في الرّدّ على مصطفى البطل: ماذا يضير المهدية أنْ تكون حركةً سياسيّة دنيويّة؟؟. بقلم: عبد الحفيظ مريود
8 مارس, 2015
منشورات غير مصنفة
23 زيارة
في الرّدّ على مصطفى عبد العزيز البطل:
ماذا يضير المهدية أنْ تكون حركةً سياسيّة دنيويّة؟؟.
بقلم: عبد الحفيظ مريود
maryood@gmail.com
يخطئ الأستاذ عيسى الحلو حين يظنّ أنّ مقالتى عن رواية “شوق الدرويش” لحمّور زيادة مقالةٌ فى النقّد الأدبىّ. ليست كذلك. ثمّة علاقات معقّدة تتيح الرواية مجالاً لتفكيكها. هى تكأةٌ للعديد من التقليب. مدخلٌ لإستنطاقات لا يفصحُ عنها التأريخ أو الواقع من تلقاء نفسه.
ذلك أنّه حين يكتب أناسٌ أذكياء مذكرةً للحاكم الإنجليزىّ، يعتذرون فيها عن أفعال بعض ضبّاط الجيش، والوطنيين الذين أسّسوا “جمعية اللواء الأبيض”، واصفين أنفسهم ب “كرام النّاس” – أشكر الأستاذ محمد محمد خير على التصويب – فلابدّ لمثلى – المستجيب لدواعى العصبيّة بحسب مصطفى عبد العزيز البطل – أنْ يقف ليسألَ : “كرام النّاس” فى مقابل “أراذل النّاس”، الرّعاع، الرجرجة والدّهماء، أم فى مقابل شيئ آخر؟؟ لأنّ التأريخ المكتوب والمحتفَى به لم يشجب المذكرة ولا التسمية. مرّ كأنْ ليس هناك من جُرِحتْ كبرياؤه، بل كأنّما موقف الإعتذار للأجنبىّ المحتلّ شرفٌ يزيد الكرامَ كرامةً، ويقلّل من الموقف الوطنىّ الذى لم يصدرُ عنّا، بل صدر عمن لا يحقُّ لهم إبتدار المواقف أو صناعتها.فهل هناك لحظةٌ تأسيسيّة سابقةٌ للحظة مذكرة “كرام النّاس” تقسم السودان إجتماعيّاً إلى سادةٍ وعبيد؟ وهل ثمّة لحظات لاحقة رسّختْ آليات ذلك الخطاب وجذّرتْه بحيث لم يعُدْ أحدٌ يلتفت إلى الإنقسام الحادّ هذا، إلى الدّرجة التى سيكون الإلتفات إليه ضربٌ من فقدان المنطق، والتهاوى فى حضيض العنصرية والعصبية؟؟
يساوق بروفسير آشيلىممبيبى AchilleMbembe الكاميرونى المدرّسُ فى جامعات الغرب إدّعاءات باختين، بشأنِ الثقافات الرسميّة. يقعُ آشيلى – فى التصنيف الغربىّ – ضمن مدرسة إداوارد سعيد الناهضة لتفكيك أصول الخطاب ما بعد الكولينالىّ النازع للسيطرة. والذى يستندُ – ضمن آليات عديدة – على الحطّ من قدر الإرث الثقافىّ للشعوب “غير المتمدنة”. فى بحثه الشيّق ملاحظات تمهيدية لما بعد الاستعمار Provisional Notes on the Postcolony يشيرُ آشيلى إلى أنّ ضمن المؤسسات المنتجة لخطاب ما بعد الكولينياليّة، للإستمرار فى الهيمنة توضيع تراتبيات ثقافية نافيّة، طاردة ومتماهية مع الخطاب الرّسمىّ للكولينالية. ينبغى أنْ تنتج المؤسسات تلك تصنيفاً يجعل ثقافةً ما، ضمن حقول الثقافات الوطنية المتسيّدة، منحطة وسوقية لا ترقى لأنْ تمثّل المجرى الرئيس للثقافة المهيمنة. وقد كان ميخائيل باختين قد عمل على تقعيد آليات فرزها.
قلتُ – فى مقالتى عن الرواية – لم يكن الإنجليز وهم يخطّطون لقانون المناطق المقفولة الذى ملأتنا به التحليلات قرفاً، يفعلون شيئاً جديداً، مبتكراً كليّةً. فقد كان هناك نظام إجتماعىّ سائد “قفل” تلك المناطق الثلاث أو الأربع (بحسبان أنّ ما فعله مستر مور طاغية كُتُم فى شمال دارفور قانوناً غير مُعلَن )، قبلاً. وقد جرى التأكّد من ذلك سابقاً ولاحقاً من قِبَلِ الإنجليز، إنطلاقاً من توصيّات ونستون تشرتشل بشأنِ الثقافة العربية التى يحملها “الهجين السودانيون”، وجاهزيّتها للقيام بعمليات الطّرد والنفىّ لباقى الثقافات. فقد كان ثمّة موارد “مفتوحة” لإصطياد العبيد والإتجار بهم. ذلك هو الذى أغرى محمد على باشا لغزو السّودان. وبطل الرواية “بخيت منديل” لا يذكر متى تمّ إصطياده من الجبال الغربيّة، لجبال النّوبة. هو عبدٌ رقيقٌ بِيْعَ أكثر من مرّة، قبل أنْ يفتح الدّراويش الخرطوم، ويتحرّر، حرّيةً “مشروطة”، وينخرط فى وعاء المهديّة الكثير الثقوب.
بمنهج آشيلى ممبيمبى ثمّة العديد من المؤسّسات التى تمّ “تنصيبها” للإستمرار فى عمليات الفرز والطّرد. لقد أقرّها الإنجليز وأسهموا فى حمايتها، ضماناً لبقائها فاعلةً. لذلك كان على “مذكرة كرام” النّاس أنْ تصدر معتذرةً. ذاك هو سياقها المنطقىّ. وهو السّياق ذاته الذى تمّ فيه إستدراج الإمام عبد الرحمن المهدىّ، الذى نُفىَ هو ونساء آل المهدىّ بعد كررى، إلى أطراف أمدرمان. فقد تمّ إستدراجه، تقريبه، تمليكه الأرض والضياع، إحاطته برعاية إنجليزية فخمة – ضمن آخرين – لضمان عمل المؤسّسات الطاردة “للرّعاع”. أو لضمان السيطرة عليهم.
لقد فعل محمود ممدانى، الأكاديمي اليوغندي جهداً يحاكى جهد آشيلى “إنْ لمْ يُساوِهِ” على حدّ عبارة أبى العلاء المعرّى. وذلك فى ورقته عن “الهويّة”. فى تفكيك بنيات القوانين الأوربية التى تمّ تطبيقها فى إفريقيا إبّان الإستعمار. والتى تُقسّم منسوبىّ الدولة إلى طبقات ثقافية عرقيّة، لا ينبغى أنْ تتحاكم إلى قانون واحد. فقد تمّ تمييز المواطنة على أسس عرقية ثقافية، هى التى ستقرّر – لاحقاً – كيف تُخْلقُ القوانين. حدث شيئٌ قريب من ذلك على إيّام تولّى البروفسير الزبير بشير طه لوزارة الداخلية، بشأنِ قانون الجنسيّة. كانت هناك مسودة قانون سرّىّ يقسّم السودانيين إلى قبائل “أصلية”، “متداخلة”، و”وافدة”. لا ينبغى أنْ تحمل ذات الجنسيّة، بل يجب منح منسوبى القبائل “المتداخلة” و”الوافدة” جنسيات تحمل علامات. كأنّما نريدُ أنْ نقول هذه جنسيات من الدرجة الثانية والثالثة. لكنّ الله لطف.
ماذا يعنى ذلك كلّه يا مصطفى عبد العزيز البطل؟؟
لماذا ذهب محمد أحمد بن عبد الله، المعروف “بالمهدىّ” بدعوته إلى غرب السودان، وهو القادم من جزيرة “لبب”، نواحى دنقلا؟؟ السؤال فى محاولة الإجابة على إعتراضك على إستنادى على تنظير الشيخ حسن الترابىّ – “شيخى”. طالما أنّ أحداً لم يعارض دعواه، وكلّهم على قلب رجل واحد “بنى وطنه” على حدّ تعبيرك؟؟
الفحص الدّقيق، بعيداً عن الصّورةِ الحالمة المتوهمة، سيقودنا إلى أنّ المهدىّ لم يتّجه غرباً بحثاً عن العلماء والفقهاء والقادة. وإنّما ذهب ذات مذهب التركيّة فى البحث عن الرّجال الأشدّاء، القادرين على خوض معارك لأجل شرف المعركة، قبل كلّ شيئ. ذلك أنّه – باستثناء نزال الشايقية الباسل – لم يواجه إسماعيل باشا معركةً تهزّ أركان جيشه. وقد بات شائعاً – وقتها – أنّه ليس من أحدٍ يُحسب حسابه على طول شريط النيل، إلاّ الشايقية الذين فُلّتْ شوكتهم وتصالحوا مع نظام التّرك، بعد أنْ قلّ ناصرهم فى معارك كورتى الشهيرة. وبديهىّ والحال هذه أنْ يستعين المهدىُّ بمستودع الرّجال. ثمّة معلومات شائعة عن من أين يمكنك أنْ تستجلب رجالاً يمكن أنْ يخوض بهم حرباً أو أنْ تبيعهم أو تستخدمهم – كسيّدٍ إقطاعىّ رزين – فى أعمال الحقل.
سنتجاهل – لأغراض صورةٍ وطنيّة زائفة – معلومات أكيدة، وهى أنّ التركيّة لم تبسط سلطانها على دارفور وبعض أجزاء من كردفان إلاّ بعد 1874م، بعد خسارة السلطان إبراهيم قرض لسلطنته على يد الزبير باشا رحمة فى معركة منواشى. بمعنى أنّ عسف التركيّة المكرور بسخف مرتّب فى المناهج الدراسيّة، لم يقع على أهل دارفور إلاّ شيئاً يسيراً، مما يجعل قصّة مناصرتهم للمهدىّ من منطلقات دينيّة مجرّد افتئاتٍ رخيص. ولم يتّضح تديُّنٌ صلد لمطلق قبائل البقارة الذين هم عمادُ المهديّة. ذلك يُشبه – تماماً – أنْ تكون الإنقاذ قد ذهبتْ تجيّش البقّارة والأبّالة من لدنْ موسى هلال وحتّى آخر قوات فى دار المسيريّة فى نواحى أبيىْ لأنّهم أهل الدّين والمنافحون عنه. فهل يجافى شيخ التّرابى الحقائق الراسخة فقط لأنّ ثمّة أفندية “ظرفاء” قرّروا بناء تأريخ السودان وتأريخ المهديّة من وجهة نظر “حالمة”؟؟ سيكون الأفضل أنْ تخرج النّعامة رأسها من كثيب الرّمال، فجسدها عارٍ مبذول.
إستناداً إلى بروفسير على المزروعىّ ، فأنْ ” تعرف مجتمعاً ما، معرفةً يقينية، لا يكفى أنْ تراقبه وتلاحظ ميكانيزماته، بل يجب أنْ تكون جزءً منه” فى كتابه الممتع “الإفريقانيّة معاداً تعريفها”. لكنْ يبدو أنّ الأفندية لا يرغبون فى أنْ يكونوا جزءً من مجتمعات “الهامش”، يسقطون عليه رؤاهم وأخيلتهم الحالمة، بإتّجاه تماسك إجتماعىّ هشّ ومزعزع.
ذلك بالضبط ما يستلفتُ رجلاً موتوراً مثل – سيّدى البطل – فى رواية تُعَدُّ تُّحفةً فنيّة بنظرى. لا يمكننى الكتابة عنها من زوايا النقد الأدبىّ : هل هى تأريخية، ملحميّة، أو إلى أىّ مدرسة تنتمى، فذاك يفوق قدراتى المتواضعة. بيدَ أنّى إتكأتُ عليها لأطلّ على الجرح الذى ما يزالُ مفتوحاً، فى النيل الأزرق، جنوب كردفان ودرافور، فلقد ذهب الجنوب بجراحاته الكبرى. وما من سبيل إلى الرُّجعَى، حتّى يلجَ الجمل فى سَّمّ الخِياط.
هل ترى فى “المشهدية العالية” هذه – كما يقول الباحث القدير ميرغنى أبشر – ما يبشّرُ باضمحلال تلك المراكز والمؤسّسات التى تنتجُ وتعيدُ إنتاج الأزمة؟ هل نتساوق نحو أفق مغاير يُضيئُ فيه كلّ جزء فينا بمكوّناته، سعيداً بالإختلاف الخلاّق؟؟ هل ثمّة ما ينبئ عن تراجعُ الآليات التى تُوالِى الفرز والإبعاد على أسسٍ عرقيّة، إثنيّة، وجهويّة؟؟ هل يمكننا أنْ نذهب بعيداً، عميقاً، فى تحليل الأزمات غير تلك الوصفات الجاهزة التى تعيدُ كلّ شيئ إلى مؤامرة غربية صهيونيّة تستهدفنا فى “إسلامنا”؟؟ تلك هى الأسئلة التى يتوجّب على “العلماء” – والبطل وعيسى الحلو منهم – أنْ يطرحوها بجرأة.
كتب كمال حسن بخيت، رئيس التحرير الأسبق لهذه الصحيفة، مستنكراً إختيار رئيس تحرير بعده، وكيف أنّه إختيار غير موفّق، يقول إنّه لو تمّ إختيار “فوّاز”، موظّف الإستقبال النوباوىّ لكان أوفق من عادل الباز. يختزنُ العقل الباطنُ لكمال حسن بخيت التراتبيات الإجتماعية. ما تزال آليات الفرز حاضرة وتعمل بكفاءة. علينا أنْ نقضّ الطرف تماماً، ونمضى كأنّ شيئاً لم يكنْ، لأنّ كلمةً فى هذا الموضوع ستهدّد الأمن والسّلم، وتستفزّ الذات الوطنيّة المصونة.
لن تكون الأعمال الفنيّة الكبرى، الملهمة مثل رواية “شوق الدّرويش” مجرّد عمل فنىّ. هى عادةً فاتحة شهيّة ومثار للنظر أبعد من أرنبة أنفنا الفطساء، إنْ كان للأفطس من أرنب. مثلما تظلّ قيمتها الفنيّة العالية باقية متجدّدة، ستظلّ أسئلتها المفتوحة على الجراح الإحتماعية التأريخية السياسيّة والإقتصادية متجدّدة كذلك، حتّى يقضىَ الله أمراً كان مفعولاً.
//////////