الفقد الجلل برحيل ناصر العشيرة .. بقلم: سيد أحمد بتيك
8 مايو, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
44 زيارة
في زمن مضى – والأزمة العربية الاسرائيلية على أشدها – بزغ نجم الزعيم المصري عبد الناصر في سماء العروبة فألهب المشاعر بخطب نارية أوقدت مشاعر الحماس لدى الشباب، ولعل تطلع البعض منهم لتحقيق النصر المبين عبر الزعيم الأوحد كاد أن يكون السبب الرئيس لانتشار اسم ناصر في أوساط المواليد في تلكم الفترة التي أعقبت نكبة حزيران… بل إن ثائرا جهبوذ ا من سكان مدينة حلفا – أعظم الناس تضررا من قرار التهجير- اسمه صادق بتيك اصطفى اسم الزعيم المصري من دون كل الاسماء يوم عقيقة ابنه الأكبر فسماه ناصرا … ضاربا بتلك التسمية المثل والقدوة في تقديم الوجع العام على الوجع الخاص.
وشاءت أقدار الله واحاطته ببواطن الأمور أن يرحل أخينا وحبيبنا المناضل والثائر الوطني صادق بتيك في مطلع الثمانينات وهو في ريعان الشباب تاركا حزنا لا يبلي في أرجاء مدينة ما تزال تبكي مرارة الاغراق وفداحة الخطب بزوال بقايا حضارة سادت ثم بادت. ولئن فات على المرحوم صادق ثمرات كفاحه من أجل عزة الأمة وانتصارها من بعد كبوة طويلة، فلقد رحل ذلك الشاب الناصري عن دنيانا ومضى إلى ربه تاركا خلفه شبلا يحمل اسم ناصر بعد أن فاته النصر ،،، ولعل في مدلولات ذلك الارث ما يغني عن الاستفاضة في الهدف من اختيار اسم الزعيم المصري.
ترعرع الفتى ناصر حاملا لجينات اسمه ومحققا لتطلعات والده ولكن في غير مضمار السياسة،،، لذلك عرفته المدينة وعاصمة البلاد متوهجا ومتنقلا من نصر إلى أخر في أعماق بحر لجي عسير مكتوب على شطه ” خيركم خيركم لأهله”. بداية التوهج لذلك الفتى أعقبت وفاة والده وهو ساعتها شبل صغير فتوقف عن الدراسة بنية العمل والكسب على أمل الانتساب لاحقا لمؤسسات التعليم، فعل كل لذلك ليشاطر والدته المفجوعة برحيل زوجها في تحمل تبعات تنشئة اخوته الصغار. وكيف لا يخطو من كان اسمه ناصراً تلك الخطوات وقد قل المدد في ذلك الوقت بعد أن نشر الفقر شراعه في أرجاء المدينة كلها من جراء طوفان السد العالي بفعل السياسة التي لا تراعي في مواطنيها إلا ولا ذمة.
ومع مرور السنوات توسعت دوائر الحرب التي خاض غمارها ناصر صادق لتشمل كل باب من أبواب الخير من أجل كرامة الانسان النوبي حيثما كان في شكل حزم متنامية من الانشطة والأعمال التي انداحت مخرجاتها على كل من ذاق وبال الحرمان والفقد. وبكل عزيمة الرجال ظل نصيراً لأهله وعشيرته والمرض اللعين ينهش في جسده،،، ولعلي لا أذيع سرا ولا أنقص له أجراً إن رويت جانباً مما تحدثنا فيه وهو طريح السرير الأبيض يتلقى العلاج خارج الوطن. أنا أسال عن حالته الصحية وهو يحدثني عن تفاصيل العمل الخيري الذي كلف به وعن تصريف تلك الأعباء والمهام في غيابه.
وفي الفترة الأخيرة بلغ به الأعياء درجة لا يقوى على تحملها العصبة من الرجال وظل حتى لحظة وفاته بالأمس، يقاتل من أجل المحرومين فلا عجب أن ضاقت الأرض بما رحبت عندما انتشر خبر وفاته في الأثير وذلك في يوم مبارك من أيام الله وفي جمع من محبيه وعارفي فضله. إننا لا نزكي على الله أحد ولكننا نزعم بأن تقاطر جمع كبير للصلاة عليه ولتشييعه لهو شهادة للفقيد العزيز ومشهد من مشاهد حسن الخاتمة.
ولعلي أختم بمشهد ذلك الرجل الطاعن في السن والمعذور في بصره وهو يتقدم نحو منزل العزاء بخطوات بطيئة وبصعوبة قاطعا أكثر من 40 كيلو متر ليقدم واجب العزاء وهو في غاية التأثر، ورغم اصراري المتكرر له بالعودة لداره بعد أن بقي معنا في نهار الخرطوم الساخن لأكثر من ساعتين إلا أنه أصر على الرباط عساه أن يرد جزءً مما حظي به من تقدير المرحوم له واهتمامه بشؤنه الخاصة في زمن عز فيه النصير وليضيف شهادة أعظم من شهاداتنا على انسانية المرحوم وعظم مقامه بين أهله وعشيرته.
رحم الله ناصر عشيرته وواصل رحمه وخادم معارفه والصابر على عظيم الابتلاء ناصر صادق بتيك رحمة ترفعه بها أعلى الدرجات وتسكنه بها أعلى الجنات في معية النبيين والصديقين والشهداء وحسن أؤلئك رفيقا و”إنا لله وإنا اليه راجعون”.
sbeteik@hotmail.com