إبراهيم برسي

عبد الله علي إبراهيم… المثقف الذي جعل الحرب لحنًا لرقصته

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.comفي أزمنة الحروب، لا يكون وقع الكلمات أقل من وقع الرصاص. حين يتحدث المثقف، فإن صدى صوته يمتد إلى ما هو أبعد من الصفحات والشاشات، لأنه يُسهم في تشكيل وعي الجماهير وتبرير أو نزع شرعية السلطة. ولأن دكتور عبد الله علي إبراهيم واحد من أبرز الأسماء في المشهد الفكري السوداني، فإن كلماته عن الحرب الحالية تستحق أن تُقرأ بدقة، …

أكمل القراءة »

قراءة في زيارة كامل إدريس لمصر

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.comفي السابع من أغسطس 2025، ظهر كامل الطيب إدريس، الذي لم يكمل ثلاثة أشهر في منصبه، على بساط أحمر في قصر الاتحادية بالقاهرة، مبتسمًا للسيسي في أول رحلة خارجية منذ أن نصّبه البرهان بمرسوم من بورتسودان. الزيارة لم تكن بروتوكولًا عابرًا، وإنما مشهدًا أعدّته مصالح متقاطعة. في الخرطوم – أو ما بقي منها – كان الجيش وحلفاؤه من الكيزان …

أكمل القراءة »

حسين خوجلي يرثي من لا يشبهه… ليسترزق من سيرته

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.comوأنا أتجول بين الأخبار العابرة على اليوتيوب، ساقتني خوارزميات المصادفة السوداء إلى قناة “أمدرمان الفضائية” – أو هكذا تُسمّي نفسها – التي يديرها الإعلامي حسين خوجلي، أحد أبرز تجار الأوهام في سودان الإنقاذ.قناة لا تمتّ للفضائيات بصلة، لا بثًّا ولا احترافًا ولا مبدأ، بل مجرد صفحة يوتيوب، يستطيع أي فتى أو غلام أن يؤسس مثلها خلال دقائق وبدون مقابل. …

أكمل القراءة »

سكرنا في أكياس غيرنا: شراكة أم سطو مشترك؟

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.comمن بين كل رموز الانهيار السوداني، لا شيء يُجسّد المفارقة مثل أن يُصبح السكر – وهو أبسط ما يمكن أن تنتجه أرض عُرفت بسلة غذاء العالم – سلعة نادرة، ومستوردة، ومدعومة. وأن يحدث هذا في بلدٍ يُفترض أن أرضه تُنبت القصب كما تُنبت الغضب. في ظل هذا الانهيار، أعلنت حكومة الأمر الواقع في بورتسودان صفقة شراكة مع مستثمر سعودي …

أكمل القراءة »

في رثاء زياد الرحباني

وداعًا زياد… أيها الغريب الذي يشبهنا أكثر من أنفسنارحل زياد…كما يرحل الحزن من دون وداع، وكما تنكسر موسيقى من غير أن يُسمع لها نشاز، وكما يتوقف البيانو عن العزف فجأة… لأن القلب خاف أن يخذلها. زياد الذي لم يكن ابن فيروز وحدها، بل ابن كل من عرف أن الكلمة سلاح، وأن السخرية أنبل أنواع الصراخ.زياد الذي علّمنا أن الجملة قد …

أكمل القراءة »

ملامح الشكلانية في الأدب السوداني

في السياق السوداني، حيث تُثقل الكلمة بحمولة التاريخ، ويُفترض في القصيدة أن تقول الحقيقة، وتخدم القضية، كثيرًا ما يُنظر إلى الشكل بوصفه ترفًا برجوازيًا، أو حتى خيانة للمعنى. غير أن الشكل، وفقًا للشكليين الروس، ليس غلافًا لما يُقال، بل هو الكيفية التي تُصاغ بها الرؤية، وتُبنى بها المسافة بين الواقع والعادي.ولعل الشاعر السوداني الحديث، منذ التيجاني يوسف بشير مرورًا بمحجوب …

أكمل القراءة »

ديسمبر: التي أسقطت الطاغية وخلّدت الطغيان

في لحظة خاطفة من التاريخ، بدا أن اللغة تغيّرت في السودان. لم يعد الهتاف رجاءً، بل إعلانًا، ولم تعد المسيرات فعل كرامةٍ فردي، وإنما جسدًا جماعيًا يهزّ البنية. خرج الناس من منازلهم لا ليطلبوا الإصلاح، بل ليُعيدوا تعريف الوطن. هكذا كانت ديسمبر: جملةً ثورية بدأت بكل ما يلزم من شجاعة، لكنها لم تصل إلى نهايتها. قُطعت قبل أن تُتم معناها.الثورة، …

أكمل القراءة »

سيرة ذاتية لقيدٍ وُلد فينا قبل أن نولد نحن، فهل خرجنا من ديسمبر حقاً؟

“كل سلطة لا تُسائل ذاتها، تتحوّل إلى قيدٍ في العقل قبل أن تكون قيدًا في المعصم”… هكذا كتب أحد رفاق الطريق ذات مساءٍ شقيّ في أزقة أم درمان. ولعل هذه الجملة البسيطة تُكثّف مأساة الإنسان السوداني، لا في علاقته بالمستبد فحسب، بل في هشاشته حين يطلب التغيير دون أن يغيّر نفسه.لسنواتٍ طويلة، حمّلنا الأنظمة مسؤولية ما نحن فيه: عبود، نميري، …

أكمل القراءة »

حكومة الأمل تحت تهديد السلاح الأبيض… فهل تستقيل الدُّمى، أم أن العرض شارف على نهايته؟

ما إن أعلنت نشرة الأخبار تعيين “كامل إدريس” رئيسًا للوزراء، حتى تنفّست البيروقراطية قليلًا، لا فرحًا، بل كما يتنهّد مُشيِّعٌ وسط الجنازة حين يتذكّر أنه نجا مؤقتًا من القبر.لم يكن الرجل قد نطق حرفًا بعد، لكن البلاد كانت قد قرأت ملامحه كمَن يُعاد عليه درس الفقد القديم.رجلٌ من الخارج، محمّل بلغة المؤسسات، ناعم الصوت، حالم الملامح، يصل إلى بورتسودان كما …

أكمل القراءة »

صراع المعاني بين الرصاصة والخطاب: حين يتهاوى العقل الدولي

ليس ثمّة ما يُسمّى “الحرب المقبلة”، فالدمار لا ينتظر فعلًا ليتحقق، بل يعيش كامناً في لغة السياسة، في اصطكاك المصالح، في النزعات التي تكتب العالم لا بوصفه كوكبًا بل كجبهة. نحن لا نعيش على الأرض، بل في منفى سماه الإنسان “الواقع الدولي”.ما يجري في العالم هذه الأيام ليس سلسلة صراعات معزولة، بل نصٌّ واحد يُكتب بلغات متعددة، تتناوب فيه الجغرافيا …

أكمل القراءة »

في حضرة اللهب: الهيمنة تخلع قناعها النووي… والخليج يشتري الأمن من بائع القلق

ليست الحرب هتافات بين الجيوش، بل جملة اعتراضية في جغرافيا الكلمات، حيث تُنحر اللغة على أعتاب المصلحة، ويُعاد تشكيل الخرائط بمداد من دخان.وفي المشهد الأخير، لم تعد السماء تُطرِف جفنها وهي تراقب القاذفات الأميركية تمطر الأرض الإيرانية بوابلها؛ كأننا أمام صمتٍ متّفقٍ عليه، أو لعله عزفٌ استهلالي لسيمفونية الموت المتدرج.لقد وقعت الضربة. ضُربت “فوردو” و”نطنز” و”أصفهان”، ليس لأن العالم يخشى …

أكمل القراءة »

في حضرة الوحشية: رثاء الكائن الذي لم يكتمل

قراءة في كتاب أشيل مبيمبي: “الوحشية: فقدان الهوية الإنساني”إبراهيم برسي ثمة كتب لا تُقرأ بل تُرتّل.و”الوحشية” ليس نصًا يُفكّر في الإنسان، بل يُفكّك فكرة الإنسان ذاتها ليس هذا الكتاب نزهة فكرية، بل مسيرٌ عبر دروب شائكة من الأسى الفكري والتحليل الوجودي، يمضي فيها أشيل مبيمبي وهو يستحضر أقصى طاقات اللغة والفلسفة والتاريخ والجغرافيا السياسية ليصوغ لنا أحد أكثر النصوص الراديكالية …

أكمل القراءة »

عملية “الأسد الصاعد”: الضربة الإسرائيلية الكبرى

في جغرافيا الشرق التي تكتظّ بالرموز، لا تُشنُّ الحروب من غير عنوان، ولا يُختار للاسم إلا ما يُراد له أن يحكم التأويل. فحين تُسمِّي إسرائيل عدوانها على إيران بـ”عملية الأسد الصاعد”، فهي لا تُسمِّي فقط، بل تُؤطّر الحرب بوصفها صعودًا لا سقوطًا، قفزًا فوق الحدود لا تراجعًا أمام الأخطار. وكأنها تقول، بفائض من الرمز: هذا ليس هجومًا، بل ولادة جديدة …

أكمل القراءة »

صوتٌ بلا أثر… وعيٌ بلا أفق: المثقف وأزمة الفعل المؤجل

هناك لحظةٌ فارقة في مسيرة المثقف، لحظة لا تعلن عن قدومها، بل تتسلل عبر الهزائم الصغيرة والانتصارات المؤجلة، عبر الصمت الذي يتكاثف مثل غبارٍ على نوافذ اللغة، حتى يجد نفسه أمام سؤالٍ لا فكاك منه: هل أنا جزءٌ من الفعل، أم مجرد شاهدٍ على هزيمته؟ هل لا زلت أكتب لأُحدث أثرًا، أم لأتأكد فقط من أنني ما زلت حيًّا؟المثقف ليس …

أكمل القراءة »

حين ينعى الفقراء أحدهم، فإنهم يطرقون الأرض بأقدامهم، لا بأصواتهم

“مرثية لرئيسٍ لم يشترِ المجد: خوسيه، أفقر من حكم وأصدق من مضى” لأن الحناجر، في زمن القمع، تُستخدم للنجاة لا للرثاء. ولأن بعض الموتى لا يُرثون بالعبارات، بل يُعاد ترتيب وجدان العالم على غيابهم. مات خوسيه موخيكا… ولم تمت معه السلطة، بل تهاوى أحد احتمالاتها النبيلة. ذاك الاحتمال الذي كان يمشي على قدمين حافيتين، ويقرأ في الريح حال الشعوب، لا …

أكمل القراءة »

ما بين كيكل ودموع البعاتي: سردية تُفبركها البطانة وتُسوّقها القيادة

في بلدٍ أصبح فيه الكذب طقسًا سياديًا، والانشقاق مسلكًا لإعادة تدوير الولاء، لا يعود التصريح السياسي مجرد قول، بل بنية متكاملة لإنتاج الغفران من داخل الجريمة نفسها. هنا، لا تُستدعى الذاكرة إلا لتُعاد قولبتها، ولا يُستخرج المنشقّ إلا حين يصير لسانه صالحًا لتجميل وجه القاتل. من بين ركام هذا المشهد، خرج أبو عاقلة كيكل، لا كشاهدٍ على المرحلة، بل كرسول …

أكمل القراءة »

بلاغ رقم ما تحت الصفر: حينما استهدفت المسيّرة قلبي

لوحة سريالية إبراهيم برسي استيقظتُ هذا الصباح على بلاغ لم يُكتب بعد. كان يطرق على رأسي مثل نعشٍ من غبار الذاكرة. فتحت الباب، فدخل عليّ رئيس مجلس سيادة مدينة السواحل المعروضة للبيع. لم يدخل كضيف، دخل كفكرةٍ سيئة في كتاب فيلسوفٍ ندم على نشره. كان يرتدي بزته العسكرية التي زارني بها وقت بلاغه رقم صفر ضد اللساتك، لكن بزته هذه …

أكمل القراءة »

علي الهادي: حين تنفصل النقطة عن الجملة وتبدأ في الهمس وحدها، كدائرةٍ متلألئة

علي الهادي: حين تنفصل النقطة عن الجملة وتبدأ في الهمس وحدها، كدائرةٍ متلألئة نعي رمزي لفنانٍ لم يمت، بل تسرّب من الشكل اللون لا يختلط. النقطة لا تُزاحم. الهامش لا يجاور المعنى، بل يُربكه. ثم يمضي. حين تقترب من أعماله، لا ترى. أنت تُصغِي لما لا يُقال. الدوائر تتنفس، تدور حول نفسها ببطءٍ خفيفٍ لا يُقاس بالزمن، بل بالخسارات المتأخرة. …

أكمل القراءة »

بلاغ البرهان رقم صفر: ضد اللساتك وضد الذاكرة

رأيتُ في ما يرى النائم، أن عبد الفتاح البرهان زارني. جاءني كما يأتي البلاء: بصمتٍ عسكري، وملامح لا تحمل أي معنى خارج البلاغ رقم واحد، وكان معه فكي جبريل مختبئاً بالخارج، يحمل في جيب جلابيته فارق بارود الطلقة الأولى. كنت في المطبخ حينها، أقف على حافة الصباح، أعدّ قهوتي بهدوء المساكين الذين لم يتيقنوا بعد إن كانت هذه البلاد حيّة …

أكمل القراءة »

المدينة الآثمة بوصفها سردية العار المؤسس: الوليد مادبو وتفكيك الجنسانية السلطوية

(( المدينة الآثمة: “حديث الجنسانية” للدكتور الوليد مادبو نص يتجاوز التنظير إلى مساءلة الذات السودانية من خلال تشريح علاقتها بالجنسانية والجسد والسلطة )). ليست هذه المدينة التي يصفها الوليد مادبو مكانًا بعينه، بل وعيًا مكسورًا يمشي على قدمين. مدينة لا تُبنى من حجارة، بل من وجوه، من نفاقات صغيرة، من خيانات ناعمة، من تلك الجُمل التي نتلفّظ بها ونحن نُخفي …

أكمل القراءة »

الشتات بوصفه مَجازًا مضادًا: قراءة نقدية في أطروحة “الشتات قيد التشكل في أستراليا”

الشتات بوصفه مَجازًا مضادًا: قراءة نقدية في أطروحة “الشتات قيد التشكل في أستراليا” للباحث الدكتور عبد الخالق السر ثمّة نصوص لا تُقرأ فحسب، بل تُنصت، إذ تمتزج فيها التجربة بالتأمل، والسرد بالتحليل، والذات بالجمعي. وأطروحة “الشتات قيد التشكل في أستراليا” لنيل درجة الدكتوراه للباحث عبدالخالق الحسن تنتمي إلى هذا الضرب من الكتابة التي لا تقف عند وصف الظواهر، بل تتساءل …

أكمل القراءة »

ذاكرة الخيانة: حين يصير الحلم العسكري موتًا مؤجلاً

“قراءة في بنية الانقلابات في السودان من عبود إلى البرهان وحميدتي” إهداء إلى الذين لم يكفوا عن الإيمان بأن الحلم أكبر من البندقية، وأن الوطن لا يُؤخذ بيانًا، بل يُصنع صبرًا. ……………………………. مفتتح ثمة خيبات لا تسقط فجأة، بل تنمو، مثل داء خفي، في بطانة البزة العسكرية، قبل أن تنفجر بيانًا يبتلع ما تبقى من الحلم. …………………………. في أعماق كل …

أكمل القراءة »

بين نواح حسين خوجلي وعويل الأمهات: من الذي فقد الوطن؟

ذات نحيب، لا ناي فيه ولا وتر، كتب حسين خوجلي مرثية باذخة بمداد الدموع، لا بمداد الضمير الذي مات، يرثي فيها بيته الذي دمرته الحرب. كتب، كمن دخل عليه الشاعر العباسي بشار بن برد فقال له: قمْ فابكِ بيتكم يا فتى، فقد نُهبت حيطانه كما نُهبت أعصابك. غير أن الفارق أنّ بشار كان ضريرًا لا يرى الخراب، بينما حسين يراه …

أكمل القراءة »

في أثر فرانسيس دينق: سؤال الهوية بين النهر والمجلس

توطئة: حين يتحوّل الإرث إلى مقام للتأمل ثمة سِيَر لا تُقرأ كما تُقرأ التواريخ، بل تُلامَس كما تُلامِس آثار الأقدام القديمة ضفاف نهر الجور، حين يُبللها صباحٌ جنوبي جديد: رطبة بالحكاية، متجذّرة في الطين، وتحمل في رائحتها سلالة الذكرى. فرانسيس دينق ليس فقط صوتًا فكريًا نادرًا خرج من هشيم السودان، بل هو سردية مكتوبة بجمر الذاكرة وسؤال المعنى. ابن الزعيم …

أكمل القراءة »

العبودية الطوعية في الإسلام السياسي: قراءة في فلسفة الهيمنة

منذ أزل التاريخ، حين بدأ الإنسان يتجمع في مجتمعات أكبر من وحدته الفردية، نشأت الحاجة إلى قيادة توجه الجماهير، تضع لها نظامًا، وتخلق لها انتماءً يُشبع توقها إلى الأمن والهوية. وقد مثّل التاريخ الإسلامي، منذ لحظاته التأسيسية، نموذجًا بالغ التعبير عن هذا التشابك بين الحاجة إلى الانتماء، وآليات الهيمنة التي تغلّفت بالدين. فمع وفاة النبي محمد، بدأت الخلافات السياسية تطفو …

أكمل القراءة »

مَن البَعاتيُّ في هذهِ المُحاكمةِ؟ الدُّميةُ، أَمِ العَدالةُ، أَمِ المَنطِقُ؟

«مشاهد من محاكمة في جمهورية التأويل الزائد وزمن اللامعقول… حين يتأخر الموت وتُعجَّل المحاكمة: البُعاتي بوصفه دليلًا على فشل الرواية» عندما قررت عدالة حكومة بورتسودان أن تتأنّق بوقارها المزوّر، اختارت أن تبدأ بطيف يُحاكم نيابة عن غيابه، لا بجسدٍ يُحمل عبء ما اقترفت يداه. محاكمة غيابية لرجلٍ حاضر في كل المآسي، وغائب فقط عن منصة الاتهام. نُصبت الخيمة في بورتسودان، …

أكمل القراءة »

“تأملات في طمأنينة لا تُشبه الخرائط… عن العراق الذي يكتبه الغريب كما يُكتب الحنين”

توطئة: كتبتُ هذا النص لا من باب التوثيق، ولا لارتداء هوية ليست هويتي، بل لأنني اقتربت من العراق من خلال أهله، وفتحت بيتي لهم كما فتحوا بيوتهم لي. وكنت، وأنا أستمع لهم، أشعر أني أستعيد شيئًا من نفسي. هذا ليس مقالًا، ولا سيرة. إنه قطعة من ذاكرة مشتركة، كُتبت على مهل، في أحد مساءات الغربة. في المقهى العراقي الذي يديرُه …

أكمل القراءة »

الدولة النكرة: محاكم التفويض وخرافة السيادة

في بلدٍ مثقلٍ بالتشظي، حيث يُعاد اختراع الخراب يوميًا بوجوه مألوفة، وحيث تُدار الحروب بمنطق إعادة تدوير القتلة، لا تملك الكتابة ترف الحياد. ليست الغاية من هذا النص أن يُشرح المأساة، بل أن يظل مفتوحًا على قلقها. أن يقاوم سردية المُنقذ، ويتتبع ظلال الفاعل في زمن التشويش. في عالمٍ معطوب مثل السودان، لا يمكن التمييز بسهولة بين الفاعل والضحية، ولا …

أكمل القراءة »

غسان كنفاني: هشاشة الاسم والمنفى المؤجّل

في زمنٍ لا يتذكّر إلا ما يمكن أرشفته، يغدو غسان كنفاني احتمالًا معطّلًا في ذاكرة تتذكّر اسمه أكثر مما تقرأه، وتردّد صورته أكثر مما تصغي إلى رجفته الأولى. لا أحد يعرف يقينًا من أين بدأ الحريق، لكن الدخان الذي لا يزال يعلو من جثّة الفكرة، يشير إلى أن شيئًا ما احترق في مكانٍ ما بين اللغة والرصاصة، بين الكتابة والمقصلة، …

أكمل القراءة »

سردية لندن: مؤتمر لم يُصفّق له الكيزان ولم يحضره القتلة

حين انعقد مؤتمر لندن لم يكن ذلك فعلًا بروتوكوليًا آخر في روزنامة البيانات الدبلوماسية، بل لحظة استثنائية في زمنٍ تتراكم فيه المآسي حتى تفقد الأرقام معناها. السؤال لم يكن: لماذا تأخر العالم؟ بل كيف أُتيح للخراب أن يتسلل من فجوة في الضمير الإنساني، ويتمدد بهذا الاطمئنان، كما لو أن الموت قد أصبح مشهدًا مألوفًا لا يستحق الإيقاف. في قاعة تاريخية …

أكمل القراءة »

عندما يصير الجسد ساحة معركة: تراجيديا الإنسان السوداني بين القنص والاغتصاب

الجسد، ذاك الهامش الذي ظنّوه هشًّا، أصبح ساحةً يتبارى فيها الرماة الجدد؛ لا في معركة نظيفة النوايا، بل في مجزرة تُدار ببرودة الحذاء العسكري حين يخطو على ملامح الحياة. كل ما في الأمر أن سودانًا قديمًا قد مات، أو قُتِل عن عمدٍ مع سبق التواطؤ بين العساكر والخطاب الديني المستنقعي، بين الرصاصة والفتوى، بين المتحدث باسم الجيش ومنشد كتائب البراء. …

أكمل القراءة »

ما بين الدال والمدلول في حكم المعلول: شكوى الجلاد إلى لاهاي

ما الذي يعنيه أن تقول الدولة شيئًا، وتقصد غيره؟ أن تحمل المحاكم اسم العدالة، بينما تبرّر الظلم؟ ما الذي يبقى من المعنى عندما ينفصل الدال عن مدلوله، ويُختزل الوجود كله في قشرة رمزية فارغة؟ في السودان، لم تعد الكلمات تعني ما تقول، ولا المؤسسات تمثل وظائفها، بل صار الخطاب الرسمي كله محكومًا بـ”المعلول”، أي بما نتج عن علّة قديمة: علّة …

أكمل القراءة »

“ارجم دميتك وامضِ: أُمّة تُساق بالتكبير في مآلات بلا معنى”

في انتظار سقوط الدمية الأخيرة، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل المهووسون منا، وامنحنا القدرة والبصيرة على أن نفرّق بين الفعل الرمزي والمسرح العبثي. في زاوية من هذا الخراب، يقف وزير إعلام بورتسودان، لا ليفتتح مؤتمرًا للصحفيين أو منصة للحقيقة، بل ليفتتح مهرجانًا لرجم الشيطان. لا تسألني عن الشيطان، فقد أصبح له هيئة واسم ورتبة وبدلة شبه عسكرية، يجرّها أحدهم في …

أكمل القراءة »

“من هشاشة القيادة إلى حائط المبكى: البرهان يسجد غربًا”

ولأن الأحلام السيئة لا تموت، تحوّلت نبوءة الأب إلى فكرة ملحّة في ذهن الجنرال. وهكذا خطرت الفكرة في رأسه… لا كقرار استراتيجي، بل كانت لحظة انخطاف رمزي، تتويجًا لوهم داخلي دفين: أن يكون لابن البرهان، أخيرًا، شيء يُذكر… ولو كان رسالة انبطاح مختومة بختم الرضا الإسرائيلي. أرسل البرهان مبعوثه الشخصي إلى تل أبيب، لا ممثلًا لحكومة بورتسودان، بل كمقاول قلق …

أكمل القراءة »

النظام ساقط… ولكن الظل قائم: في طقوس الإنكار وانفجارات الكذب الوجودي عند إبراهيم محمود

هل يمكن للظل أن يُلقي بنفسه في النهر ظانًّا أنه سينجو؟ هذا ما يفعله إبراهيم محمود، الرئيس المكلف لحزب المؤتمر الوطني، حين يقف على شاشة الجزيرة ليحاور الأستاذ أحمد طه، ليس بصفته مسؤولًا سياسيًا سابقًا، بل كممثل بارع لمدرسة “الإنكار العالي”، حيث الحقيقة ليست إلا مؤامرة، والوقائع ترف ذهني، والثورات… تجلٍ هوسي، و هلوسة جماعية لشعب مخدوع. لقد جلس الرجل، …

أكمل القراءة »

مقاطعة الإعلام الحربي كأداة مقاومة ضد آلة الدعاية العسكرية

مع كل نشرة أخبار — أصبحت مقاومة الحرب تبدأ بزرّ “كتم الصوت”. لم نعد بحاجة إلى جيوشٍ ولا خنادق، فالمعارك الآن تُخاض على الريموت كنترول، والهزيمة تُقاس بعدد مرات المشاهدة. نحن جيلٌ يتصفّح الجحيم بين الإعلانات، ويستلهم ضميره من فواصل درامية مدفوعة. لم نعد بحاجة إلى السلاح أو الجنود لنخوض الحروب، بل أصبحت المعركة تُخاض اليوم عبر شاشات التلفزيون، حيث …

أكمل القراءة »

مازق المثقف في المنفى: بين التماهي والهويات المنقسمة

ليس من السهل أن تستقر الذات في مكان لم يُصغَ لها فيه خطاب أول. لا لأن العالم الجديد معادٍ بالضرورة، بل لأن الداخل نفسه بات هشًّا من فرط التحولات المستمرة، مقطوعًا عن جذره الأول، ومنساقًا في الوقت ذاته نحو فضاء لا يرى فيه سوى انعكاس متشظٍ لصورته. فالهوية لا تُختبر في صدام الحضارات، كما يُروَّج، بل في التفاصيل اليومية: نبرة …

أكمل القراءة »

البحر والمدينة: ثنائية القسوة والخلاص عند حنا مينا

في أدب حنا مينا، البحر ليس مجرد خلفية مكانية، بل كائنٌ حي، قوةٌ طاغية، وخصمٌ أبديّ يتحدّى الإنسان بلا هوادة. ليس زرقةً هادئةً، بل امتدادٌ لقدَرٍ لا يرحم، ولمصائر تتلاطم كما الأمواج العاتية. البحر عنده ليس مجرد طبيعة، بل اختبارٌ للإنسان، ساحةٌ للصراع بين الإرادة البشرية والوجود القاسي. في كل موجةٍ متكسّرة، في كل ريحٍ تعصف بسفينةٍ منهكة، يعيد القدر …

أكمل القراءة »

الجيش السوداني وولادة المليشيات: رحمٌ لا يكفّ عن الإنجاب

لو كانت المؤسسة العسكرية السودانية امرأة معطاءة، لاستحقت أن تُحال إلى طبيب مختصّ في علاج الإدمان على الإنجاب الفوضوي. رحمٌ منفلت، لا يعبأ بالعواقب، ولا يتعلم من دروس الولادات السابقة، بل يواصل إنتاج الكوارث كأنه في سباقٍ محموم مع الخراب. آخر ما خرج من هذا الرحم هو خالد ثالث أبكر، الابن المدلل الجديد الذي انضم إلى عائلة مترامية الأطراف: الدعم …

أكمل القراءة »

من المتحف القومي إلى مكتبة الترابي: كيف يُعاد تشكيل السودان بممحاة الإسلاميين؟

التاريخ ليس ما حدث، بل ما يُقال إنه حدث. هو ذلك النص الذي يُعاد كتابته في كل مرة تستولي فيها سلطة جديدة على مكامن القوة. وحين يخشى الطغاة ماضي الأمة، لا يواجهونه بالنقاش، بل بالمحو، بالحرق، بالطمس، بالسرقة. فالأمم التي يُراد لها أن تكون قطيعًا لا تحتاج إلى ذاكرة، لا تحتاج إلى شواهد على أنها وُجدت قبل أن يُعاد تعريفها …

أكمل القراءة »