الحنق» … رواية المسكوت عنه لشوقي بدري .. بقلم: عبد القدوس الخاتم
28 يونيو, 2016
شوقي بدري, منبر الرأي
175 زيارة
shawgibadri@hotmail.com
نشرت هذه الرواية المتفردة في سبعينيات القرن الماضي، ومبلغ علمي أنه لم تصدر منها طبعة ثانية وانما أسدل النسيان وربما التجاهل ستاراً كثيفاً عليها.
والمؤلف الأم درماني عرف بانتاجه المتميز في مجالات القصة القصيرة والصور العلمية والمذكرات السياسية والاجتماعية، وقد أهملت هذه الرواية من قبل النقاد ومؤرخي الرواية حتى كادت تصبح نسياً منسيا، وذلك لأسباب متفاوتة ، أولاً لغرابة موضوعها آنذاك، وثانياً لأنها تناولت المسكوت عنه في تاريخنا المعاصر.
ثم لأنها كتبت بأسلوب عار وبواقعية جارحة تمنح من تجربة ومغامرات المؤلف المباشرة.
أشار في المقدمة إلى ان معظم شخصياتها حقيقية.. واستقى فيها من ذكريات طفولته ومعرفته العميقة بحواري أم درمان القديمة وازقتها ومنتدياتها وما يدور في قاعها من المآسي والبؤس والحرمان، وما يكابده أبطالها المهمشون.
قبلياً واجتماعياً.
ومن الصعب تتبع المنابع التي تشرب منها المؤلف ثقافته الأدبية، ولكن مما لا شك فيه أنه أفاد من الروايات والقصص الواقعية في باكورة صباه وروادها في العالم العربي امثال نجيب محفوظ، وفي السودان استفاد من ابو بكر خالد وراويته «كلاب القرية» وخليل عبد الله الحاج «انهم بشر» وفيها يصف «زقاق العمايا» بالعباسية .. موطن كاتبنا.. وصفاً مؤثراً، وربما طالع حينئذٍ قبل ان يشتد عوده روايات المغامرات المترجمة امثال روكامبول وارسيني لوبين والفرسان الثلاثة لدوماس وغيرها مما كان رائجاً بين مجايليه م الشبان، ووجد ذلك هوى في نفسه لما تمجده من صفات البطولة والشهامة والاقتحام ، وربما توقف بعد ذلك لدى أعمال مثل زوربا لكزانتزاكي و«الشيخ والبحر» لهمنجوي واستعان بها في رسم شخوصه النافره المتوحشة لا بد ان نشير هنا أيضاً إلى جوركي بواقعيته الفاقعة، كما نشير إلي مصدر خصب من مصادر ثقافة الاستاذ شوقي بدري وهو تتلمذه على يد والده الاداري الذي طبقت شهرته الافاق في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وكان رجلاً مرهوب الجانب حتى من رؤسائه من عتاة الاداريين البريطانيين وذلك لجرأته وصراحته وذكائه الوقاد وقد قضى فترة في جنوب البلاد واتقن لغة الدينكا وله مواقف مشهودة ضد الاستعمار، اشار إلى بعضها المرحوم الاستاذ محمد عثمان ياسين في كتابه الجميل عن الشاعر توفيق صالح جبريل الذي كان ايضاً وثيق الصلة بأبراهيم بدري ورثاه بقصيدة تعد من عيون الشعر السوداني وقد اشرنا إلى والد الاستاذ شوقي لأنه ورث عنه ملكية السخرية وعدم التواني عن قول الحق مهما يكن الثمن الذي يدفعه مقابل ذلك، وهذا ما نلمسه بجلاء في رواية «الحنق» التي هي نسيج وحدها في الرواية العربية والسودانية الصادرة يوم ذاك، ولم يتسن للرواية ان تخترق حجب المسكوت عنه الا في العقد التاسع من القرن العشرين ونضرب مثالاً لذلك برواية «الخبز الماضي» للمغربي محمد شكري ورغم ذلك فإن «الحنق» لا يمكن عدها من الروايات البذيئة لان ما يأتي فيها من اشارات فاضحة تأتي في سياق الدراما النابضة بالحياة حيث يتحكم الموقف في التعبير إلى حد محير للقارئ المتعجل، وتتضح موهبة الكاتب في قدرته على الحكي وخلق المعادل الموضوعي للجو الذي يصفه وفي رسمه البارع للشخوصو انظر «الحاج عبد المحمود والريس ومصطفى مرجان» وتدور احداث الرواية في قرية تقع على ضفة النيل الازرق بأواسط البلاد يعمل أهلها بتربية الماشية والاغنام ويعيشون حياة بدوية جلفة في مضاربهم على حدود الصحراء ولم يتغير نمط حياتهم المحدودة الجافة إلا بعد بناء الخزان «لعله خزان مكوار» الذي اسبغ عليهم ضرباً من المدنبة لم يألفوه من قبل وان بقيت رواسب الماضي وعقده في نفوسهم الى حين خاصة في نظرتهم للمهمشين والخدم والحشم الذين يعملون في خدمتهم ، وفي سردية ملتزمة يفضح الكاتب الشرور والآثام التي ترتكب في حق اولئك البسطاء بدعوى القبلية والنسب والشرف والذين كانوا لا يدخرون جهداً في القيام بخدمتهم بل والتضحية من اجلهم ولا يجدون الا القسوة والنكران.
يتتبع المؤلف شخصية مصطفى مرجان المهمش ابن المهمش الطفل الذكي الذي اجبر على ترك المدرسة بعد وفاة راعيه وصديق ابيه فكان يتسكع على ضفة النهر ينصب الشراك المصنوعة من سبيب ذيل الحصان لاصطياد العصافير ويرقد على الرمال الناعمة ويجعل منها لوحاً يخط عليه ما تعلمه في ايامه الاولي بالمدرسة متأملاً السماء الزرقاء واحياناً لا يلوي على شئ، وعلمته العزلة الشدة والصبر على المكاره وكان من حسن حظه ان شاهده احد صناع المراكب التي اختفت الآن وبما يليها من انواع الاخشاب كالسنط والهشاب والادوات المستخدمة في نجارة الخشب والالواح واجزاء المركب من سكان ودفة وصاري وشمعة الخ مما لا يعرف عنه ابناء المدن شيئاً وقد وقف المؤلف في رسم صورة ذات تفاصيل دقيقة لشخصية الحاج عبد المحمود وعبقريته في صناعة السفن وجاذبيته ومرحه وطيبة قلبه رغم لسانه الحاد كما وفق في تصوير الغموض الذي يحيط بالرجل ولا يعرف عنه احد شيئاً إلا أنه من شمال البلاد بشلوخه البادية ولهجته الاعجمية حتى يكشف الرجل عن شخصية مأساوية في نهاية الأمر،
انجز شوقي بدري هذه الصورة المركبة بضربات فنان تعرف ريشته مكامن الظل واللون فجاءت نموذجاً بشرياً جديراً بموهبة كبيرة تنبئ بالكثير. شق مصطفى طريقه وحيداً بعد اعتقال معلمه بتهمة القتل إذ عثرت عليه السلطات التي كانت تطارده سنوات طويلة في مشرع المراكب حيث عاش متخفياً، وعمل مصطفى نوتياً مع الريس ومساعديه كشريك دون ان يزق طعماً لتلك الشراكة لا مادياً ولا معنوياً بحجة أنه مهمش ومن سلالة المهمشين وهنا يتمكن شوقي بدري من خلال قدرته الوصفية ومعرفته اللصيقة بذلك العالم الغرائبي من الامساك بتلابيب السرد الممتع كاشفاً عن روح انسانية دون ان يقع في مطب الوعظية المباشرة التي هي ابعد ما تكون عن الفن ليقف من خلال الصور والاحداث نصيراً لمسحوقي قاع المدينة وإذا عاب عليه البعض جموحاً في اللغة فحسبه انه اراد ان يعطينا جرعة من مرارة واقع اخذ في الافول الآن متحلياً بروح المؤرخ المنصف حتى لا يصبح ذلك الواقع تاريخ اهمله التاريخ ويغيب عن اعين الاجيال التالية وقد كان جزءاً لا يتجزأ من حياتهم رضوا أم ابوا ومن التكوين المعقد للشخصية السودانية في بحثها عن الهوية، وبكلمات اخرى علينا ان نواجه انفسنا ونتوقف عن ادمان الهروب إلى الأمام وان في تراثنا وقيمنا ثروة من التسامح والسماحة قد يكون فيها خلاصنا إذا احسنا استغلالها وفطنا إليها بأدئ ذي بدء.
في الجزء الثاني من رواية «الحنق» ترمي المقادير بمصطفى في حي الموردة مع المهمشين ايضاً ذلك الحي الذي عاش فيه شوقي بدري وعرفه عن ظهر قلب وهو هنا يصور التغيير الذي ران على شخصية مصطفى فتحول إلى فتوة تحكمه عقد الماضي وما كابده فيه من شقاء وقهر وحنق.
رغم سلوكه البلطجي لم يغب عنه احساسه بالعدل والتسامي وظلت الخطوط العريضة البورتريه الذي ابدعه شوقي بنفس الملامح الطفولية البريئة كناية عن انتصاره المبين على نفسه وعلى الآخرين، ورغم نهايته الفاجعة فقد ابدع شوقي بنحت ملامح جلية حتى للشخصيات الثانوية امثال دبرياس ورفاقه الآيقين والمجدفين ورواد الحانات البلدية ودور السينما الشعبية وغير ذلك مما يذكره كهول ام درمان الافلة شمسهم للغروب واني لامل ان تصدر طبعة ثانية من هذه الرواية وان يقيض لها ناشر جرئ رغم الصعوبات لنرى كيف كنا نعيش بعجزنا قبل نصف قرن من القرون البائدة.
http://www.rayaam.info/News_view.aspx?pid=370&id=26478
روايه الحنق
=====
الابن عبد القدوس الخاتم لك السلام والتحية ارسل لي الدكتور صديق بدوي مصطفي من واشنطون موضوعك المنشور في صحيفة الرأي العام بخصوص رواية الحنق. القصد من كتابة تلك الرواية هو لفت النظر لمشكلتين لا يزالا يمسكا بتلابيب مجتمع شمال السودان. انهما الشيفونية والشذوذ الجنسي. وهنالك عوامل مساعدة في تكسير المجتمع وهي خمر السلطة التي اسكرت السادة الجدد بعد الاستقلال واتت بالتخبط والقرارات المشوهة.
لقد كتبت هذه الرواية وانا في الثامنة عشر من عمري. واجريت فيها بعد التعديلات الطفيفة بعد ان تخطيت العشرين ولقد نشرت قبل ثمانية وثلاثين سنة. ولم ابحث وقتها عن شهرة ولا ازال الي الان احاول ان ابتعد عن الاضواء. ولم يحدث ولن يحدث ان اقدم نفسي ككاتب او شاعر او مفكر.
ولقد عانيت وتعبت مع الرقابة الناصرية في القاهرة وقضيت شهرين الي ان نشرت الرواية علي نفقتي وانا طالب جامعي . وعندما اتت الرواية الي السودان اخذها الدكتور كمال ابراهيم بدري الي بعض الصحفيين الذين قالوا انها عمل كريه وسيء. فطلب منهم ان يكتبوا عنها ماقالوا فقالوا له ان الكتابة عنها ستساعد في نشرها ولكنهم سيدفنونها ولن يسمحوا بانتشارها.
بعد غداء في منزل محجوب شريف قبل اكثر من ربع قرن من الزمان, اشاد البعض بالرواية وقال البعض انها رواية رائعة وان احد الزميلات الخجولات بعد قراءة الرواية صارت تتحدث بحرية وتناقش المسكوت عنه. واقترح محجوب شريف اعادة نشر الرواية. ولكن لم تتوفر نسخة وقتها.
ذهبت ابحث عن الرواية في سودان بوكشوب. فقال لي المالك السوداني الجديد هذه الرواية بيعت لاخر نسخة. وعندما قدمت نفسي ككاتب الرواية انتفض المالك وقال انهم حسموا حساباتهم مع المالك القديم (الخواجة). فأفهمته بانني لست وراء المال. فارتاح وقال لي :
الحقيقة في ناس جو واشتروا كل النسخ. ففكرت انهم لابد ان يكونوا من امن نميري الذين حاولوا التخلص من الرواية خاصة بعد اتفاقية اديس ابابا.
الابن العزيز عبدالقدوس الخاتم, الغرض من الرواية كان تسليط الضؤ عن المسكوت عنه في المجتمع السوداني. فلقد عشت في الجنوب وترعرعت في العباسية واحسست بألم وعنجهية اهلي الجلابة في الجنوب الذين كانوا يتصرفون كمستعمرين استيطانيين في الجنوب. وان الجنوبيين لا يحق لهم حتي بأن يشتكوا.
وعشت حالة كريهة في مدرسة ملكال الاميرية عندما تبين ان ناظر المدرسة من اهل امدرمان كان يمارس الشذوذ الجنسي مع بعض الطلبة. وكان اشقاؤنا من الجنوب في حالة حيرة واستغراب. كما لمست الم وبؤس واحباط الصبية والشباب الذين كانوا يتعرضون في امدرمان للتحرش الجنسي المقرون بالضرب والتهديد.
الرواية اعيد نشرها في التسعينات وقدم لها الاستاذ محجوب عثمان. والناشر هو الشركة العالمية للنشر في القاهرة لصاحبها الشيخ عووضة. كما تبرعت بها لمركز عبدالكريم ميرغني. ولقد رفضت الرقابة السودانية نشرها واتصلت لشهور عديدة بالاخ التجاني حاج موسي ولم ييستطيع ان يعطيني سببا مقنعا لسبب المنع. بل حكي لي عن مشكلته في سويسرا. عندما وصفه بعض المعارضين بأنه عبد فقلت له ان الرواية تعالج هذه المشكلة. واذا كان هنالك بعض الجمل التي لا تعجب الرقابة فيمكن حذفها ونشر الرواية.
ولكن يا ابني عبد القدوس الرواية اسمها الحنق وهي تثير حنق الناس. ولقد ذكر البعض انها اول رواية سياسية في السودان. وبسببها منعوا نشر كتاب حكاوي امدرمان والمجموعة القصصية ,المشبك,.
كما ذكرت انت لقد تأثرت بمنزل ابراهيم بدري ومكتبته العامرة. ولقد بدأت التهام الكتب وانا في التاسعة من عمري. وانا في الثانية عشر قرأت دكتور جيفاجو. واناكارنينا والاخوة كرامازوف والحرب والسلام والبؤساء لفكتور هوقو والدون الهادي. واحببت في البداية ارنست همنقوي. وقرأت له كل كتبه وكانت صورته تحتل غرفتنا. الي ان كبرت واحسست بالفردية في كتبه والصلف الانجلوساكسوني كما يبدو في كتبه خاصة في كتاب افريقيا الذي حوله المخرج هيوستون الي فلم كلاسيكي ببطولة همفري بوقارد. وكتابه الاخر( تو هاف اند هاف نوت). الذي يبرذ قوة وشجاعة الكابتن الابيض في مغامراته وسط زنوج الكاريبي. واستبدلته ببطل حققيقي وكاتب عظيم هو اشتاينبك الذي كتب العنب المر الذي تتطرق لمأساة الانهيار الاقتصادي في بداية القرن السابق في اميريكا. وهذا الكتاب صار فلما رائعا ببطولة فوندا والد الممثلة العالمية جين فوندا زوجة تيرنر الملياردير صاحب سي ان ان. والان تعاني اميريكا من ركود اقتصادي ولقد شاهدت الاسبوع الماضي مئات العطالة يقفون في الشوارع في شتاء واشنطون ينتظرون اي صاحب سيارة ليأخذهم لاي عمل.
اشتاينبك كاتب ذو رسالة. لم اتأثر بنجيب محفوظ ولا يهمني مثل الطيب صالح هذه كتابات بدون رسالة. ولكن احببت القصة القصيرة للطيب صالح, نخلة علي الجدول, وقرأتها وانا في الثالثة عشر.
ورواية انهم بشر قراتها وانا صغير ولا اتزكرها وهي اول رواية سودانيية اقرأها. من الذين
تأثرت بهم الكاتب البريطاني سومرت موم. وكما كان يقول لي اخي كمال بدري انني قد تأثرت بالاسلوب الغربي في الروايية.
في دراسة الادب الافريقي في براغ تعرفنا بالادب الافريقي مثل رواية ,اوجوكنانا, وهي رواية ايروتيكية تثير الشعور الجنسي عند القارئ. ودرسنا, سنقور, ودرسنا الرجل الاسود والميدالية. وأشياء اخري اعجبتني جدا بسبب احساسي بافريقيتي .
مرة اخري اشكرك لاهتمامك برواية الحنق. فكل الذي كنت اريده هو ان الفت النظر لمشاكلنا حتي لا يحدث ما حدث في الجنوب ويحدث الان في دارفور.
التحية,,
شوقي,,