لم تعد حرب تمرد مليشيا الدعم السريع ضد الدولة السودانية والقوات المسلحة مجرد نزاع عسكري داخلي أو تمرد لأسرة تحاول السيطرة على السلطة؛ بل انكشفت أبعادها كواحدة من أكبر المخططات الديموغرافية العابرة للحدود في تاريخ المنطقة. ومع اشتداد التطورات الأمنية والسياسية في دول الجوار الإفريقي، ألقى قرار دول مثل النيجر بسحب الجنسيات وتجريد وثائق المواطنة وإبعاد مجموعات وافدة (وعلى رأسها مجموعات من المحاميد وعرب الشتات) بظلاله الثقيلة على المشهد السوداني، لتتحول نتائج هذه القرارات إلى وقود متأجج يُغذي آلة الحرب وضغوط الاستيطان قسراً داخل أراضينا.
أولاً: خلفية القرارات الإقليمية المفصلية.. سحب الجنسية والترحيل
في ظل النزاعات المحلية الهشة والتغيرات السياسية المتلاحقة في دول إقليم الساحل، اتخذت السلطات في النيجر وعدد من دول الجوار خطوات أمنية صارمة بفتح ملفات الوثائق الثبوتية والسجل المدني. وقد شملت هذه الإجراءات مصادرة أوراق الهوية، وسحب وثائق المواطنة، ومطالبة آلاف العائلات الوافدة بالرحيل وإعادة ضبط أوضاعها، تحسباً لنزاعات السيطرة على المراعي والمياه وحمايةً لأمنها القومي.
هذا التجريد القانوني والإبعاد من دول غرب إفريقيا وضع هذه المجموعات الرعوية أمام واقع جديد: انعدام الجنسية (Statelessness) وفقدان الملاذ الآمن.
ثانياً: “السودان” الدولة الوحيدة التي منحتهم المواطنة قبل التمرد
وهنا تبرز الحقيقة التاريخية والسياسية المفصلية التي طالما غُيبت؛ إذ يُعتبر السودان—بخلاف كل دول الساحل وغرب إفريقيا—الدولة الوحيدة في المنطقة التي فتحت أبوابها لهذه المجموعات ورعايتهم، بل ومنحت أعداداً كبيرة منهم حق المواطنة والجنسية السودانية والشراكة السياسية والعسكرية قبل اندلاع هذا التمرد الغادر.
الكرم والاحتواء مقابل التمرد: احتوى السودان هذه المجموعات بعد جفاف الساحل ونزاعات دول الجوار، ودمجهم في النسيج الاجتماعي والمؤسسات الأمنية والعسكرية، ووفر لهم الاستقرار الذي حرمتهم منه أوطانهم الأصيلة.
الجحود والانقلاب على الدولة: بدلاً من حفظ هذا الجميل ورعاية حقوق المواطنة التي نالوها دون غيرهم في كل الإقليم، استغلت قيادات التمرد والمليشيا هذا التمكين والمواطنة لغرس خنجر في ظهر الدولة السودانية، والتحالف مع بني جلدتهم المطرودين حديثاً من دول الجوار لاجتياح البلاد واستبدال أهلها الأصليين.
ثالثاً: الآثار المباشرة لقرارات الإبعاد على الحرب في السودان
إن المتابعة الدقيقة لمسار المعارك تُظهر بوضوح كيف استغلت مليشيا الدعم السريع وداعموها الإقليميون قرارات الإبعاد والتجريد من دول الجوار لتحويل هؤلاء المطرودين إلى رأس حربة في مشروعهم داخل السودان:
- الهروب إلى الأمام واستبدال الوطن
حينما أُغلقت أبواب المواطنة والاستقرار في النيجر وتشاد، وحيث إن السودان كان سلفاً الدولة الوحيدة التي اعترفت بهم ومنحتهم حقوقاً دستورية، أصبح السودان هو “الهدف الجغرافي والسياسي الوحيد” لهذه المجموعات. ولم يعد المقاتل المرتزق القادم من خارج الحدود يقاتل من أجل المال فقط، بل أصبحت بالنسبة له معركة “تأسيس وطن بديل” لعائلته وقبيلته بعد أن فَقَد حق المواطنة في دولته السابقة.
- تحوّل العقيدة القتالية إلى الاستماتة والوحشية
إن تجريد هذه المجموعات من وثائقها وطردهم جعل قتالهم في السودان قتالاً وجودياً؛ مما يفسر حجم الشراسة والوحشية المفرطة وممارسات “الأرض المحروقة”. فهم يدركون أن الهزيمة أمام الجيش السوداني تعني العودة إلى التيه بلا أوراق وبلا أرض، ولذلك أضحت استماتتهم في القتال قائمة على عقيدة البقاء الساعية لانتزاع الأراضي والمنازل بالقوة.
- التطهير العرقي والاستيطان القسري البديل
ترافق مع تدفق هؤلاء المطرودين من دول الجوار زحف عائلاتهم بمواشيهم وأمتعتهم نحو الحدود السودانية. ولتوفير البيئة لهذا الاستيطان، مارست مليشيا الدعم السريع حملات تطهير عرقية وتهجير قسري ممنهج للمواطنين الأصليين في دارفور (كما حدث في الجنينة والفاشر ومناطق الجزيرة)، لإحلال العائلات المطرودة والوافدة في منازل وقرى السودانيين، وإصدار وثائق هويات سودانية مزورة لهم لإعادة تشكيل الخارطة الديموغرافية للبلاد.
- خزان تجنيد مفتوح لمليشيا الدعم السريع
وجدت قيادة التمرد في الإبعاد الإقليمي فرصتها الذهبية للتجنيد التلقائي؛ إذ استغلت حاجة هؤلاء المطرودين إلى السلاح والمال والحماية، فقدمت لهم الدعم العسكري والغطاء السياسي مقابل الزج بهم في الصفوف الأمامية لمعارك الخرطوم والجزيرة ودارفور، لتعويض الخسائر البشرية الفادحة التي تتكبدها المليشيا يومياً على يد القوات المسلحة.
رابعاً: تحول المليشيا إلى أداة لغزو المرتزقة عابري الحدود
بناءً على هذه المعطيات، أثبتت الواقعة الميدانية أن مليشيا الدعم السريع لم تعد مجرد فصيل سوداني متمرد، بل أضحت منظومة عابرة للحدود توظف “المرتزقة والمطرودين” لتنفيذ أجندات خارجية. يقاتل هؤلاء المرتزقة بلا انتماء لوجدان الشعب السوداني ولا احترام لمؤسسات دولته التاريخية، ويتعاملون مع مقدرات البلاد وبنيتها التحتية ومنازل مواطنيها باعتبارها “غنائم حرب” يحق لهم استباحتها.
ختاماً: القوات المسلحة السودانية.. سياج الوطن ومعركة الوجود
إن ما يجري في السودان اليوم هو حرب دفاع قومي عن سيادة الأرض والهوية الوطنية ضد أخطر محاولة غزو وتغيير ديموغرافي يستهدف استبدال شعب بأكمله بمجموعات وافدة ومطرودة من دول جوارها، بعد أن قابلت كرم الدولة السودانية ومنحها حق المواطنة بالتنكر والخيانة.
إن القوات المسلحة السودانية، وهي تخوض هذه المعركة الوطنية الشاملة بمساندة القوات المشتركة والشعب والمقاومة الشعبية، تدرك جيداً أبعاد هذه المؤامرة وتأثير هذه التدفقات الخارجية. ومهما بلغت أعداد المرتزقة القادمين عبر الحدود، فإن الرهان على غزو الأراضي السودانية وتوطين المطرودين بالبندقية هو رهان خاسر، وستظل المؤسسة العسكرية السودانية الحصن المنيع الذي تتحطم عليه مشروع الاستيطان البديل ليبقى السودان عزيزاً حراً لجميع أبنائه الشرفاء.
د.عوض النقر بابكر محمد- السعودية- الرياض-966537626864
awadelnager@gmail.com
