أمراض السلطة الاستبداد أشد فتكا من الجوائح.. المواطن أول ضحاياه  .. بقلم: مـحـمد أحـمد الجـاك 

في ظل انشغال منظمة الصحة العالمية بالكورونا وفيروسات أخرى؛ وجدت لدى الكواكبي عبارة تشير إلى أن الاستبداد أشد فتكا من الجوائح، بل هو (جائحة الجوائح)؛ وأن ضحاياه أكثر بكثير من كل جائحة أو كارثة؛ وأن أمراض سلطة الاستبداد تفتك بالمواطنين وبالمواطنة بأشكل شتى ومتعددة.
فالسلطة المريضة التي تجعل من بطشها غاية، ومن سلوكها قيمة، هي تلوح دائما بالبطش فتنتج (عبيدا.. خائفين مذعورين مذعنين خاضعين)، وتتحول السلطة من وظيفة عليها أن تضطلع بها لتحقيق مقصود العمران البشرى وعلاقاته؛ مستلزماته وموجباته، إلى جهاز لا يرى إلا استقراره وقراره، وأمنه وأمانه، وحصوله على مزيد من السلطة والسلطان له ولأعوانه.
هذه السلطة الانقلابية في تصوراتها الإدراكية للعلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم تحكمها قاعدة كلية (ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، حتى لو كانت رؤاها عشوائية؛ وتصير عشوائية السلطة (تفكيرا أو تدبيرا وتسييرا) من أهم منتجات المجتمعات العشوائية. كما أن هذه النوعية من السلطة العشوائية تجد من أهم مصالحها تحقيق حالة من استقرار (الأمر الواقع)، طالما كان في مصلحتها، وتحقيق مصلحتها وتحقيق مقصودها في بقاء السلطة استقرارا واستمرارا.
وتمارس هذه السلطة منظومة أمراضها المكرسة لحال الظاهرة العشوائية، بما يضمن لها إقرار تسلط السلطة، وسلطة التسلط. وبدلا من أن تمثل السلطة خريطة القوى الاجتماعية والسياسية على أرض الحقيقة والواقع، فإنها في ذاتها تمثل (القوة) احتكارا أو تسلطا، استبدادا وطغيانا؛ تنظم فيما بينها مصالح ووجهات شتى، يتفق هؤلاء بإعمال استبدادهم لحماية مصالحهم وفسادهم.
وتتلاعب السلطة في كل ذلك لتتهم كل من يعارضها بأوصاف ذميمة، وكل من يقاومها هو طالب للسلطة يريد أن يختطفها أو يركبها وهو يحتال للوصول إليها(متربصين ..  مخربين .. مندسين .. ارهابيين .. قطاع طرق .. ألخ. (السلطة ذات مصونة لا تمس) إلا من أهلها، وهم أهلها ولا يسمحون لغيرهم بالاقتراب من حياضها.
تتلاعب السلطة بكل أنساق الادراك والتفكير والتعليم والتربية والتثقيف والإعلام، وبكل أنساق القيم فترفعها كشعارات وتنتهكها على أرض الواقع، وتنتج مواطنا أو بالأحرى (عبدا) يرى ما يرى وهو صامت يؤدي ما يُطلب منه من غير( تعقيب) أو (وجع دماغ)، فتمرر قيما سلطوية مواتية لحركتها وتحقيق مصالحها.
وهي كذلك تتلاعب بأنساق السلوك، وتقيم كل عناصر سلوكها على قاعدة من التمثيل، كما سبقت الإشارة إلى (حق الاداء العلني) للجماهير في إطار من التعبئة العامة، لتساند الحكم والحاكم، ومن لم يقل خيرا في السلطة فعليه أن يصمت.
وهي تمارس كل ذلك في إطار إصلاح ضال (تقوم به ليل نهار).. (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون.. ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).”
هكذا تستبدل عناصر السلطة أمن الناس بأمنها، فتجعله من قلب وظيفتها الأمنية. وإذا كانت أي سلطة يشغلها الجانب الأمني، لكن يزداد هذا الانشغال حتى يصل لأقصى درجاته لدى السلطة غير المنطقية ولدى السلطة الفرعونية ولدى سلطة السلطة، إنها السلطات المستبدة التي تجعل من هواها سلطة ومن أفكارها رشدا ومن أساليبها طريقة مثلى.
هي لا تقبل المراجعة أو المحاسبة او المساءلة، هي سلطة حسبما اتفق، تمارس كل عناصر عشوائيتها وتسميها سياسة واستراتيجية وخطة، تتحرك في جوفها فتزيد الأزمات وتتراكم، فلا ترده مرة واحدة إلى سوء عملها أو حال تقصيرها أو حال قعودها عن الإنجاز.. هي المنجزة أبدا، هي الفاعلة دائما، هي التي تسهر على راحة الناس، ألا تستحق سلطة مثل هذه الأمن والأمان؟! لأن الأمر لا يخلو من متربص يتربص بها، ومن خصم يحاول القفز على السلطة وكراسيها. ولا ضير أن نضيف إلى أعداء الداخل أعداء الخارج، فالسلطة مستهدفة، وهناك من يحاول تعطيل مسيرتها في إشاعة الأمن والنظام والاستقرار، ليكون المجتمع مؤهلا للعمل والنماء والارتقاء. فإذا لم يحدث أي شيء من هذا، فإن الأمر قد يعود إلى ظهور فجوة تأكل النمو، ولا تتحدث عن فسادها الحقيقي أو فساد أعوانها.
في هذا السياق تشكل أجهزة الدعاية والإعلام والإعلان لدى السلطة، فيكون هذا مع الأمن قدمين للنظام، فتقوم هذه الأجهزة بالمبالغة في إظهار إنجازات السلطة وتبرير أفعالها، وتحويل هزائمها إلى انتصارات تاريخية، كما تقوم بإضفاء صفات  الوصاية والبطولة والحكمة والتضحية على رمز السلطة المستبدة. فهو ملهم وهو الزعيم الأوحد، وهو الذي يصدر التوجهات، وتضع صوره وتماثيله في كل مكان ..
وهي حالة إعلانية بالغمر والتعبئة والتكرار والإلحاح، فحيثما ذهبتَ يطالعك وجه القائد الجنرال أو صوره أو أقواله. ويتحرك صاحب السلطة شيئا فشيئا إلى سلوك ادعائي ودعائي، فيلبس قناعا يراه مناسبا لتحقيق هذا الهدف في استمرار السلطة أو توريثها، بما يشكل وعي وتفكير الجموع في اتجاه مصالحه الخاصة.. إنه نوع من الدائرة التمثيلية، الذي يقدم فيها صاحب السلطة دورا تمثيليا لتكتمل دائرة تزييف الوعي. ومع هذا الوضع تبقى الصور المزيفة سيدة الموقف في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، في إطار من عبارة تجعل الأمر برمته (كله تمام سعادتك )، في مناخ من تشكيل الرضا الكاذب أو الزائف؛ ومن ثم فإن أصحاب السلطة والسلطان يحاولون إعدام كل بارقة وعي لدى الجماهير، حتى يحافظوا على عملية تكريس وعيها الزائف وتنويم قواها وفاعليتها.
وفي إطار الصور المزيفة تواصل السلطة حركة زيفها في إطار ما تراه أنه إصلاحات زائفة أو تغييرات (ديكورية)، في محاولة التفافية على حقيقة الإصلاح، وذلك أن حالة الزيف تلك تمثل بيئة خصبة ليس فقط لتسويغ الكذب الإنجازي (الفنكوش).
تضخم السلطة وتغولها يعني وبدون أي جهد أو اجتهاد تأميم المواطنة والاستبداد بها. ومن عناصر تضخم السلطة الإحساس المتضخم بخلودها، و(الزعيم الخالد) واحد من الشعارات التي تقع في نفس الشخص الساعي للسلطة المتشبث بها.. إنه لا يشبع من التملك، يسعى إلى الخلود في الدنيا.. وكلما اتسعت دائرة نفوذه وانتشرت صوره وتماثيله في كل مكان كلما انزلق إلى الاعتقاد بفكرة خلوده. ولو أصابه المرض أو أدركته الشيخوخة وأيقن بفكرة موته فإنه يعمل بسلطانه من خلال أبنائه وتوريثهم، أو توريث بطانته.
إن ما يسيطر عليه (ملك لا يبلى)، ومن هذه الفكرة يتولد ذلك الرعب الدفين مما بعد السلطة ومحاولة استبعاد ذلك الاحتمال. المستبد يرى نفسه دائما في السلطة، ويعرف أن النفاق والخوف والتزلف والمزايا التي يجتنيها لا يمكن أن يصل إليها إلا من خلال السلطة واستغلال وجوده فيه، ومن ثم يسعى مع تضخم الذات إلى امتلاك السلطة والتشبث بها. ويرى في كل نصيحة مؤامرة، ولا يثق بأحد ممن حوله، ويسيء الظن بالكثيرين ويتوقع منهم الإيذاء والتآمر.
إنه لا يعرف إلا قانون التسلط والسيطرة للحفاظ على ذاته.. هذه الذات المستبدة المتضخمة تحاول أن تضع نفسها حيث تراها، فيهتم الزعيم المستبد الخالد بصحته ومظهره وشياكته بشكل واضح؛ ولديه ذات متضخمة فيشعر أن الجماهير التي يحكمها محظوظة بحكمه إياها .. )إن عليها ان تحمد ربها أن وضعه القدر في هذا المقام. (
ومع هذا التوحد والتضخم السلطوي تتضخم الأجهزة الحامية له والقابضة على جماهيره (التي ربما لا تستحقه). ومن وجود في السلطة إلى طلب المزيد منها والتشبث بها، وهذا يستدعى ممارسات تحايلية والتفافية وتلفيقية، وخداعا وكذبا، وتصبح هذه الأشياء من ضرورات اغتصاب السلطة وتغولها، وفي المقابل تتآكل المواطنة في جوهرها وحقائقها وحقوقها.
نبضات أخيرة :-
• يتابع العالم العربي بترقب واثارة وتوتر شديد عبر قناة الجزيرة مباشرة المحاولات الجارية من قبل السلطات المغربية لانقاذ  الطفل (ريان) بعد سقوطه في بئر  على عمق 32 متر مساء الثلاثاء الماضي ، لحظات تحبس الانفاس وعلى الهواء مباشرة نتمنى أن تكلل الجهود بالنجاح وأن تكتمل عملية الانقاذ بخروج ريان سالم معافى من كل شر، الأمة العربية مثل ريان ، تعيش في نفق مظلم وتنتظر الخلاص ،سيزُول البأس يا صغيري ، عوض الله آتٍ ليَمحي مرّ ما رأيتَه.
لعل من حكمة الله في حادثة ريان و تفاعل الناس معها ، أن تستنهض إنسانية العالم لإنقاذ ملايين الأطفال في هذا الكون من الخوف و الجوع و البرد و الموت. اللهم اكتب النجاة لريان و لهم.
• مليشيا الدعم السريع قد تكون المشكلة الثالثة في الترتيب بعد مشاكلنا الذاتية ومشكلة الجيش، لكن يظل الدعم السريع هو المشكلة رقم واحد بالنسبة للجيش، يجب أن نجيد ترتيب الأولويات. وأن لا نساعد الجيش في التخلص من مشكلته، قبل حل مشكلتنا مع الجيش.
أكبر خطأ في الشطرنج هو القيام بنقلة صحيحة. النصر ليس نقلة صحيحة، بل النقلة الأصح، انظر (أبعد) وفكر (أكبر) أيها الحزب الضعيف الذاكرة!(وحاسب ليجرالك اللي جرا لعبدالشكور) سنة ١٩٦٥ وسنة ١٩٧١، عندما نظر عبدالشكور في ١٩٦٤ و١٩٦٩ بذات العين التي تنظر بها الآن. عندما نظر عبدالشكور بالعين المغمضة.
• عندما يتفق البعض على بناء بيت الجميع، فإنهم، دون أن يدروا، يتفقون مع الآخرين على هدمه. عندما يتفق الجميع على بناء بيت الجميع، يقوم بيت الجميع، أما البيت المنقسم على نفسه فلا يقوم.
• النظام السياسي الذي تتوق المواثيق لتأسيسه، يخلق دولة الكل، لكن كما يتصورها البعض. يجب أن يتكلم الميثاق بلسان (النحن) فقط، لا بلسان (الأنتم والهُم).  علينا أن نخلق النظام السياسي الذي يغضب الجميع! الذي يحد من أطماع الجميع، ويطمئن مخاوف الجميع. فيُرضي الجميع، فيرضى عنه الجميع. .
mido34067@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً