حصاد السلام .. قصة قصيرة – بقلم: دينقديت أيـوك

خرجت الحرب من خلال النافذة القديمة المتهالكة، ودخل السلام من خلال الباب بأناقةٍ وهو يخطو خطوات واثقة ساحرة، وعم حضوره أرض السودان التي خرقتها الأنهار. غمرت أمواج السعادة الجميع بذلك في المدينة والقرية لأن أصوات البنادق ودمدمة المدافع الثقيلة وسقوط القنابل التي حصدت ملايين الأرواح لفترات طويلة قد توقفت إلى الأبد.

كانت أجواء الأفراح الطاغية في القرية عند الأهالي مختلفةً تماماً عن أفراح سكان المدينة، ليس في شكلها فحسب؛ بل في جوهرها، فبينما كان الأهالي في القرية يرقصون على قرع الطبول ترحيباً بقدوم السلام وتوقف صناعة الموت عبر آلة الحرب، كان سكان المدينة يرحبون بقدوم المناصب السياسية مع السلام بشعارات دغدغت المشاعر وألبتها عبثاً.

خرج شبان وفتيات القرية إلى ساحة الرقص واحتشدت النساء والرجال والأطفال حول الساحة، وضرب ضاربو الطبول بطبولهم بمهارة؛ والعضلات المشدودة على أذرعهم تكاد تنفجر، وتغنى المغنون ورقص كل من في وسط الساحة وسط أهازيج وزغاريد داوية، صادرة عن حنجرات النساء.

حملت الهواء صدى إيقاعات الطبول المختلطة بأصوات المغنين وزغاريد النساء من الساحة عبر الهواء في الوديان والسهول إلى مسافات بعيدة، واستمر الرقص بنشاط في تلك الساحة والعرق يسيل من روؤسهم كسيول جارفة. وإمتلأت الساحة بضجيج الإبداع والغناء وطارت الأفراح إلى الأدغال المجاورة، حيث لم تجف بعد عظام الشهداء الذين سقطوا فيها منذ اندلاع الحرب كأنها أرادت افتقاد أرواحهم. دامت الأفراح لساعات وانقضى معظم نهار ذلك اليوم السعيد على إيقاعات الطبول للسلام الذي كان آتياً وقد أتى حقاً في السودان.

ذبح الأهالي أفضل كباشهم وثيرانهم وديوكهم ليأكلوا لحومها في “وليمة السلام”. عمت مظاهر الوليمة كل القرية وشاركت الطيور الجارحة التي لم تتوقف عن التحليق فوق القرية الأهالي في وليمتهم بخطف اللحوم من القدور التي لم توضع على النار بعد، ومن أيدي الأطفال حتى سالت الدماء!

مرت الأيام والأشهر وعاش الأهالي في القرية بسعادة قدوم السلام. عادت السكينة التي تاقوا إليها منذ سنين طويلة وهم يهربون من غابة إلى أخرى وبعضهم يموتون بسماع وقع حوافر الخيول وبصهيلها حين تباغتهم. مر الوقت سريعاً وأغدقت السماء على الأرض ببركات جزيلة. هطل المطر بغزارةٍ أدهش الأهالي لأنهم لم يشهدوا هطول المطر على هذا النحو في حياتهم منذ أن اشتعلت الحرب.

كانت الأمطار تهطل طوال سني الحرب بغزارة، لكن غزارتها هذه المرة بعد قدوم السلام كانت جزيلة أكثر من ذي قبل. وعلى الرغم من هطول المطر بهذه الغزارة لم يزرعوا لأن عادتهم لا تسمح لهم بالزراعة عند هطول الأمطار للمرة الأولى. تبدأ الزراعة عادةً بعد تكرار هطول المطر مرتين أو ثلاث مرات برسالة يطلقها الزعماء الروحانيين وكبار الأعيان.

ذاعت على نطاق واسع بعد أيام رسالة الزعماء الروحانيين ببدء الزراعة بعد أن قدموا الذبائح أمام ضريح أحد كبار الروحانيين الذي كان يتمتع بسلطة إغلاق السماء وايقاف المطر، فزرع الأهالي كل أنواع المحاصيل. واختلفت أساليب الزراعة بين الأفراد ومجموعات النفير والزراعة الحديثة بمحراث يدفعه الثيران. تجمع الشبان طوعاً في نفير هائل وقاموا بزرع حقول السلاطين، وهي عادة يقومون بها كل عام حُباً وتكريماً لسلاطينهم.

انشغل الكبار بالزراعة وأمور الحياة الأخرى، لكن الصبيان لم يتوقفوا عن تذكيرهم بأيام الحرب اللعينة. كانوا يعودون إلى المنازل من المراعي حاملين أوعية البارود التي كانت رصاصات أطلقتها الجنود في المعارك وبعض المفرقعات التي تمت استعمالها. فكانوا بذلك يفزعون سكان القرية ويعيدون إلى ذاكرتهم التنكيل الذي تعرضوا له وفظائع الحرب ورعبها الشنيع.

أثار ذلك الخوف والقلق في نفوس الآباء والأمهات وخلق فيهم شعور دائم بأن أبناءهم سيصيبهم مكروه إذا ما استمروا في إلتقاط تلك الأجسام الغربية في المراعي رغم تحذيراتهم المتكررة لهم بعدم إلتقاط أي جسم غريب أو تقليبه في الموقع الذي وقع فيه بأستخدام العصي. كانوا أحياناً يُضرمون النار فوق تلك الأجسام الغريبة ثم يفرون ويقفون بعيداً عنها ليروا ما سيحدث. ونادراً ما كانت تلك الأجسام تتفجر، وإذا تفجرت إحداها؛ يصبح ذلك مصدر سعادتهم طول اليوم وحديث يرددونه على مسامع أصدقاؤهم حين يعودون من المراعي في المساء.

تلبدت السماء بالغيوم السوداء الكثيفة وتوجه الأهالي إلى الحقول لتنظيفها من الزوان الذي كاد يخنق المحاصيل في فترة أقل من شهران منذ بدء الموسم الزراعي. نمت المحاصيل وقاموا بحمايتها من الآفات. هاجمت العصافير الذرة عند ظهور سنابلها، لكن الأهالي كانوا لها بالمرصاد وتمت طردها.

كانت الليالي الرطبة تتنوع بين الظلماء والمقمرة وتتسم بهدوء شديد تختلط فيها عواء الكلاب والذئاب وصفير الصراصير مع هبوب النسيم العليل. والناس غارقون في سُبَات عميق يصحبه شخير مرعب. وفي الليالي الممطرة تومض البروق مظهرة خيوطاً نارية كشرارات كهربائية من كل ناحية وتدمدم الرعود، فتبدو السماء غاضبة وثائرة.

حان وقت الحصاد وحصد الأهالي المحاصيل السريعة النضج أولاً: الذرة الشامية، اليقطين (قرع عسلي)، البامية، الفول السوداني، البقوليات بأنواعها، البندورة، والباذنجان، والسمسم، ثم الذرة والدخن. قُدِمت بعضها قرباناً للآلهة الوسيطة التي تُقرب إلى الإله الكبير الذي خلق الكون وأرواح الأسلاف قبل تذوقها. استمر الحصاد الوفير وأكل الناس ما صنعته أيديهم في اطمئنان.

• دينقديت أيوكـ صحافي وكاتب وشاعر من السودان الجنوبي. صدر له ديوان شعر مطلع هذا العام اسمه (الحب والوطن).

dengditayok88@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً