لبث في الحبس بالمخفر لعدةِ ليالٍ متتالية عاني فيها الأمرّين من قسوة مفرطة مع محققين لا يعرفون الرحمة، كالوا له الشتائم وأوسعوه بإساءات عنصرية بالغة. كانوا حريصين أن يحملوه علي الإقرار بإرتكاب السرقة، رغم ما أتاهم به من الدلائل والبراهين التي تنفي عقلاً ضلوعه في تلك الحادثة، لكنهم لا يسمعون، فصار لا يخلو ظهره وسائر الجسم منه من الجروح والكدمات.. لكنه لم يكن ليعبأ بذلك كله مادام له البقاء خلف جدر المخفر الأسمنتية الباردة الصلبة، علي بعد آمنٍ من أن تناله أيدي آسريه.
كانت الحراسة الملحقة بالمخفر عبارة عن أربع غرف أسمنتية صماء متجاورة، لا تتجاوز مساحة الواحدة الخمسة أمتار مربعة لكل غرفةٍ بابٌ واحد وكوةٌ صغيرة أقرب ما تكون إلى السقف، تم تسليح الإثنين بقضبان فولاذية صلبة. كانت الأرضية مكسوة بطبقة من الأسمنت المهشم.. تغلق الغرف على المحتجزين طوال ساعات الليل رغم خلوها من دورة المياه، مما يضطر المحتجزين أن يتبولوا على قارورات الكريستال إذا ما أضطروا إلى ذلك. وكانت الغرف تطل على ممر ضيق يقود إلى بهوٍ واسع نسبيا تتم فيه طوابير التمام الصباحى للمحتجزين.. ولا تخلو تلك الطوابير من إذلال متعمد وجدال كالمنولوج من طرف الشرطى المناوب مع واحد أو أكثر من المحتجزين يعقبه عنف لفظى وصفعات متتالية..وعادة ما ينشأ النقاش بأسباب عبثية يفتعلها الأفراد المناوبون.
حدث مراراً أن أوقظهم صرير الأقفال فى الساعات الأولى بعد منتصف الليل، حيث كانت الدوريات تجلب أرتالا من المحتجزين الجدد تنبعث منهم رائحة الخمر والدخان، فيدفع بهم إلى الزنازين دون إعتبار لسعاتها، تتبعهم اللعنات والألفاظ الجارحة بينما أفواههم تقطر دماً.. بعض المحتجزين كان يبكى من الغبن والبعض الآخر يبادل الشرطى لعنة بلعنة ولكمة بلكمة، حتى يُلقى به الأخير، على الأرض بعد أن تخور قواه، ثم يُحشرُ وتغلق عليه الزنزانة حتى صباح اليوم التالى .. كانت تلك لحظات قاسية جدا على دينق أكوى، وهو الصبى الغض الذى لم يبلغ الحلم بعد..
قضي أقل من اسبوعين فى المخفر ثم أعقبتها أشهر ست قضاها بعد أن تم تحويله للإنتظار بالسجن العمومى بالمدينة.. رغم إنكاره الكامل فى كل مراحل التحرى، وأمام النيابة، لكنهم ظلوا بصبرٍ وأناةٍ، يحسدون عليهما، يداومون علي إقتياده بصحبة المتهمين الآخرين، والأصفاد تقيد يديه وقدميه، لحضور دورات المحاكمة التي كانت تنعقد داخل مجمع المحاكم الذى يبعد مسيرة ساعة من السجن العمومى داخل عربة السجن المزودة بصندوق حديدى دون نوافذ، إلا من كوة صغيرة جدا تفتح على كبينة الحرس وبالكاد تكفى للتوجيه وتمرير التعليمات الصارمة.
لم يكن مجمع المحاكم يشبه مبانى المدينة ولا مدارسها، كان نسيج وحده، شديد الإرتفاع، مرفهاً ومرصعاً بالرخام والعاج وبالطلاء النحاسى، فى مدينة نصف سكانها فقراء ومعدمون، شاهقاً كقصر عباسى، بردهات عالية وواجهات عليها زخارف شرقية مذهبة، كان لوقع الأقدام فى ردهاته الشديدة العلو صدىً يتردد عاليا فيجعل من يدخله لأول مرة يرتعد من العزلة والرهبة..
إنعقدت لأكوى أكثر من سبع جلسات تفصل بين الواحدة والأخرى أسابيع متعددة. ما كان يثير دهشة أكوي أن جميع من كانوا يحضرون الجلسات كانوا فى ثياب راقية وعباءات سوداء ورباطات عنق زاهية، وكانوا يتحدثون بلغة عربية فصحى لا تشبه لهجة سائر أهل المدينة، وتبدو على وجوههم قسوة وصرامة لم يكن أكوى مُهيأً لها، وكان حينما يبادلهم الحديث لا تأتى ردود أفعالهم متناسقة مع منطق الأشياء، فهم لا ينفعلون مع ما يراه هو مدعاةً للإنفعال، ثم يثورون فجأة فى وجهه بعنف مفرط لأحداث لا يراها فى، الغالب، تستوجب تلك الثورة.. وكانوا يصرون على تكرار معلومات خاطئة ولا يحرصون على سماعه حينما يحدثهم عن الحقيقة.. وحتى حينما يصغون له، يراهم يعودون، كرةً أخرى، لترديد نفس المعلومات الخاطئة، وكأنهم لم يسمعوه، وتراهم يعكفون على تسجيل كل ذلك فى وضع يدعو إلى الشفقة.. لا شك أنهم أناس مختلفون.. كأنما هبطوا على الأرض من على متن طبقٍ فضائى…. كان ذلك المشهد مع الرهبة التى يضفيها المكان تجعلان دينق أكوى بجسمه الهزيل وثيابه الرثة البالية، يرتجف كعصفور برىٍ جريح، ويحس كأنما هو القربان الوحيد لجموع غير متناهية من الآلهة.. فكل قوى الشر قد إجتمعت ذلك اليوم وأمسكت بتلابيبه وتكالبت عليه.
كانت الجلسات تعقد وتنفض لأسباب هامشية وتافهة لا تشبه عظمة المكان وهيبته، أحيانا نزولاً لطلب محامى الإدعاء، رغم أنه هو من طلب إنعقاد الجلسة، أو لعدم قيام الساعى بإخطار الشهود، أو لغياب المتحرى.. لكن أكوى كان لا يغيب، فقد كان يُقتاد كالشاة، ما بين السجن الكبير وقاعة المحكمة، وكان إثنان من العسكر مدججين بسلاحٍ وبنادقَ منشورة، يتبعونه جيئة وذهابا، ويلزمون باب دورة المياه إذا ما أذنوا له بقضاء الحاجة. لم يكن فى البدء مستيقنا بأنه المقصود من ذلك كله، فهو لم يحدث نفسه يوماً بالهرب، كما أن جسده الهزيل ليس بالمتانة التى تستدعى كل ذلك الحشد من المقاتلين ..
nagibabiker@hotmail.com
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم