أوراق قديمة (11) .. بقلم: د.مصطفى أحمد علي/ الرباط


عبرنا النيل إلى ضفته الشرقية اليمنى.جدفنا في اتجاه التيار،في محاذاة الشاطئ الغربي لجزيرة الخندق،ثم عكس اتجاه التيار في محازاة الشاطئ الشرقي للجزيرة.هبطنا على ذلك الشاطئ ثم عبرنا منه إلى الضفة الشرقية اليمنى للنيل .رسا قاربنا وسرنا في الجروف باتجاه الشمال ،إلى (ملواد)، والنهر على يسارنا بعض ساعة وصلينا المغرب في دار إدريس عبد المطلب و شربنا القهوة.معرفتي به ترجع إلى سنوات طفولتي،كان يأتي إلينا في تجارته بغرب السودان،و كنت أرتاح إلى طرافته وأهشّ إلى أحاديثه،وأحرص على زيارته حين ألمّ بمديرية دنقلة.رحب بيترحيباً غمرني به ولم أقدر على أن أجاريه فيه!خاضوا في أحاديثهم و همومهم،شرعوا في ذلك،و كان يداهمني بين حين و آخر بأسئلته عن أحوالي وأخباري…يحاول أن يزيل حاجزاً نصبتهالسنون و المسافات….كنت أصارع أيضاً لأجد لي مكاناً ما في عالمهم ، عالمهم الذي يملأ عليهم أركان انفسهم ولا يكادون ينشغلون بغيره، كانوايسألونني أحياناً :أين تعمل الآن ؟هل رجعت نهائياً إلى السودان؟هل أكملت دراستك العليا؟…يدفعون بالأسئلة عرضاً ومجاملة ولا تعنيهم الإجابة كثيراً!

هبط علينا الليل و نحن بالضفة الشرقية للنيل،قبالة قلعة الخندق.خرجنا في جوف ذلك الظلام نتحسس مواضع أقدامنا على كثبان الرمال ،نتحاشى الشجيرات البرية الشائكة ومغارسالنخل.سرنا كيلومتراً أو نحوه ،ولما قدّرنا موقع القارب،انحدرنا نحو النهر.كان النيل هادئاً لا اضطراب فيه ولا موج.كانت الأشجار تبدو في هيئة يصعب تحديدها من الضفة الأخرى، ونوافذالبيوت ترسل أضواءً واهنة لا تقوى على الظلام الجاثم المكتنف .كنت سعيداً بتلك الرحلة، مستغرقاً فيها و في ما تبعثه وتثيره من خواطر ومشاعر وتأملات.كانت كل زفرة أو همسة تصدر متسقة مع ما حولي من كائنات ومحسوسات.

غادرنا شبتوت عند الفجر.اتجهت السيارة شمالاَ، تحدهم الحقول الخضراء والنخيل والنيل عن يميننا،والبيوت النوبية الغبراء والقبور عن يسارنا.الطريق بالغة الوعورة، كثبان رمال وصخور جيرية رخوة وقاسية وحصى ناعم الملمس مكور كبيض النعام ،وكتل من الغرانيت الداكن الكثيف.
شرع الصبح يسفر شيئاً فشيئاً والضوء يكشف عما كان يطويه الظلام.صبية يصعدون من الحقول المستلقية على ضفة النيل أو يهبطون إليها على دوابهم ..وجوههم ملثمة بالعمائم وجلاليبهم في غبرة الأرض.نسوة ورجال يسيرون في خطوات متمهلة.بعضهم جلوس على الطريق، يشيرون على كل سيارة مارة بالتوقف علّها تبلغهم قصدهم في القرى المتناثرة على الضفاف أعلى النهر وأسفله ،دون أن يتطرق اليأس إلى أنفسهم. الخدمات العامة التي توفرها الدول في زمان الناس هذا، تكاد تكون غائبة تماماً اليوم في هذا الجزء من برّ السودان وأرض كوشوحضارة مروي!لم يتغير شيء من أمر هذه القرى النوبية.انزوت الدولة هناك في الخرطوم ،وتحنط التاريخ هنا وأحكم قبضته على الناس وبيوتهم وعيشهم وطقوس أفراحهم وأتراحهم.بعض ملامح الحاضر والمستقبل تطلّ أحيانا في وهن وضعف وحياء..أعمدة كهرباء ومولدات اجتلبها المغتربون وبعض مظاهر المدنية تبدو شاذة نافرة في هذا المحيط القديم العتيق.
آثرت أن أديم النظر إلى الجهة اليمنى، فاللوحة أزهى وأجمل وأنضر، الخضرة منبسطة وأشجار النخيل باسقة،وحمرة الفجر بدت قانية كثيفة على الأفق الشرقي ثم أذابتها شيئاً فشيئاً الشمس التي انعكست على صفحة النيل المنساب من تحتها سبائك من ذهب كبطون الحيات .
دنقلة، نوفمبر1989

alkhandagawi@yahoo.fr

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً