدةلتنقل منطقة التلاقى الى داخل اليابسة بعدة أمتار و ما يصاحبها من احتياطات فنية للأجذاء التى تم كشفها .. كل ذلك العمل و الذى تنفذه خبرة آسيوية (حسب مشاهداتى) يعتبر إضافة مهنية لكل مهندس فى تجربة لعلها لا تتكرر كثيرا .. و لربما كان من المفيد أن يتم تنظيم محاضرة تشرح المشكلة الفنية و العلاج و ذلك لعموم الفائدة .. لكن الأهم من كل ذلك هو تنفيذ الدراسة التى تجيب على سؤالا واحدا (( لماذا حدث ذلك ؟)) حتى يتم عمل الاحتياطات الواجبة وفق نتائج الدراسة .. و مثل هذه الدراسات من الواجب أن تكون متسعة بما يكفى لتتناول الأثر الواقع على مجرى النهر بولاية الخرطوم بصورة عامة. و خلاصة هذه الفقرة أن عسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه خيرا كثيرا.
و أخيرا .. تواجه بلادى مشكلة فى فهم طبيعة العمل الاستشارى .. إذ أن رب العمل .. يصرف (35 مليون دولار) فيرى جسرا مشيدا أمامه و ذلك أمر مفهوم .. و لكنه لا يستطيع تخيل الفائدة المرجوة من صرف عشر ذلك المبلغ الكبير (3.5 مليون دولار) فلا لايرى غير اوراقا و أحبارا و رسومات و مهندسا أنيقا متحدثا فى قاعة مكيفة .. فطبيعة العمل الاستشارى أنه ليس فيه مخرجات مادية ملموسة يتحسسها المالك بحواسه ..لكنها دراسات مرهقة أقل ما يقال عنها أنك تنفذ ذلك الجسر على الورق بكامل تفاصيله بعد الوقوف بصورة كاملة على طبيعة الأرض .. ثم يأتى المقاول ليشاهد ما رسمت فينفذ مثله .. و برغم ما وصلت إليه مؤسسات الدولة من وعى بأهمية العمل الاستشارى .. إلا أن التقتير فى الصرف عليه يكبد المشروعات خسائرا تكون أضعاف ما يتم صرفه عادة فى الدراسات و الخطط .. و لا ينبئك مثل خبير.
ختاما .. مثل هذه الظواهر و الأحداث .. (صيانة جسر المنشية كمثال) .. ينبغى أن يتم تناولها بصورة مهنية و علمية رصينة حتى يتم الوصول الى الخطأ فى المنظومة و معالجته .. لا أن تتحول الى قضية رأى عام قبل أن يقول المهنيون كلمتهم .. فتتداخل المشكلة المهنية مع سخونة الأجواء السياسية فتجعل كثيرا من أهل العلم و الدراية يحجمون عن الحديث خوفا من النيران المتبادلة.
mogahid_b@hotmail.com
////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً