البرومات في مياه الشرب المعبأة .. بقلم: بدر الدين حامد الهاشمي

ثبت من أبحاث كثيرة أن مادة البرومات (الموجودة مثلا في برومات البوتاسيوم) هي من المواد التي يمكن أن تحدث تسرطنا وتسمما كلويا في الحيوانات المختبرية والإنسان. ونشر الكثيرون (من المختصين والصحافيين المهنيين) منبهين لخطورة هذه المادة، وضرورة التحكم في نسبتها في المواد الغذائية، والحفاظ على أن لا تتجاوز تلك النسبة الحدود المسموح بها عالميا، والتي يعتقد بأنها لا تضر بالصحة.
ولعل “الضجة” (المحقة) اتي اثيرت حول استخدام برومات البوتاسيوم في “تحسين” الخبز قد أعطت الانطباع عند بعض الناس بأن الخبز هو المصدر الوحيد للتعرض لهذه المادة. غير أن إثارة أمر البرومات في مياه الشرب المعبأة  في عدد من دول الخليج العربي في الشهور الأخيرة دعاني الآن للكتابة والسؤال عن مدى مطابقة مياه الشرب المعبأة  في السودان أو المستوردة إليه (والتي يثق الناس في سلامتها ويطلقون عليها من باب الاعزاز “موية الصحة”). والإجابة هي بالطبع عند المكلفين بقيادة الأجهزة الصحية والرقابية (مثل وزارة الصحة وهيئة المواصفات وغيرهما).
ويظهر ما جاء في بعض صحف الخليج مؤخرا من سحب السلطات في هذه الدول لبعض المنتجات المعروفة لتلوثها بالبرومات مدى إيمانها بخطورة ذلك التلوث وضرورة الانتباه لما يأكله ويشربه الناس، فصلاحية المأكول والمشروب لا تقل أهمية عن أهمية صلاحية الأدوية والمستحضرات الطبية الأخرى، بل لعلها أكثر أهمية.  وعلى ذكر الاهتمام بصحة الناس من قبل نشطاء المجتمع المدني قرأت، وبكثير من الانزعاج والاستغراب والحزن أيضا،  ما جاء في مقال حديث للأستاذ كمال الجزولي عما دار في منتدى جمعيَّة حماية المستهلك، بالسبت 28 مارس 2015م، عن أن 22% من جملة السُّكان يعانون من نقص “اليود” في أجسامهم، مِمَّا يؤدِّي، فضلاً عن إجهاض الحوامل، وولادة الأطفال الموتى، وموت الأطفال حديثي الولادة، ونقص أو انعدام حاسة السَّمع، وعيوب الكلام، وقصر القامة، وتضخم الغدة الدرقية، إلى مجموعة أمراض “ذهنيَّة”، كـ “التخلف العقلي”، و”تلف الدُّماغ”، و”تناقص نسبة الذَّكاء”، حيث يولد حوالي 242.400 طفل، كلَّ عام، وهم مصابون باضطرابات مختلفة، وأن 7000 طفل قد يصبحون “مختلين عقليَّاً”، وأن 24.000 يعانون من “تخلف عقلي حاد”، و210.000 سيكبرون وهم يعانون من “خلل ذهني” (اليوم التَّالي؛ 29 مارس 2015م). ولعل في اهتمام المثقفين والصحافيين  بمثل تلك الأمور “الصغيرة” والتي لا يوليها عادة  السادة المهتمون بـ “عظائم الأمور” ما يعطي بعض الأمل في أن هنالك من يرفع الصوت مناديا بتناول الأمور المعيشية المباشرة التي تهم المواطنين “العاديين” في مأكلهم ومشربهم.
وبالعودة لبعض ما ورد في صحف الخليج عن تلوث مياه الشرب المعبأة  أورد مثالا واحد عن خبر ورد في جريدة “الرياض” قبل نحو عام ونصف يقول بالنص:” حذرت الهيئة العامة للغذاء والدواء من استخدام مياه مصنع العمرة بمكة المكرمة ذات الأحجام 4 و 5 و6 جالون، المنتجة من قبل فرع شركة مصنع العمرة للمياه المحدودة بمكة المكرمة لتجاوزها للحدود القصوى للمواصفات القياسية الخليجية رقم (1025/2009) والتي حددت النسبة القصوى المسموح بها من مادة البرومات (10 جزء في البليون). وتوصي الهيئة المستهلكين بتجنب استهلاك هذا المنتج والتخلص مما لديهم، علماً بأن الهيئة قامت بمخاطبة الجهات ذات العلاقة لاتخاذ الإجراءات اللازمة حيال إلزام المصنع بسحب منتجاته المخالفة من الأسواق المحلية وإيقاف خطوط الإنتاج للعبوات المذكورة أعلاه حتى يلتزم بالحدود المسموح بها لمادة (البرومات) المنصوص عليها في المواصفة القياسية الخليجية الخاصة بمياه الشرب المعبأة المنوه عنها أعلاه. وستواصل الهيئة مراقبة المصانع المنتجة لمياه الشرب المعبأة ورصد جميع منتجات مياه الشرب المعبأة المتداولة بالأسواق المحلية واتخاذ الإجراءات اللازمة حيال المصانع المخالفة للمواصفة الخليجية المشار إليها”. وتكرر ذات البيان مع شركة أخرى تنتج المياه المعبأة في القصيم.  وجاء في صحيفة عمانية صدرت في الأسبوع الماضي أن السلطات قامت مؤقتا بسحب منتجات  بعض أشهر الماركات التجارية المحلية للمياه المعبأة بسبب ارتفاع نسبة البرومات بها فوق ما هو مسموح به عالميا.
أعتقد أن كل ما يطلبه من يستهلك هذه المياه في السودان (وهم بالطبع  قلة  بالنسبة لعدد السكان الكلي في البلاد الذين لا يجدون ماء صالحا للشرب، معبأ أو غير معبأ) من الجهات ذات العلاقة هو التأكيد على سلامة هذه المياه وخلوها من الملوثات الكيميائية والحيوية (وقد نشر في بعض صحف الخرطوم مؤخرا أن السودان يخسر سنويا مئات الملايين من الدولارات بسبب تلوث مياه الشرب). ولا علم لي – للأسف-  بأي جهد بحثي منشور من الجهات الأكاديمية / البحثية في البلاد بهذا الأمر البالغ الأهمية، رغم محاولتي  البحث فيما نشر في هذا الأمر تحديدا، علما بأن دولا متقدمة علينا بما لا يقاس لا تزال تبحث في شأن سلامة مياه الشرب فيها.  وكأمثلة بسيطة على هذا الاهتمام أشير إلى ورقة علمية نشرت في عام 2012م  بالبرازيل تؤكد أن مياه الشرب المعبأة قد تصبح مصدرا محتملا لنمو البكتريا الضارة المقاومة للمضادات الحيوية. وأكدت ذات الخلاصة ورقة علمية من إيران. بل وأثبتت  دراسة أخرى صادرة من جامعة في هيستون بولاية تكساس الشهيرة  نشرت في عام 2008م أن 4 من جملة 35 نوعا من مياه الشرب المعبأة  بالولاية كانت ملوثة بالبكتريا، وأن بعض مكونات تلك المياه لم يكن مطابقا لمواصفات منظمة الصحة العالمية، ولا منظمة الأغذية والأدوية (FDA)،  و لا لمواصفات الجمعية الدولية لمياه الشرب المعبأة (IBWA).
ليس المقصود بالطبع من إثارة السؤال عن  أمر سلامة مياه الشرب المعبأة بالسودان هو التشكيك في سلامتها، أو ربط الأمر مباشرة (ودون دليل قوي)  بتزايد حالات أعداد المرضى بالفشل الكلوي ومختلف أنواع السرطانات (بحسب ما تقوله السلطات الصحية)، فليس أصعب من إثبات  برهان وجود علاقة سببية (مباشرة أو غير مباشرة) بين المتغيرات المختلفة المحاطة بكثير من العوامل الخارجية المؤثرة (confounding factors)، ولكن  المطلوب هو تطمين المواطن بأن ما يشربه  من ماء معبأ  (أو من المواسير مباشرة) سليم صحيا بنسبة كبيرة، وأن نعمل الشفافية في نتائج أي أبحاث قد تجريها السلطات المعنية أو الباحثون المستقلون في هذا الأمر.
alibadreldin@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً