اليوم العالمي للبيئة: تأملات مفتوحة من وراء الأبواب الموصدة .. بقلم: د. محمد عبدالحميد
فمنذ أن أطلقت راشيل كارسون صرختها الداوية في كتابها ذلك المشهور والمنشور في 1962 والذي تنبأت فيه بحلول يوم على الإنسان تزوي فيه الحياة وتنعدم فيه مقوماتها ليسود فيه (ربيع صامت) بفعل ما كسبت يداه، ومسلسل الاستنزاف الدامي للبيئة يجري كأنه غاية في ذاته. ولعل كارسون كانت تنظر من وراء الحُجُب أن نتيجة انفلات غرائز الإنسان ستورده موارد الهلاك في استهلاكه البشع للبيئة. فقد فاقت حالة الانفلات حمولة البيئة حتى كادت موازينها تنقلب رأساً على عقب. وأنها صائرة الي محاق عبثي تستحيل معه الحياة. ولما لم يكف الإنسان عن نزواته، واستخفت به الأهواء واستبد به الطمع في جمع الثروات.. ولما لم يستمع لرسائل كارسون المحملة بالإنذار المبكر …. أعلن هذا الفيروس التاجي الصغير عن نفسه (كملك متوج ) يتسيد المشهد بعد ان تسيده الانسان، فجاء كمبعوث عناية الهية يحمل الوعيد لكبح جماح التفلت البيئي. فأوصد الأبواب على الإنسان الدّعِي. وحكم عليه بالبقاء خلف جدرانه الصماء. وفرض عليه عزلةً فصمت عُرى تواشجه الاجتماعي . فقبع في عزلته المجيدة يرقب الحياة تدب في كل عناصر البيئة، بينما أخذ هو يتاهفت للحصول على كمامة تقيه استنشاق هواء ملوث بالفيروس . وطفق ينازع لتوصيل جهاز تنفس صناعي يعيده ثانية للحياة .. فعادت السماء صافية لا يكدر صفحتها ما تخلفه الطائرات النفاثة من تلوث. وحلقت في الفضاء أسراب الطيور من كل جنس. وانداحت المياه منسربة في الأنهار والبحار والمحيطات، متطهرة مما يثقل جزيئاتها من مخلفات عضوية وصناعية، وعلى الأثر راحت الأسماك وكل الأحياء المائية تتهادى سابحة في حبور مستمدة الحياة من عذرية فُضّت ذات يوم في هجوم غشوم. واستعادت الشُجيرات على وجه الأديم طيلسانها بعد أن كادت تفقده من انبعاثات فوهات المداخن الحارقة. فضجت الأكوان بالفرحة تعلن عن تعافي تنوعها الاحيائي في غيبة الرقيب. وهكذا أسدى هذا الفيروس الصغير للبيئة واحدة من أجل الخدمات، فازدهت برونق تلتقط به انفساها ريثما يخرج ذلك المارد من خلف أبوابه الموصودة.
لا توجد تعليقات
