الإطار النظري للملكية وأساليب التصرف فيها
التَفْكِير الوَاضِح يَسْبُق الكِتَابَةَ الوَاضِحةَ أو التَصَرُف الصَحِيح. فرانك جيليت
ملامح نظرية:
عرفت البشرية ملكية وسائل الانتاج والأصول المادية منذ بدء الخليقة، وتباينت نظرة المجتمعات المختلفة لتلك الملكية وتراوحت بين فكرة ملكية الافراد ” الملكية الخاصة” وملكية الجماعة أو ملكية الدولة التي يفترض ان تمثل الجماعة ” الملكية العامة” والتي قد تأخذ صورا وأشكالا متنوعة. كما عرفت البشرية “نزع الملكية الخاصة” لصالح المجتمع أو الجماعة كما تدعي أو تزعم السلطة التي تتولى النزع بدوافع سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وتأخذ عملية نزع الملكية أيضا أشكالا مختلفة تشمل التأميم والمصادرة ووضع الممتلكات تحت الرقابة أو الحراسة وإن كانت الصيغ الأخيرة في بعض الأحيان لا تعني نزع الملكية مقارنة بالتأميم والمصادرة، وإنما تحديد تصرف المالك فيما يملك ووضعه تحت مراقبة السلطة.
وتستخدم عملية نزع الملكية الخاصة في حالات كثيرة لأجل المصلحة العامة، مثل نزع الصناعات الاستراتيجية والمنشآت التي تدير نشاطات مؤثرة على الاقتصاد القومي ترى الدولة ضرورة أيلولتها لها والسيطرة عليها لصالح المجتمع. كما تشمل نزع ملكية الأراضي والعقارات المملوكة للأفراد لإقامة المشاريع الصناعية والزراعية الجديدة، وإنشاء المرافق العامة كالطرق والمطارات ومسارات القطارات وغيرها ، التي تنوي الدولة إقامتها ويكون لابد من نزع الملكية لتؤول للدولة وتمكنها من إقامة تلك المشروعات للمصلحة العامة. وربما تقرر بعض الحكومات التعويضات للأفراد الذين نزعت ملكيتهم. وينظم القانون في كل بلد الأسس والاجراءات القضائية المتعلقة بنزع الملكية ، وقد يلجأ المتضررون من قرارات نزع الملكية للقضاء للاحتجاج على التعويضات غير المجزية التي تقررها الحكومة. ولنزع الملكية من الوجهة النظرية أصول سياسية واقتصادية واجتماعية نتناولها في إيجاز.
فمن الوجهة السياسية يبدو نزع الملكية بأشكاله المختلفة صراعا بين غريزتين تتحكمان في حياة المجتمعات هما ” غريزة حب التملك” و ”غريزة حب التجمع”. وبينما تمظهرت الغريزة الأولى خلال تطورات الحياة الانسانية عبر آلاف السنين في “الملكية الخاصة” تبلورت الغريزة الثانية في “سلطة الجماعة” أو التجمعات البشرية بأشكالها المختلفة القبلية والعرقية والطبقية والطائفية وهي السلطة الحاكمة أو الحكومة في المصطلح الحديث. ولقد أفرزت الغريزتان نظامين في إطار النظام السياسي العام الذي يحكم المجتمع وأصبح نظام ” الملكية” خاضعاً لنظام “السلطة الحاكمة”. وبحكم أن الدولة بأداة سلطتها أي الحكومة في المجتمعات الحديثة هي التي تنظم النشاط الاقتصادي عن طريق التنظيم القانوني الذي تمليه ظروفها وتوجهاتها السياسية ، فإن معضلة تحديد قواعد ممارسة النشاط الاقتصادي بما في ذلك ممارسة حق التملك ” الملكية” ترتبط ارتباطا عضويا بتنظيم الدولة السياسي واتجاهاتها ورؤيتها لما ينبغي أن يكون علية النشاط الاقتصادي بما يحقق المصالح كما تراها. وتتراوح النظريات الحاكمة لتدخل السلطة السياسية في الميدان الاقتصادي على وجه العموم بين محورين أساسيين أولهما: الاعتراف الكلاسيكي بالملكية الخاصة باعتبارها حقا مقدسا يعطي المالك حرية التصرف في ملكه بصورة مطلقة ومؤبدة كما هو الحال في الدول الرأسمالية التي تعتمد الاقتصاد الحر. وثاني هذين المحورين عكس هذا تماما إذ يقوم على الانكار الكلي أو الجزئي للملكية الخاصة لوسائل الانتاج كما هو الحال في الدول الاشتراكية والشيوعية. وفيما بين هذين المحورين تتراوح درجات النظم السياسية فيما يتصل بنظرتها للملكية الفردية وتتفاوت من بلد لآخر وربما يتعايش المحوران بنسب متفاوته. وهذا هو الحال في كثير من الدول التي تعتمد خليطا من النظريتين بحسب واقع حالها السياسي وظروفها الاقتصادية والاجتماعية وتوجهاتها الإيديولوجية التي تحكم قضية الملكية.
أما الأصل الاقتصادي لنزع الملكية فيمكن النظر إليه من زاوية سعي الانسانية لتحسين الظروف المعيشية للجماعات والتي تطلبت في بعض المجتمعات مقاربة نظرية الملكية الخاصة كحق مطلق مؤبد من خلال معالجات فلسفية وقانونية . وقد نازع الاقتصاديون لاسيما الاجتماعيون أو الاشتراكيون في مراحل تطور الفكر البشري المختلفة الملكية الخاصة. فبرزت مع الثورة الفرنسية (1830م) على سبيل المثال آراء القديس سيمون الذي استعمل كلمة الاجتماعية والاشتراكية في كتاباته فكان أول من هاجم الملكية كحق مطلق مانع مؤبد وقارن ما بين الانتاج والملكية وهاجم الاهمية المقررة حينذاك للملكية على حساب الانتاج . وتلى ذلك أفكار روبرت أوين في انجلترا في نفس السياق تقريبا وغيره من الاقتصاديين. ومن ثم بدأت إرهاصات الانكار لفكرة الملكية الخاصة لوسائل الانتاج وضرورة إعادة النظر فيها بحسب ما أرتآه أولئك الاقتصاديون كل وفق نظريته والظروف التي أحاطت بها. وبظهور كتابات كارل ماركس وانجلز – مؤسسا الاشتراكية العلمية – كانت فكرة الملكية الخاصة قد أخذت حظا وافرا من النقد وأخذت المعالجات الاقتصادية للملكية تبرز في بعض المجتمعات بصورة سافرة وعملية وتطورت نحو التأميم كما حدث على سبيل المثال من خلال التطبيق اللينيني في الاتحاد السوفيتي واعلان قيام ثورة البروليتاريا. وقد اصبح شعار نزع الملكية لصالح المجتمع قابلا للتطبيق في كثير من المجتمعات.
أما الأصل الاجتماعي لنزع الملكية من خلال التأميم وغيره من الأشكال فهو أيضا يقوم على أساس الغريزتين اللتين أشير إليهما أعلاه أي غريزة حب التملك وغريزة حب الاجتماع. والذي يمكن الاشارة إليه من الناحية الاجتماعية هو أن غريزة التملك بطبيعتها تقدم الصالح الفردي الأناني على الصالح العام ولا تلقي بالا لصالح الجماعة. ومع تطور المجتمعات الانسانية وتزايد الحاجة لتوجيه وسائل الانتاج لخدمة قطاعات واسعة من المجتمع بصورة شاملة وعادلة أصبح لابد من تنسيق الحاجات الفردية للإنسان مع حاجات الجماعة. وتطلب هذا توفيق وتنسيق الحقوق والحريات الفردية مع حقوق وحريات الجماعة. ولقد مارست مجموعات الضغط والنقابات والاتحادات المهنية التي تمثل جمهور العاملين وقطاعات عريضة من المجتمع، مارست دورا كبيرا في حمل السلطة الحاكمة في المجتمعات المختلفة على تبني السياسات التي تحقق هذا الهدف أي توفيق مصالح الأفراد والمجتمع. وشكل هذا البعد الاجتماعي في النظرة للملكية في بعض المجتمعات رايا عاما حمل الدول والحكومات على اتخاذ القرارات التي تساعد في المواءمة بين مصلحة الأفراد ومصلحة الجماعة وتمثلت تلك القرارات في إجراءات لنزع الملكية الفردية على وجه من الوجوه.
لقد مهدت دول عديدة في أوربا الغربية لنزع الملكية الخاصة من خلال تشريعات قانونية وإجراءات خاصة استخدمت فيها التأميم كوسيلة رئيسة. وقد ارتكزت التشريعات القانونية واستلهمت الأصول الثلاثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ألمحنا إليها فيما تقدم. وبالرغم من بروز الفكر الاقتصادي الاشتراكي كمحرك قوي للتأميم إلا أنه قد تم اللجوء إلي التأميم في بعض الدول بعيدا عن ذلك المؤثر كما في المكسيك على سبيل المثال قبل العام 1917م. وفيما بين الحربين العالميتين تمت بعض اجراءات نزع الملكية بالتأميم في دول أوربية بصورة براقماتية لم تلتزم بإطار نظري أيديولوجي محدد. وفي بعض دول أوربا الشرقية في الأعوام اللاحقة تمت عمليات التأميم متأثرة بدرجات متفاوتة بالفكر الاشتراكي في الاقتصاد وبالنهج الماركسي في الاتحاد السوفيتي.
اتخذت كثير من قرارات نزع الملكية بالتأميم وغيره في إطار برامج للإصلاح الاقتصادي كما هو الحال في بعض بلدان أوربا الغربية ومنها فرنسا وبلجيكا وألمانيا. ولقد تباينت النظم المتبعة في التأميم في بلدان العالم المختلفة. فكان النظام الجنوب أمريكي يتأسس على فكرة (الوظيفة الاجتماعية) للملكية. فدول أمريكا اللاتينية وجدت نفسها بعد أن نالت استقلالها فريسة للاستغلال الأجنبي الخارجي لمواردها من قبل انجلترا وأمريكا. ولهذا تولد الإحساس برد فعل عنيف لدى الجماهير والقوى السياسية في تلك الدول تجاه النفوذ الاستعماري وسيطرة رأس المال الأجنبي على الحياة الاقتصادية. ومن ثم اتخذت جمهوريات أمريكا الجنوبية سلسلة كبيرة من التأميمات ونزع الملكية للصناعات الرئيسية والمشروعات ذات النفع العام. ولقد جرى نفس هذا النمط في إندونيسيا وفي مصر وبعض الدول الآسيوية والأفريقية .وكان لتطبيق فكرة التأميم في هذه الدول طابعه الخاص المميز فهو رغم كونه وسيلة لتحقيق اشتراكية الحياة الاقتصادية إلا أنه بدا في الغالب كوسيلة لإصلاح اقتصادات تلك البلدان وتخليصها من النفوذ الاستعماري وسيطرة رأس المال الأجنبي.
على النقيض من تجربة دول أمريكا الجنوبية كلنت تجربة الاتحاد السوفيتي وبلدان أوربا الشرقية تقوم على مرتكزات إيديولوجية محددة تستلهم تطبيق المبادئ الاقتصادية الاشتراكية. وقد تم التخلص من البناء القانوني القديم الذي كان ينظم الملكية في الاتحاد السوفيتي بموجب قانون 1936م وأقيم على أسس جديدة تتقيد بالاطار الإيديولوجي للدولة السوفيتية. وقد تبعت خطوات التجربة السوفيتية دول أوربا الشرقية والصين وبعض بلدان العالم الثالث التي تبنت الفكر الاقتصادي الاشتراكي. وربما أتبعت دول أوربا الشرقية صورا مخففة من التجربة السوفيتية أملتها ظروف الواقع الاقتصادي لكل بلد، ومع ذلك فقد استخدمت صورا من اساليب نزع الملكية وأبرزها التأميم لترتيب اوضاعها الاقتصادية. وأبقت بعض دول أوربا الشرقية على شيء من مظاهر الملكية الفردية لوسائل الانتاج مثل القطاع الصناعي والعقاري الخاص على خلاف ما تقضي به النظرية الماركسية.
أما في دول أوربا الغربية فقد تم اللجوء للتأميم دون إحداث تغيير جذري في النظرة للملكية الخاصة ودون إنكارها كحق للأفراد ولم يتم فرض قيود محسوسة على القطاع الخاص. وتميز تطبيق إجراءات التأميم بالنظرة البراقماتية الإصلاحية أكثر من كونه مؤسسا على موقف من الملكية الخاصة يسترشد بفكر محدد ملزم أو إيديولوجية مقيدة. ففي فرنسا تم التأميم في أوضاع وظروف مضطربة وغير عادية جراء الخراب الذي خلفه الاحتلال النازي وعليه فقد تم اللجوء للتأميم في إطار تشريعي استجاب للاتجاهات السياسية التي سعت لتحقيق المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفرنسي. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن التجربة الفرنسية في نزع الملكية بالتأميم لم تتأثر بالفكر الاشتراكي السائد فربما كان له بعض التأثير بالرغم من خصوصية التجربة.
ومثال آخر لدول أوربا الغربية هي إنجلترا التي تبني فيها قرارات التأميم حزب العمال البريطاني في العام 1949م بعد أن انتهت موجة التأميمات التي شملت دول أوربا الشرقية وفرنسا. ولقد اتسمت التجربة الانجليزية التي قادها حزب العمال بالاستقلال الإيديولوجي والطابع العلمي إذ نشر الحزب كتابا في عام 1950م بعنوان ( خمسون حقيقة عن الملكية العامة Fifty Facts on Public Ownership) جاء فيه أنه في بعض الصناعات وجد أن الرقابة المالية أو الرقابة المباشرة ليست كافية وعلية لابد من استخدام آلية الملكية العامة. وقد طرح الحزب رؤاه حول التأميم من خلال حملاته الانتخابية التي استهدفت اقناع المجتمع بما هو مقدم عليه من اجراءات لتوسيع الملكية العامة . وعليه فقد أقدم حزب العمال على تأميم العديد من الصناعات التي آلت ملكيتها للقطاع العام في إطار برامج حزب العمال لإحداث الإصلاح الاقتصادي الذي يستهدف مصلحة المجتمع وفقا لرؤى الحزب. وبالرغم من احتمال تأثر بعض تجارب التأميم في دول أوربا الغربية على نحو ما ببعض رؤى الفكر الاقتصادي الذي يهتم بتوسيع نطاق الملكية العامة لمصلحة المجتمع إلا أن تلك التجارب كانت بعيدة عن التأثير الإيديولوجي المذهبي أو النفوذ الحربي والسياسي للاتحاد السوفيتي في تلك الفترة، وكان لكل منها طابعها الخاص وظروفها المختلفة التي أملت إجراءات التأميم.
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم