حكاية دينق أكوى .. إسترسال آخر .. بقلم: ناجى شريف بابكر
6 مارس, 2015
منشورات غير مصنفة
25 زيارة
nagibabiker@hotmail.com
كانت الفرصة سانحة له فى أن يُطوّفَ بخواطره وهو يتمعن فى وحدته تلك، سحنات المارة وهم يتقاطعون مع السيارات العابرة على الأسفلت، كانوا يسيرون منفردين وفى مجموعات وفى إتجاهات شتى، معظمهم فى ثياب بيضاء وعلى رؤوسهم العمامة الناصعة التى ظلت تميز معظم سكان السودان الشمالى.. بينما يتخللهم البعض فى ملابس أفرنجية وهؤلاء فى الغالب من العاملين بالمؤسسات الحكومية، وغالب أهل الجنوب، كانت تلك الجموع تكاد تخلو تماما من النساء، إلا من القليل من فتيات فى مقتبل العمر يعبرن الطريق بين الفينة والأخرى بكنزات وتنورات قصيرة، وأخريات منهن يرتدين الثوب السودانى والذى هو لفافة من نسيج قطنى رفيع بلون أبيض حينا أو بألوان زاهية أحيانا أخرى، ينسدل من أعلى الرأس وحتي أسفل الساقين.
على جانبى الطريق كانت تبدو لافتات حديدية مدهونة ومكتوب عليها باللغة العربية وبالانجليزية أحيانا أخرى أسماء لموسسات حكومية وأخرى خاصة. البناية الأولى فى بداية السوق الأفرنجى علي الشمال الشرقى من تقاطع شارع الجمهورية مع الشارع القادم من الجنوب بمحازاة سينما كلوزيوم والمركز الثقافى البريطانى، والمؤدى شمالاً إلى البوابة الجنوبية للقصر الجمهورى، تمتد عملاقة كمقر لمجموعة شركات أبو العلا، تشغل حيزا كبيرا ما بين شارع الجمهورية من الناحية الجنوبية وحتى شارع البرلمان من الناحية الشمالية فى مواجهة وزارة التجارة.. وتمتد شرقا لأكثر من أربعين مترا كانت تلك المجموعة تستثمر فى تصنيع الأقطان وتدير المحالج ومصانع الغزول، تليها قليلا إلى الشرق وإلى جنوب الأسفلت شركة الملح فى الطابق الثانى من عمارة الناظر..
كان فى الطابق الأرضى لبناية أبو العلا الجديدة مخازن عبد القادر حسين جعفر التى تمتلئ بالإجهزة الكهربائية كالثلاجات والتلفزيونات وغيرها من المعدات والإغراض. وعلى الناصية الشمالية الغربية للمبنى كانت مكتبة بانوراما العامرة بكتب دار مير للنشر.. وتتمدد على طول الفراندا الأرضية من الناحية الجنوبية فترينات العرض المضاءة للساعات السويسرية الأنيقة والتحف وأوانى الكريستال والهدايا، وتمتد الفراندا على طول الشارع حتى معرض عمر عطية للأسلحة والذخائر ومعينات الصيد الأخرى، تسبقها بناية الشيخ مصطفى الأمين وهى بناية متعددة الطوابق بها مقر شركات الشيخ التى كانت رائدة فى تصنيع وتنقية وتصدير وتجارة الزيوت المصنعة والحبوب الزيتية..
كانت المحلات الأنيقة على جانبى الطريق تعطيك شعورا كأنك تتجول فى أحد شوراع لندن الراقية .. هذا وإلى جانب كل تلك الأناقة كان ينتشر على جانبي الطريق، بالأخص القطاع الغربى من شارع الجمهورية، باعةٌ متجولون فى ملابس بلدية رثة يفترشون أغراضهم أرضا، فيجعلون بذلك مهمة العابرين على جانبى الشارع عسيرة لحد ما، حيث يلزمهم الإحتراس من السيارت المسرعة على الاسفلت فى نفس الوقت الذى يحذرون فيه من الا تتلف خطواتهم الأغراض المعروضة بعناية فى قارعة الطريق.. كانت المعروضات تشمل أكسسوارات الزينة للنساء والأحذية والأعشاب والأدوية البلدية، وكان آخرون يعرضون عطورا زيتية محفوظة فى قارورات زجاجية ..وكذلك الملابس القطنية التى كان ينتجها الغزالون أو تلك التى تنتجها مصانع النسيج المنتشرة بالبلاد.
فى وقت سابق فى بداية السبعينات من القرن الماضى، كان قد علم من مستر جون ديفرو خبير الأقطان، وقد بدت عليه علامات السخط وعدم الرضا، أن الوقت قد حان للرحيل، رحيله هو والكثيرين من الأجانب الميتروبوليتانس من البلاد، إذ أن النظام اليسارى الجديد فى الخرطوم، كان قد قام لتوه فى خطوة غير محسوبة، بتأميم ومصادرة الكثير من الكيانات الإقتصادية والمصانع والأعمال ووضعها تحت سيطرة إدارات وطنية مباشرة (كومانديلنق).. وقد شملت المصادرة وكالات جلاتلى هانكى, وإزمليان وسركسيان، وكونتى موخلص، وألمنتا وسيفريان، شملت المصادرة كذلك مجموعة شركات أبو العلا الزراعية، والكثير من مؤسسات الرأسمالية الوطنية. رغم أن أكوى كان لا يرى منقصة فى تلك السياسات، فإنها على الأقل تسترد شيئا من الثروات المنهوبة عبر سنوات الإستعمار الطويلة، فجون ديفرو رغم أنه رجل تعمر قلبه إنسانية جارفة لكنه فى آخر الأمر لا يعدو كونه رأسمالى يعمل، ربما فى اللا وعى، لمصلحة بلاده وأطماعها الإستعمارية.. على نقيض ذلك كان هو الشاب المتحمس والوطنى الغيور، الثائر على التمايز العرقى وعلى الورثة الأستعمارية المثقلة، لكن جون ديفرو وهو رجل أكسبته سنينه الطويلة فى الحياة من الخبرة والنضج والمثابرة، كان له رأى مغايرٌ تماما فى ذلك اليوم.. حيث قال له فى هدوء شديد:
– يوماً ما ستنبئك الأيام يا دينق أكوى، أنت وأصدقاءك من الشباب الوطنيين حديثى السن، ربما بعد فوات الأوان، كم هو باهظ ثمن تلك السياسات الأخلاقية العاطفية الخرقاء، المائلة إلى الآشتراكية والمحور الشرقى، بما ستجره عليكم وعلى بلادكم من تهجير الخبرات ورؤوس الأموال، وفقدان الإرتباط بالتطور والتكنولوجيا وأسواق المال التى تزدهر فى البلدان الرأسمالية .. ستفتقرون إلى قوة رأس المال الجارفة، وستفتقرون كذلك إلى تلك الخبرات والتواصل التقنى.. إن روسيا ستغدق عليكم بالسلاح وستمدكم بمجلدات الماركسية الأنيقة، وستبيعكم الأخلاق ومبادئ العدالة المطلقة، لكن الأخلاق يتعذر نموها فى المستنقعات التى تزدحم بالفقر والفاقة.
الآن وقد مرت أكثر من عشر سنوات على ذلك اليوم تراءت لدينق أكوى تلك النبوءة، وكأنها تهبط فجأة من السماء، بينما كان مطلاً تحلق به الخواطر التائهة من فوق تلك النافذة العالية، فهاهى الخرطوم من تحت ناظريه بائسة حزينة، تزدحم بالعمائم والجلاليب البيضاء، خالية تماما من ذلك التمازج الفريد، وكل تلك الأسماء الأجنبية العملاقة التى كانت تملأ البلاد عرضا وطولا، تحرث حقولها وتدير قطاراتها ومصانعها ومحالجها.. لم يعد شارع الجمهورية مقصدا للتجار الأغاريق والطليان والشوام، حيث كانت الخرطوم تغرق كعروس فى بهجتها وأضوائها الملونة وزخمها الموسيقى ولياليها الساحرات، كما كان يُحكى عنها فى تلك الأيام الزاهية التى سبقت التأميم. هاهى الآن وقد أصبحت أسيرة للقوانين العرفية وحظر التجوال، بعد أن زادت الضائقة الإقتصادية وزاد تململ الناس وضاق صبرهم، فكان يتوجب عليك أن تحمل فى جيبك تصريح ممهور بخاتم عسكرى إذا ما كان هناك ما يدعوك أن تتجول ليلاً فى شوارعها الكئيبة بعد الساعة العاشرة.. كما راج فى صحف الخرطوم لأيام خلت، أن النظام كان قد تراجع وشرع فى رد الكثير من تلك الأموال والمؤسسات المصادرة، بعد أن إستدرك خطل الرأى، وبعد أن أساء إدارتها من إنتدبهم لذلك من الضباط الشباب الذين كانوا لا يحملون من الخبرات والتأهيل إلا الحماس وحسن النوايا.. لكن ربما تأخر ذلك القرار بعض الشئ، فقد سبق للكثيرين من المستثمرين الأجانب أن غادروا البلاد دون نية للعودة من جديد.
معظم الذين مروا من تحت ناظريه فى تلك اللحظات، كانوا بسحنات وألوان متشاكسة، رغم أنهم قد يجتمعون فى مكان ما، فى الدم أو الدين أو المصاهرة، لكنهم كانوا يبدون له شتى.. فمنهم من كان داكن البشرة من أهل الجنوب أو كان من غرب السودان من قبائل الفور أو النوبة أو الزغاوة أو المساليت.. لكنهم لم يخلوا كذلك من ذوى الألوان البيضاء من القبطة الذين ينتمون لآباء أتوا من شمال الوادى كإداريين أو كتجار مع حملات العثمانيين أو الإدارة البريطانية التى أعقبتهم.. وكان هنالك أيضا أولئك الملونون الذين تميل بشرتهم إلى اللون القمحى، وهم يمثلون مزيجا من تلاقح الدماء العربية الأفريقية الذي بدأ مبكرا، ثم تركز فيما بعد إنهيار الممالك المسيحية فى السودان، بين المهاجرين من قبائل جهينة العربية والقبائل الزنجية التى كانت تقطن مجرى النهر. كان يحس بأن هؤلاء الناس يجمعهم نسيج ناعم الملمس لكنه قوى كالفولاذ، ويرتبطون ببعضهم بمودة وإخاء عفوى، يجعل كل ذلك التمايز الذى بدا له ساطعا من حيث كان هو يراقب المارة، يتضائل فى أعينهم هم بحيث تتعالى ضحكاتهم وتبلغه من على البعد بعض عبارات الدعابة والمجاملة.
كان دينق أكوى يرأس أحد الأقسام الفنية في مكتب هيئة توفير المياه، تتلخص مهامهم هو وإثنان من زملائه، في متابعة شبكات الأبار الجوفية التابعة للهيئة وإدارة أعمال الصيانة والأنتاج بها.. شاءت الأقدار أن جمّعت ثلاثتهم بهذا القسم في وقت واحد.. أحدهم قد درس مراحله الجامعية في المملكة المتحدة، لكن الثاني كان قد زامله بجامعة الخرطوم وتشاركا سويا، غرفة السكن الجامعي وطاولات الطعام، وخاضا سويا قصص الغرام وويلاته، وخسرا وكسبا سويا كذلك، داخل الحرم الجامعي، مغامراتٍ وحروباً عاطفية لا هوادة فيها، ولا حصر لخسائرها الجسيمة. حيث ألتقيا لأول مرة قبل أحد عشر عاماً، وهم ينتظمون في صف الطلاب الجدد لمتابعة أجراءات التسجيل الراتبة المملة لدي العمادة بكلية الهندسة..
كانت جامعة الخرطوم فى تلك الأيام عامرة بالحراك الفكرى والسياسى، وكان الصدام مع السلطة السياسية العسكرية الحاكمة فى قمته، يغذى حراكه الندوات والأنشطة الطلابية وأركان النقاش.. كما لا يخلو الأمر من صدام وعنف متكرر مع إدارات الجامعة وعمادة الطلاب فيما يتعلق بمكاسب الطلاب وما يتعلق بسكنهم وإعاشتهم..فقد كانت الجامعة تنتج كميات ضخمة من الأغذية والألبان فى مزارع المستقلة .. وكانت الوجبات الساخنة فى الأطباق المعدنية المصقولة المقعرة فى تشكيلات هندسية رائعة، تقدم للطلاب بما عليها من أطايب الطعام.. وكانت مساكن الطلاب والداخليات تحظى بعناية فائقة كيما توفر بيئة صحية ونظيفة للطلاب.. كانت الدولة رغم ما يسببه الطلاب من قلق وصدامات وجفوة سياسية، تنفق بلا تحفظ كيما توفر بيئة ملائمة لهؤلاء الطلاب النابغين الذين يمثلون طاقة البلاد الدافعة فى المستقبل القريب.
كان حضور الطلاب الجنوبيين فى الجامعة كبيرا، فهم ينتشرون فى جميع كلياتها، وكان معظمهم ينتظمون فى كيان سياسى واحد هو الجبهة الوطنية الأفريقية (أفريكان ناشونال فرونت)، تعرف لدى الكافة بالإي إن إف.. كانوا يقيمون أركان النقاش ويصبون سخطهم على النظام السياسى الذي نقض غزله وكل ما تعهد به أمام الجنوب من الحقوق الأقتصادية وحق تقرير المصير.. وكانوا بارعون فى إستخدام الحجارة حينما تقع المواجهات بين جموع الطلاب وقوات مكافحة الشغب.
فهم يرون أن سياسات النظام فى الخرطوم فى الأونة الأخيرة قد قضت على كل الحقوق التى كفلتها إتفاقية أديس أبابا التى أوقفت الحرب بين الجنوب والشمال.. فالنظام فى الخرطوم بعد خسارته لليسار فى أحداث يوليو، وبعد نجاته من إجتياحٍ مسلح تعرضت له البلاد من تحالف الأحزاب الشمالية المسلمة المدعومة من دول الجوار العربى.. أتاح للإسلاميين المشاركة فى الحكم والتشريع بموجب إتفاقية المصالحة الوطنية، وكان لذلك أثر سلبى على المكاسب التى ضمنتها الأتفاقية للجنوب.. لم يكن دينق أكوى معنياً بكل ذلك بدرجة كبيرة، لكن ما يقلقه أكثر كان المعاناة والذكريات الأليمة التى كانت تؤرق أهله بسبب الحرب والمآسى التى تخلفها الإعتداءات المتكررة من الرعاة من قبائل التماس العربية، على الجانب الشمالى من النهر..
كانت الحياة الجامعية بالنسبة لدينق أكوى نقلة نوعية كبيرة، نضج فيها تفكيره وتشكلت بها شخصيته، واختلط فيها بالكثيرين من أبناء الشمال وتعرف بهم وأصبح له بينهم أصدقاء أعزاء كان عبد المحسن من أقربهم إليه