أساس الفوضى (10) … بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
بسم الله الرحمن الرحيم
وأقول أنّ التّعصّب أشدّ فتكاً من البربريّة، فالنظم العقائديّة متعصّبة وشموليّة، ويكفيك أن تقلّب عينيك أنّي شئت لتري ثمارها المُرّة، بينما النظم المتحرّرة، التي تُسمَّي ديمقراطيّة، بربريّة، إذ أنّ للأخيرة أخلاق تجاه شعوبها، إذ لا تُذلّ بني جلدتها ولا تهضم حقوقهم ما وسعها الأمر، وتسوم الآخرين أنواع العذاب.
وبينما الرجال يتحدّثون عادة عن الرياضة أو السياسة أو الأديان والفلسفات أو النساء والبعض عن الفن بأشكاله، ويقتلون الموضوع نقاشاً ولجاجةً، فإنّ النساء لا حدود للمواضيع لديهن وهنّ يتنقّلن من موضوع لآخر مثل الفراشات.
السبب هو تداخل خطوط المواضيع والأصوات بلا نظام تحكّم معيّن، مثل رئيس الجلسة الذي يعطى كل شخص الفرصة للحديث والتعبير عن رأيه، وبذلك يقلّل من فرص الكلام التلقائي والتشويش.
فمثلاً إذا بدأ أحدهم الحديث في جماعة عن موضوعٍ ما وقاطعه شخصٌ آخر، ثمَّ قاطعه شخص آخر، ثمّ تداخل معهم شخص آخر يصير الأمر هرجلة، ويفقد المتحدّث الأوّل التّحكّم في مسار الحديث، أو في تصرّفات المجتمعين، حتى يغيب الموضوع تماماً تحت ركام مواضيع أخرى وينتهي الأمر إلى مستقرٍّ غير مقصود.
فإذا كانت الفوضى من السهولة بمكان أن تحدث في تجاذب حديث بين جماعة قليلة فما بال في شعب بحاله أو مجموعة كبيرة؟
ينطبق هذا على أشياء كثيرة في حياتنا ومن أبسط أمثلتها طبخ الطعام، فهو عبارة عن تجمّع مكوّنات عديدة تشمل دهناً وخضاراً ولحماً وبهارات، وتأخذ وقتاً للتحضير، وطريقة معيّنة للطبخ تتبع وصفة، ثمَّ النضج لفترة معيّنة، ولكنّنا في نهاية الأمر نعطيه هويّة معيّنة فنقول هذا طبيخ بامية أو فاصوليا، برغم وجود كل المكوّنات الأخرى.
والأيدلوجيّة لا يهمّها تشظّي العالم من حولها، حتى وإن هلك كلّ شخص آخر إلا أتباعها، ما دامت هي بخير بل وقد تسعد بهذا التشظّي وتعتبره دليلاً على صحّة رسالتها وفرصة لتغيير العالم حسب رؤيتها التي تري فيه خلاص البشريّة قاطبة، ولذلك فالأيدولوجيّة دائماً ما تعيش وهماً أو وعياً زائفاً بالإيمان بتفوّقها وغباء الآخرين.
هذا المنهج الصفوي الذهني الذي يُصفّى ويقسم النّاس في ذهن الأيديولوجي إلى طبقتين: طبقة المستنيرين أو النّاجين أو ما شئت من هذه المُسمّيات وطبقة الرجعيين أو الهالكين أو ما شئت من هذه المُسمّيات. هذا المنهج الذهني هو القاعدة الأساسيّة للتصفية الاجتماعية أو الجسديّة للمُخالفين وذلك لأنّ قيمتهم تسقط في نظر أصحاب الأيدلوجية وبذلك تنتفي إنسانيّتهم ويصير عدمهم أفضل من وجودهم؛ لأنّ وجودهم سيمثّل عائقاً في سبيل تقدّم الأيدلوجيّة.
وسنواصل إن أذن الله حديثنا عن الفكر الأيديولوجي.
لا توجد تعليقات
