الاثنين
لم يكن في الحسبان أن تستمر، حتى بعد الاطاحة بالنظام البائد، هذه المواجهة المباشرة مع ورطتنا الوجودية، كنساء نعاني عسف المجتمعات الذكورية في نسختها الأسوأ التي تعكسها القوانين، خاصة قوانين الخدمة الطبية، عبر مستشفيات مامون حميدة الحكومية، وعلى سبيل المثال المستشفى ذائع السيط، المسمى “مستشفى الأنف والأذن والحنجرة” بالخرطوم!
صديقتي تشغل وظيفتين بدوام كامل لأربع وعشرين ساعة، كأم وكأب، ولا أعذار .. ولا حتى إجازات! ليس هذا، فحسب، بل وتشغل، على هامش”اللا وقت” المتبقي، عدداً آخر من الوظائف! فهي معلمة، وطبّاخة، وطبيبة نفسيَّة، وتسعى، عموماً، من خلال أشرف المهن، لكسب رزق حلال تنفقه كله، دون منٍّ ولا أذى، على أسرتها، خدمة لدورها الانجابي الذي لا يعني، فقط، إنجاب الأطفال، بل، فوق ذلك، تكريس كل جهدها، واهتمامها، وكسبها، في خدمة الأسرة، والمؤسسة الزوجية،
هذا السرد مهم كي نعلم فداحة ما جرى ويجري للنساء من ظلم بائن، وقهر مركَّب!
هذه الصديقة الشابة ذهبت لهذا المشفى لإجراء عملية “استئصال لوز” لابنها ذي الست سنوات، وبعد أن استكملت كل الاجراءات اللازمة، ووصلت لمرحلة التوقيع على الإقرار بتحمل المسؤولية عن نتائج العملية، فوجئت بأن القانون لا يجيز أهليتها لهذا التوقيع .. كأم! نعم، قالوا لها إن الذي يمنح الأهلية هو الأب، وبالعدم العم، أو حتى ابن العم، وهما من يُعرفان بـ “العَصَبة”، وعجبي لـ “عَصَبة” تجعل العم وابنه أقرب للطفل من أمه! وحسب علمي فإن ذلك لم يتقرَّر لا في القرآن ولا في السُّنَّة!
ولتعجبوا، ما شاء لكم الله أن تعجبوا، لكون من يكتب شعر أغنية، أو يؤلف موسيقاها، يُعتبر “صاحب الحق الأصيل” فيها، حسب قوانين “الملكية الفكرية”، فلا يمكن تجاوزه في أية معاملة تخص النَّص المنتََج، بينما يُعتبر المغنِّي الذي يؤدِّي هذه الأغنية “صاحب الحق المجاور”، لفضله بالمشاركة في إخراج النَّص للمتلقين، فكيف، بالله عليكم، يستقيم انتفاء العلاقة “الأصيلة” للأم، بمن حملته ذاتا في ذاتها، ورعته، وحدها، فكانت له بمثابة الهواء، والغذاء، والكساء، ووفرت له، وهو، بعدُ، في دياجير الظلمات، النور الهادي، والأمن السابغ، والطمأنينة؟!
فلئن كان الشعر مشروعاً ثقافيَّاً، والشعراء هم “أصحابه”، فالأبناء والبنات هم/ن مشاريع الحياة ذاتها، والوجود كله؛ ونحن الأمَّهات “صاحبات الحق الأصيل” في هذه المشاريع. فلتعلن النساء، إذن، اضرابهن عن الانجاب، إلى ان تنصلح هذه القوانين، ولتكن ثورة حتى النصر .. النصر لـ “الحقوق الوالدية”!
أما أنتم، أيها المتخلفون، الظالمون، المتشبثون بآليات التحكم فينا، وتفرير مصائرنا، فلتعلموا أن النساء هنَّ حياة الحياة والإشراق .. فمتى، والأمر كذلك، ستعترفون بأن الشمس تشرق منهنَّ؟!
الثلاثاء
“من أين تأتي الشاعرية؟!/ من ذكاء القلب؟!/ أم من فطرة الاحساس بالمجهول؟!/ أم من وردة حمراء في الصحراء؟!/ فلا الشَّخصيُّ شخصيٌّ/ ولا الكونيُّ كونيٌّ/ كأنِّي لا كأنِّي/ كلَّما اصغيتُُ للقلب امتلأ/ مِمَّا يقول الغيبُ وارتفعت بي الأشجارُ مِن حُلم إلى حُلم/ أطيرْ/ ولي هدفٌٌ أخيرْ/ كذلِك أُولَدُ منذُ آلافِ السِّنين/ الشَّاعريَّة في ظلام أبيض كتانْ/ أعرَفُُ مَن أنَا فِينا/ ومَا حُلمي/ انَا حُلمي/ كأنِّي لا كأنِّي”!
هكذا أتاني هذا النص مفترعا، اليوم، عبر سماعة الهاتف، محطِّما ما يزحمنا من ترتيبات إدارية تقف عليها، بحدب وصبر شديدين، الحبيبة حياة، وهو يعلم تماماً “انو الزول بونِّسو غرضو” كما يقولون!
صرت كلي أذن استمع له وهو يقرأ النَّص مفتونا، وانا ازاحمه غواية التحليق تارة، والالتباس تارة أخرى، فما الشاعرية لأرجحنَّ ما بين ذكاء القلب، وفطرة الاحساس بالمجهول؟!
استاذي شديد اللطف د. حيدر إبراهيم علي هو دنيا من المعارف، واللطائف، والفتون، ومن نبل السمت والمخبر، روح حفية قادرة، ومثابرة، ومجسِّرة لكل ما يمكن أن يعدَّ بوناً بين الاجيال، تجلس قبالته هكذا، ولا تملُّ، روح فكهة وحكيمة. هذا مزيج مدهش، ومربك، في آن، تحسبه صديقاً قديماً، ولم تتعدَّ معرفتك به أياماً. عركته السنون، فخبر الحياة، وأعدَّ لها عدتها. انحاز لقضايا النساء، داعماً ومنظِّراً حول كيفية إنصافهنَّ. وما بين علم الاجتماع، وقضايا الحقوق، والحريات والفنون، والآداب، وما يربط بينها وبين التنمية، والتَّصدي للعنف، دارت أبحاثه، واسهاماته الفكرية، خصوصاً حول موضوعة “الإسلام السياسي”، ثم وقوفه على العديد من الإصدارات والدوريات.
ونحن نحتفل بحملة الـ “١٦ يوماً لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات”، لا نكتفي، فحسب، بشجب السلوكيات الذكورية ضد المرأة، أو نثمِّن عالياً جداً، فقط، إسهامات نساء عظيمات كفاطمة احمد ابراهيم، على سبيل المثال، وإنما علينا أن نثمِّن، أيضاً، الإسهامات الانسانية الرفيعة، والمختلفة، والراتبة، لمفكرين رجال في قامة حيدر، كمقاله المعنون “في بناء البشر”، ومقاله الآخر “المرأة الجديدة” الذي يؤسس، نظرياً وفلسفياً، لمشروع إنصاف المرأة، من خلال محاربة كل أشكال القهر، والتمييز، والتجهيل، والإفقار، أو ما يمكن تسميته “Feminization of Poverty “!
نعم. بقدر ما يوجد رجال نبلاء، يوجد رجال أوغاد! حيدر يحكي ضاحكاً وضاجاً بالسخرية .. تربة “القُرير” بالولاية الشمالية، والتي أنبتته منبتاً حسناً، قادرة على استيعاب كل هذا، والنفاذ بلطف من المزالق، و”قدلة يا مولاي حافي حالق بالطريق الشاقي الكلام”، وفقاً لتصحيف الشريف محجوب الطريف والذكي.
الأربعاء
“هكذا يَرحلُ النّوار خلسةً، يَفجؤُنا الغِيابْ/ وتَرحلُ، يا حَبيبَنا، من بابِ الحياةِ لِبابِ المَنُونْ”!
غاب شابُو الذي ما شابَه شيء سوى اللطف والحنان .. و”الحنانُ أن ترَى كيفَ يُحضَّرُ الدَّمعُ في مُقلةِ الكائنِ الحَي”! هكذا يقول صديقي الغائب الحاضر عاطف خيري، ما بين الغياب بفداحة الموت والغياب بالرحيل للأصقاع النائية تأخذنا الأحزان كل مأخذ.
عبدالله شابُو شيخ الشعراء وشيخي، أيقونة الدماثة، مدرسة الغيرية والتواضع، يخجلك بأدبه الجم، ولا يخذلك تضامنه إن عوَّرتك السنون، راسخ في المعارف، يؤنسن الأشياء الصلدة، فترقُّ من فرط الحميمية واللطف، طفل كهل لا تفارق الابتسامة شفتيه، وجه طلق به ذكاء متقد يظهر في عينيه الطيبتين، وفيه، أيضاً، شقاوة ودهاءٌ، مثقف رحيم يتفقد الاصدقاء من قبيلة الشعراء الجوعى، يقاسمهم الآلام والرغيف، يحمل همَّ المواصلات ليطمئن على وصول قبيلة الطير لوكناتها بأمان!
في كل ركن له ذكرى وصديق، قادر على لمِّ الاشتات والفرقاء، شهد له محمَّد المكي إبراهيم بأنه كان الأكثر تأثيراً على جيلهم من الشُّعراء، سعدت برفقته، وبالتتلمذ عليه، وهو يشغل رئاسة نادي الشعر باليونسكو، بينما كنت ذراعه التنفيذي كأمين عام. ما بين لوركا وابادماك يكون الأنس، والذاكرة حاضرة، والضحك يحاصر الفضاء حولنا، ويغتال القتامة!
أحاصره بالأسئلة، واستزيده من المُلَحِ والطَّرائف، يحكي فأتمنى ألا يصمت. أقاطعه مستنكرة غياب الحديث عن الصديقات، فيروغ متعذرا بزمان فيه النساء للخدور، مستدركاً أن ما نفعله، الآن، ونفترعه في أجناس الكتابة، يعد فتحاً. يحكي عن صديقتين بدفء تكاد تقبضه بيديك، يقول لواحدة يا آنسة، وللأخرى يا سيدة، فتساءلَتْ الأخيرة عن الفرق، فأجابها ضاحكاً: الآنسة من الأنس، أما السيدة فهي التي تسد نفسك .. زيك كده!
عمَّدته شركة زين للاتصالات أيقونة الشعر، وشخصية العام الثقافية، فشرفت به جائزتها!
غاب شابُو، لكنه ظل أكثر حضوراً ووضاءة. وها هي الكوّة، مدينته الأم، ومدينة الأفذاذ، التيجاني الماحي وعمر عبد الماجد والآخرين، تتجهَّز، الآن، لأربعينيَّته في الثامن من شهر الثورة، ليكون شهر العرفان، والامتنان لوجوده الباذخ والنبيل. طبت حياً وحياً يا سيدي.
الخميس
ماله هذا الواقع “الواقع!” كلما أقمناه “مال!” ولم يستوِ على سوقه، ولا على “سوق الله اكبر”، ففي الأخير هذا، على الأقل، مباشرةٌ ووضوحٌ، وفيه خصومة شريفة، وخسائره لا ترقى لخسارة الأرواح!
هذي البلاد مثلي مبتلاة، كما كان يقول عني صديقي الشاعر العراقي تامر الجاسم، أو كما يظن فكي جبرين “واطية ليها عمل” من الأراذل ومن شرار القوم!
“مالهم بَنُوكَ بَلُوكَ بالصُّكوكِ الرِّبويَّة والعمالةِ والمُحاصَصة/ ورَهَنُوا إشراقَ شمسِك وعافيتِك بنفوس عليلة .. جلُّ همِّها همُّها/ لِمَ رضُوا لنا الدَّنيّة في غدِنا الذي مَهَرتُه أرواحٌ طاهِرةٌ ودماءٌ ذكيَّة/ مالَها هذي البلادُ التي أنكرتْنِي/ ماطلتنِْي الوِدِادْ/ فاكتسَى أخضَرِي بالسَّوادْ/ البلادُ السَّماءُ التي سَرَقوا مِنها العِمَادْ/ فتَهاوَتْ علَيْنَا/ وتولَّى المُغنُّون ذرَّ الرَّمادْ/ البلادُ التِي فِي حِدَاد”