العَدَالَةُ الانْتِقَالِيَّة (1 ـ 4): بَيْنَ الوَاقِعِ السُّودَانِيِّ والتَّجَارِبِ العَالَمِيَّة .. بقلم: كمال الجزولي
فى التَّاسع من يناير 2005م، وفي إطار مبادرة الإيقاد بشرق أفريقيا، أبرمت الحكومة السُّودانيَّة مع الحركة الشَّعبيَّة/الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان بقيادة الرَّاحل العقيد د. جون قرنق “اتفاقيَّة السَّلام الشَّامل CPA”التي تنصُّ على فترة انتقاليَّة مدَّتها ستُّ سنوات، وترتَّب عليها صدور الدُّستور الانتقالي لسنة 2005م. ورغم كلِّ ما احتوش هاتين الوثيقتين المهمَّتين من سلبيات، وما ناشهما من انتقادات شملت منهجيَّة إصدارهما بمنأى عن الحاضنة الوطنيَّة المتمثِّلة في غالبيَّة القوى السِّياسيَّة والاجتماعيَّة في البلاد، فقد عوَّل حتى المعارضين على أن بمستطاعهما، في ما لو توفرت لطرفيهما إرادة سياسيَّة كافية، أن يؤسِّسا لمسار سلس صوب هدفيهما الرَّئيسين: (السَّلام الشَّامل) و(التَّحوُّل الدِّيموقراطي).
أمَّا إذا قدِّر لأيِّ ترتيبات أن تنجح في تهدئة أوضاع السُّودان الدَّاخليَّة، فستتبقَّى مجابهة تركة ضخمة من الانتهاكات تنتظر التَّصفية، حتَّى لا ترمَّ البلاد جرحها على صديد، علماً بأنه ليس لديها، إزاء هذه المهمَّة، سوى أحد ثلاثة خيارات:
(2) وإمَّا أن تلجأ إلى القضاء الجَّنائي الدَّولي أو الإقليمي، وهو الخيار الذي يوفِّر إمكانات محدودة للمحاكمات، بالنظر إلى كلفته العالية، بينما جميع المتضرِّرين ينتظرون أن تطبَّق العدالة على ظلاماتهم، فضلاً عن افتقار هذا الخيار، بسبب عامل البعد، لإمكانيَّة تطبيق المبدأ القانوني الرَّاسخ “العدالة التي تُصرَّف ينبغي أن تُرى وهي تُصرَّف justice to be done is justice to be seen while being done”!
ومع تنوُّع التَّجارب فإن ترتيبات الكشف عن “الحقيقة Truth”، باعتباره بداية الطريق نحو “المصالحة Reconciliation”، هو القاسم المشترك بينها. وعادة ما يعتبر هذا القاسم المشترك بمثابة المنهج الأصوب لمجابهة تركة الماضي باتِّجاه الإصلاح السِّياسي الشَّامل. ويندرج ضمن هذه المنهج:
الثانية: سلطويَّة مستقاة من القانون الدَّولي الإنساني، والقانون الدَّولي لحقوق الإنسان، حيث تُلزم بلدان الفترات الانتقاليَّة بـ:
لا توجد تعليقات
