تصحيح تاريخ البيان الذي ألقاه محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهـوري في الاجتمـاع العـام للحزب، عام 1951م .. بقلم: عبدالله الفكي البشير
Enter.
تهدف هذه الورقة إلى تصحيح لبس وخطأ شائع يتصل باليوم والشهر والمكان الذي عُقد فيه الاجتماع العام للحزب الجمهوري عام 1951م، وألقى فيه محمود محمد طه، رئيس الحزب، أول بيان بعد خروجه من اعتكافه بمدينة رفاعة . فالمصادر والمراجع تشير إلى أن الاجتماع عُقد في يوم 30 أكتوبر 1951م، بيد أن هذه الورقة تزعم بأن الاجتماع لم يعقد في 30 أكتوبر. وتسعى الورقة إلى تحقيق أهدافها باستخدام المنهج التوثيقي ومقارنة القرائن وتتبع الأحداث والوقائع من خلال تسليط الضوء على نشاط الحزب الجمهوري، بعد وصول رئيسه الخرطوم عقب خروجه من الاعتكاف، وطبيعة ذلك النشاط في الفترة ما بين أكتوبر 1951- مارس 1952م. تكمن أهمية هذه الورقة، إلى جانب ما يمثله هدفها، وهو التصحيح، من أهمية علمية وواجب ثقافي وأخلاقي، فإن ذلك التاريخ يمثل أحد التواريخ المركزية في مسيرة الحزب الجمهوري، إذ يؤرخ ليوم الاعلان عن مشروع الفهم الجديد للإسلام ، لصاحبه محمود محمد طه، رئيس الحزب الجمهوري. ولهذا فقد ظل البعض يتعاطى مع هذا التاريخ باعتباره تاريخاً ملهماً وذا خصوصية متجددة، ويمثل محطة تاريخية مهمة تحفز على التأمل وإجراء المقارنات.
تجمع كل المصادر والمراجع المنشورة بموقع الفكرة الجمهورية على الإنترنت وكذلك مقتنيات إرشيف الإخوان الجمهوريين، التي وقفت عليها، بأن يوم 30 أكتوبر 1951م هو اليوم الذي ألقى فيه محمود محمد طه أول بيان له في الاجتماع العام للحزب الجمهوري. ويسكت بعض تلك المصادر والمراجع عن مكان انعقاد الاجتماع، وبعضها الآخر يشير إلى انعقاده بدار الحزب الجمهوري بالسجانة بالخرطوم. لكن وبعد الرجوع إلى دار الوثائق القومية بالخرطوم والاطلاع على (الإرشيف الصحفي) فيها إلى جانب (مجموعة الأحزاب السودانية) وبعض الوثائق، وجدنا أن ذلك التاريخ غير صحيح، وأن مكان انعقاد الاجتماع أيضاً غير صحيح.
نعم.. لقد نشر محمود محمد طه مقالاً في الصحف المحلية، عقب خروجه من الاعتكاف، وقبل انعقاد الاجتماع العام للحزب الجمهوري. جاء المقال بعنوان: “دعوة إلى الجمهورية الاشتراكية الإسلامية”، ونشرته صحيفة السودان الجديد بتاريخ الأحد 14 أكتوبر 1951م، بينما نشرت صحيفة الرأي العام نفس المقال بعنوان “دعوة”، وذلك في يوم الاثنين 15 أكتوبر 1951م. ولعل المقال يصب في الخطوات التمهيدية لعودة نشاط الحزب الجمهوري الذي بدأ بالاجتماع العام الذي عقده الحزب في 30 نوفمبر 1951م. وقف المقال عند الحركة الوطنية وموقفها من الاستعمار وقدم نقداً لطبيعة نشاطها وانعدام الفلسفة التي يجب أن تسير عليها، كتب محمود محمد طه، قائلاً: “حركتنا الوطنية منذ نشأتها وإلى اليوم نشاط يقوم على مناهضة الاستعمار ولا يقدم فلسفة اجتماعية مدروسة أو قل حركتنا الوطنية فكرة سلبية ترى أننا سنصبح أحراراً غداة جلاء الاستعمار الأجنبي عن أرضنا وهذا جهل موبق باصل القضية ذلك بأن الاستعمار الأجنبي قد يخرج اليوم ثم لا تجدنا أحراراً ولا مستقلين وإنما متخبطين في فوضى اجتماعية مالها من قرار أو واقعين تحت […] استعماري وطني لا تجتمع الصفوف على حربه أبد الدهر” . وأضاف، مبيناً ما ينبغي أن يكون عليه نهج الحركة الوطنية، فكتب، قائلاً: “ما ينبغي أن تكون الحركة الوطنية اعتباطاً ولا هوساً وإنما ينبغي أن تكون نهجاً مدروساً على هدى العلم ونور المعرفة” . ثم أوضح بأن الحزب الجمهوري قد أمن بأن هذه “الفلسفة الاجتماعية” موجودة بين دفتى المصحف الشريف وقد عمل على استخلاصها واستقرائها وقال أنها “ديمقراطية اشتراكية” تجمع بين القيم الروحية وحقائق الوجود المادي. وفي الختام قدم المقال دعوة، قائلاً: “فالذين يريدون جمع الصفوف ويريدون اخراج الاستعمار ويريدون الحياة احراراً [موفورين]، مدعوون إلى التأمل ملياً في الدعوة إلى الجمهورية الاشتراكية الإسلامية” .
لم يرد في كل الأخبار والوثائق، مما وقفت عليه، والتي تناولت نشاط الحزب الجمهوري، واجتماعات لجنته التنفيذية، منذ خروج رئيس الحزب من اعتكافه، وحتى تاريخ عقد الحزب لاجتماعه العام في يوم الجمعة 30 نوفمبر 1951م، ما يفيد بأنه كان للحزب الجمهوري دار أو مكتب. فكل تلك الاجتماعات، بما في ذلك الاجتماع العام للحزب، كما ورد آنفاً، كانت تُعقد بمنزل الشاعر منير صالح عبدالقادر.
منذ أن أفتتح الحزب الجمهوري مكتبه بعمارة ابن عوف، ظل المكتب يشهد نشاطات الحزب، وعقد اجتماعاته. ففي يوم الخميس 10 يناير 1952م أوردت صحيفة السودان الجديد خبراً عن اجتماعات لجان الحزب بمكتبه بعمارة ابن عوف. يقول نص الخبر: “حضرت جماعات من الأقاليم من لجان الحزب الجمهوري واجتمعت بالمركز العام للحزب برئاسة الأستاذ محمود محمد طه ورسمت خطة موحدة للعمل. هذا وقد أستأجر الحزب مكتباً لإدارة شئونه في عمارة ابن عوف بالسوق العربي” .
لابد من الإشارة إلى أن عبداللطيف عمر حسب الله (1933- 2015)، وهو من أبكار الإخوان الجمهوريين، كان هو المصدر الوحيد الذي يربط بين تاريخ الاجتماع العام للحزب الجمهوري في يوم 30 نوفمبر 1951م وتاريخ انتمائه للحزب الجمهوري. فقد حدثني عبداللطيف عمر حسب الله في مقابله كنت قد أجريتها معه بمنزله بأم درمان، بتاريخ 30 يوليو 2011م، وقد وردت إشارات عديده لها في كتاب: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ . أوضح لي عبداللطيف بأنه كان قد أتى من مدينة القضارف في طريقه إلى عطبرة للعمل في السكة حديد. وعندما وصل الخرطوم، وقبل إستئناف سفره لعطبرة، ذهب لزياة نادي الصبيان بالخرطوم. دخل النادي فوجد إعلاناً للحزب الجمهوري عن دعوة مفتوحة لاجتماع عام في يوم 30 نوفمبر 1951م. ذهب عبداللطيف إلى مكان الاجتماع، فوجد من بين الحضور من المشاهير: محمد أحمد المحجوب وغيره، إلى جانب عدد كبير من الحضور، وبعد إنتهاء الاجتماع الذي أعلن فيه محمود محمد طه عن بيان الحزب الذي حدد مسار الحزب واتجاهه لملء فراغ الفكر، وأثناء خروجه من مكان الاجتماع سمع من ينادي، قائلاً: “من يريد الالتحاق بالحزب الجمهوري فهناك فورمات لتعبئتها” ، كان ذلك المنادي هو جعفر الشريف عمر السَّوْري (1924- 1956)، سكرتير الحزب الجمهوري. ذهب عبداللطيف وملأ الفورم . ومنذ ذلك اليوم 30 نوفمبر 1951م، ظل عبداللطيف مؤمناً وملتزماً بمشروع محمود محمد طه وملازماً له.
لقد شهد هذا التاريخ الجمعة 30 نوفمبر 1951م الإعلان عن الدعوة لتكوين اتحاد الأحزاب الجمهورية، من قبل حزب الشعب، كما شهد تقديم الطلبات من قبل بعض الأحزاب الجمهورية إلى الحزب الجمهوري بغرض التحالف وتوحيد المواقف والعمل المشترك، كما طلبت بعض الأحزاب غير الجمهورية، خلال تلك الفترة، بناء الشراكة والتعاون مع الحزب الجمهوري. فقد نشرت صحيفة السودان الجديد في يوم الاثنين 3 ديسمبر 1951م، بياناً لحزب الشعب، وهو من الأحزاب الداعية لقيام الحكم الجمهوري، بعد عقده لاجتماع له كان في نفس يوم الاجتماع العام للحزب الجمهوري في 30 نوفمبر 1951م، دعا الحزب في بيانه إلى تكوين اتحاد الأحزاب الجمهورية، يقول نص البيان: “في اجتماع حزب الشعب يوم الجمعة 30 نوفمبر 1951 وبعد سماع التقرير الذي رفعه موفودو الحزب لحضور الجمعية العمومية للحزب الجمهوري بالخرطوم التي انعقدت في نفس المساء قررت الهيئة أنه لابد من توحيد كلمة الجمهوريين ومجهودهم لتحقيق الجمهورية السودانية حيث أن زمن التفرق قد مضى ولم يبق وقت من تقرير مصير البلاد وعليه فقد رؤى الاتصال بالحزب الجمهوري وغيره من الجماعات الجمهورية للعمل المشترك في نطاق اتحاد للاحزاب الجمهورية على الأسس التالية: (1) قيام الحكم الجمهوري بالبلاد (2) دراسة وتنفيذ الخطط الموصلة لذلك الغرض. ولا يرى الحزب لزوماً للدخول في تفاصيل كانت هي السبب في قيام كل حزب على حدته والاعتقاد السائد أنها ستزول على مر الأيام القريبة فلا يجب أن نقف في طريق العمل الموحد. محمد أدهم، الأمين العام للحزب” . لقد أشار يحيى محمد عبدالقادر (1914م-2011م)، وهو عضو في الحزب الجمهوري آنئذ، لمصير تلك الدعوة، فكتب، قائلاً: “وقد حاول الحزب الإشتراكي وحزب الشعب (الكتلة) وكلاهما جمهوري أن يتعاونا معه بحجة وحدة الأهداف الرئيسية بين ثلاثتهما ولكن الحزب الجمهوري (فقط) رفض هذا التعاون لإتهامه كلا من الحزبين بممالأة المستعمر” .
لقد وضح بما لا يدع مجالاً للشك، بالأدلة والبراهين القاطعة، بأن تاريخ الاجتماع العام للحزب الجمهوري والذي ألقى فيه محمود محمد طه، رئيس الحزب أول بيان له بعد خروجه من الاعتكاف، هو يوم الجمعة 30 نوفمبر 1951م، وأن المكان الذي عُقد فيه الاجتماع هو منزل الشاعر منير صالح عبدالقادر بالخرطوم. وبهذا تنتفي كل النتائج والخلاصات والاعتقادات والتساؤلات التي بُنيت على أساس أن تاريخ ذلك الاجتماع هو يوم 30 أكتوبر.
الهوامش
No comments.

