أخذ زهور حياته ورحل: أبو ذكرى، أيّها الراحل في الليل وحيدًا .. بقلم: محمد علي العوض


ربما لن تسعفنا اشتقاقات اللغة في أن نجد أوصافًالأشعار عبد الرحيم أبو ذكرى أعمق مما قاله الأديببشرى الفاضل بأنّها أغنيات لكوكب الأرض، حينما وصف شعره بالفضائي الذي تتخلله الصور الكونيّةبأجرامها الواقعيّة والمتخيلة.

لقد ظل أبو ذكرى كما أشار الأريب كمال الجزولي فيكتابته التذكارية “أبوذكرى.. نهاية العالم خلف النافذة” مشدوداً دائماً، وبقوة روحيّة هائلة إلى الأعالي بكل مافيها، وما يحيط بها من مفردات ومعانٍ، إلى السماواتوالكواكب والفضاءات اللامحدودة التي كانت تشكل لديهالمعادل الموضوعي (للانعتاق) أو حلم (الوجود المغاير) الذي عاش يتحرّق توقاً إليه..

ويكاد يكون فعل الرحيل نحو الفراغ الكوني والعوالمالسرمدية ثيمة متكررة وجزءاً من النسيج العضوي فيكثير من قصائده بما فيها من معادل موضوعي يشيبالنزوح والانعتاق والسفر إلى فضاءات تأملية جديدة..

ففي قصيدة (المجذوب أخذ زهور حياته ورحل) يحن أبوذكرى إلى مجذوبه، فبعد أن يسدل الليل على النفسأستاره يرحل الشاعر إلى عالم البرزخ بحثًا عن مجذوبه.. كأنّه يتوق إلى التواجد معهم وأنّ العيش بعدهم حرام:

أمس بعد المغيب

سرت أبغي الدروب القصية

أترحل في عالم الميتين الرهيب

وفي قصيدة (ليس عن الحب) يرحل وحبيبته عبر مساربالحزن ليهبطا فوق النيازك القديمة وليغشيا النجومالبعيدة ويرحلان:

ثم نرحل بين الحزون ونهبط فوق النيازك

فتحاصرنا النار تحت التخوم القديمة

ولخصت قصيدة” الرحيل في الليل” التي اختارها أبوذكرى عنوانًا لديوانه سمات الروح الشعرية السائدة فيبقية الديوان بما فيها من نزوع للانفلات من عالم الواقعالمحبط إلى مثالية يحن إليها دومًا.. ويقول عنها مصطفىسيد أحمد في حواره الذي أجراه معه د. بشرى الفاضلحول تلحينه وأدائه لها: ” إنّ الإحساس الموجود فيالقصيدة، بعد اطلاعي على الديوان، كأنّما هو خيطمنظومة عليه كل القصائد الموجودة في الديوان. كل البيئةالنفسية الموجودة في الديوان مكثفة في هذه القصيدةبالتحديد. الشيء الآخر أحسست أنّها تعكس ملامحالغربة، غربة الأديب السوداني وبالتحديد أبو ذكرى بكلما مرّ به في تجربته، والتي انتهت النهاية المعروفة، والتياعتقد أنّها كانت شكل احتجاج لكل الإحباطاتالحاصلة” – انتهى.

فالعنوان في حذ ذاته يحيلنا إلى اكتشاف النزعة الذاتيةو أوان الرحيل وقد اختار الشاعر مفردة الليل التي تشيبكل دلالتها ومن خلال السياق البنائي للعنوان بالستروالخوف والاستضعاف والنفس المنكسرة التي تتوقللرحيل ليلا كي ما تحرر من القيود الاجتماعيّة التيدفعته للبحث عن مراغم جديدة والنزوح إلى عوالم أخرىملؤها السكينة والمثالية، ويستهل أبوذكرى القصيدة بنداء(أيّها الراحل في الليل وحيداً) وللنداء جمالية بلاغية تأتيفي دلالة السياق العام للجملة فهو أولا يدل على الطلبوالحوجة ويعمل على استمالة المنادى وبث الاطمئنان فينفسه..

وقد حذفت أداة النداء “ياء” ومع أنّ الياء تستخدم لنداءِالبعيد إلا أنّ البعيد قد يُنزل منزلة القريب أحيانا، حيث يأتي حذف الياء دلالة على القرب، كما في حذف أداةالنداء الياء مع كلمة “ربّ” بمواضع عدة في القرآن الكريم، إذ يرى البعض أنّ سر الحذف فيه للمبالغة فيتصوير قُرب المنادَى “ربّ” والكلمة تعني المُربي أو السيّدوالمالك؛ وهو بهذه المعاني من شأنه أن يكون قريباًحاضراً لا يحتاج في ندائه إلى وسائط.

أيها الراحل في الليل وحيدًا

ضائعا منفردا..

أمس زارتني بواكير الخريف

غسلتني بالثلوج وباشراق المروج

يزخر نص أبو ذكرى بكم من الحقول الدلاليّة منها ما يدلعلى الوحدة الموحشة والضياع: (وحيدا ضائعًا منفردا) (أروقتي المنعزلة) (وحيدًا موغلا منفردا)..

أيضا هناك حقل دلالي يتعلق بالزمان وتغيراته المتنقلةبين صيف وشتاء، ربيع تخضر فيه المروج وخريفتتساقط فيه الأمطار، ثلج وإشراق: (ساعة) (أمسزارتني بواكير الخريف غسلتني بالثلوج وبإشراق المروج) (كان صيفي جامدًا وجبيني باردا)، (وغروب الأنهروانحسار البصر)، (ومضت تحضنني الشمس الندية.. التي ما حضنتني في الزمان الأول.. في الزمان الغائبالمرتحل):

حين زارتني بواكير الخريف كان صيفي جامدًا

وجبيني باردا، وسكوتي رابضا خلف البيوتالخشبية

مخفيا حيرته في الشجر وغروب الأنهر وانحسارالبصر

لوحت لي ساعة حين انصرفنا

أيضا استجاب النص في معجمه الدلالي لنداءاتالطبيعة والتوق للانعتاق من العالم الأرضي إلى العالمالسماوي (بواكير الخريف.. إشراق.. وغروب الأنهر.. الريح.. الشمس النديّة.. العتامير.. البحر.. المدارات.. الفراديس):

ثم عادت لي بواكير الخريف

حين عادت وثب الريح علي أشرعتي المنفعلة

سطعت شمس الفراديس على أروقتي المنعزلة

ومضت تحضنني الشمس الندية التي ماحضنتني في الزمان الأول

في الزمان الغائب المرتحل

كما أنّ هناك حقولا دلالية تدل على التعارض التضمينيوالتضاد كما في مفردتي (العتامير/ البحر) فالعتاميرهي الصحارى ومنها صحراء العتمور في شمالالسودان، ومفردة الصحراء تدل على القحط والجدبوانعدام الحياة وهي ضد البحر باخضراره والمياهالمتدفقة منه والدال على الحياة والخصوبة والآفاقالواسعة خلف خط الأفق وما وراءه من عوالم جديدة.

أيضا التعارض نجده في عبارة (صيفي جامدًا) ومعروفأنّ التجمد صفة للثلج وهذا يتناقض مع فصل الصيفبحرارته اللاهبة:

في الدهاليز القصيات انتظرني

في العتامير وفي البحر انتظرني

يحفل النص بدلالات متصاعدة الأنفاس، لاهثة، تنزع نحوالطيران رويدًا رويدا، فهو يخاطب الراحل بأن ينتظره فيحفيف الأجنحة ثم يتصاعد ليرافق الطيور في هجرتهاالموسميّة لمراتع خصبة ثم تتصاعد أكثر فأكثر حتى يصلالتطلّع إلى التوّق للمدارات والكواكب:

انتظرني في حفيف الأجنحة

وسماوات الطيور النازحة

وقت تنهد المدارات

وتسوَد سماء البارحة

وإن كانت القصيدة تندرج ضمن خطاب الشعر الحربخصائصه المعروفة من توظيف للغة الإيحائية المشبعةبالدلالات العميقة التي تبتعد عن التوظيف التقريري إلاأنّ التركيب الشعري عند أبي ذكرى ليس عصيًا علىالشعور به واستكناه معانيه فاللغة عنده شارحة تتلمسهابحواف قلبك وذاتك، تعطيك حق التنقل التفسيري بينحقولها الدلالية وقاموسه الشعري بما حواه من لغةالزمان والفضاء والتوق للانعتاق من الأسى؛ فهو كما قالعن نفسه ذات يوم:(من يقرأ شعري لا يحتاج إلى عالمفي الفلسفة أو الأدب أو التاريخ أو السيكولوجي لكنّهيجب أن يمتلك مناخاً معيناً وحساسية تجاه الكلماتوثقافة ووعياً مناسبين وبعض الخيال.. فالقارئ يعدمشاعره أثناء قراءة القصيد وحيث ينتهي منها يكون قدتغير قليلاً ولو بنسبة واحد إلى المليون ليس هذا ادعاء؛إنّه شيء يحدث خفيّة ولهذا قد لا يلاحظه القارئ نفسه).

mohamed102008@windowslive.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً