اختبارات التوفل TOFEL والآيلتس ILETs أدوات لإعادة إنتاج الاستعمار الثقافي والتعليمي المعاصر

اعداد

د. أحمد جمعة صديق

جامعة الزعيم الأزهري

الحلقة (53)

المقدمة

أصبحت الكفاءة في اللغة الإنجليزية في عالم اليوم ، شرطًا شبه عالمي للوصول إلى التعليم العالي، والتنقل الدولي، والتقدم المهني. ومن أبرز الآليات المعتمدة لتوثيق هذه الكفاءة اختباري التوفل (Test of English as a Foreign Language) والآيلتس (International English Language Testing System). وغالبًا ما يُنظر إلى هذين الاختبارين بوصفهما أدوات محايدة وتقنية تهدف إلى قياس القدرة اللغوية. غير أن هذا التصور يخفي دورًا بنيويًا أعمق يؤديانه داخل النظام العالمي.

فبدلًا من كونهما مجرد أدوات موضوعية للتقييم، يمكن فهم التوفل والآيلتس نقديًا باعتبارهما آليتين لإعادة إنتاج أشكال حديثة من الاستعمار الثقافي والتعليمي. إذ إنهما يمددان أنماط الهيمنة اللغوية المتجذرة في التوسع الاستعماري، ويعززان تراتبيات معرفية، وينظمان الوصول إلى المعرفة العالمية والفرص. ومن خلال انتشارهما المؤسسي الواسع، يسهم هذان الاختباران في تحديد من يمكنه المشاركة في أنظمة التعليم العالمية، وكذلك في تشكيل كيفية إنتاج المعرفة والتحقق منها ونشرها.

تذهب هذه المقالة إلى أن التوفل والآيلتس يعملان كآليات معاصرة للاستعمار الثقافي والتعليمي عبر:

(1) تكريس الهيمنة العالمية للغة الإنجليزية،

(2) بناء تراتبيات معرفية،

(3) توحيد المعايير المعرفية،

(4) توليد أشكال من التبعية الاقتصادية، و

(5) تنظيم حركة التعليم الدولي بصورة غير متكافئة. ومع الاعتراف بوظيفتهما العملية، تؤكد المقالة ضرورة إخضاعهما لنقد تحليلي معمق.

الجذور التاريخية: اللغة والسلطة الاستعمارية

لا يمكن فصل الانتشار العالمي للغة الإنجليزية عن تاريخ الاستعمار الأوروبي، ولا سيما التوسع الإمبراطوري البريطاني بين القرنين الثامن عشر والعشرين. خلال هذه الفترة، فُرضت الإنجليزية كلغة للإدارة والتعليم والحكم في مناطق واسعة من إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. ولم تكن أنظمة التعليم الاستعمارية تهدف فقط إلى تعليم اللغة، بل إلى إعادة تشكيل الهويات والقيم وأنماط المعرفة.

ارتبطت الإنجليزية بمفاهيم الحداثة والعقلانية والتقدم، في حين همِّشت اللغات المحلية واعتُبرت أدنى شأنًا. وقد استمرت هذه التراتبية اللغوية حتى بعد الاستقلال السياسي، إذ احتفظت الدول الجديدة بالإنجليزية في مجالات رسمية وتعليمية لضمان الاندماج في النظام العالمي.

وفي هذا السياق التاريخي يظهر التوفل والآيلتس، حيث يكرسان إتقان الإنجليزية كشرط أساسي للمشاركة في التعليم وسوق العمل العالميين، مما يمدد الإرث الاستعماري اللغوي إلى الحاضر. وما كان يُفرض سابقًا بالقوة الإمبراطورية يُعاد إنتاجه اليوم عبر الاختبارات المعيارية.

وهم الحياد والقياس الموضوعي

يرتكز أحد أهم الادعاءات المتعلقة بالتوفل والآيلتس على أنهما يوفران قياسًا موضوعيًا وموحدًا للقدرة اللغوية. وتعتمد هذه الاختبارات على أسس سيكومترية وتقنيات إحصائية متقدمة. غير أن مفهوم الحياد في القياس ليس مسألة تقنية بحتة.

فاللغة ليست مهارة مجردة، بل هي متجذرة في سياقات ثقافية واجتماعية. وتعكس بنية هذه الاختبارات ومحتواها افتراضات معينة حول التواصل والمعرفة والخطاب الأكاديمي، وهي افتراضات تنتمي في الغالب إلى التقاليد الأنجلوساكسونية. لذا يُطلب من المتقدمين ليس فقط استخدام اللغة، بل أيضًا الامتثال لأنماط محددة من التفكير والتعبير.

فعلى سبيل المثال، تتطلب مهام الكتابة بناءً حججا خطية، وأطروحات واضحة، واستدلالًا قائمًا على الأدلة وفق النمط الأكاديمي الغربي. وهذا قد يضعف فرص من ينتمون إلى أنظمة تعليمية تعتمد أساليب بلاغية مختلفة، مثل السرد أو البنية الدائرية، حتى لو كانوا متمكنين لغويًا.

وعليه، فإن هذه الاختبارات لا تقيس اللغة فقط، بل تقيس أيضًا مدى التوافق مع إطار ثقافي وفكري معين، مما يقوض ادعاء الحياد.

بناء التراتبيات المعرفية العالمية

يلعب التوفل والآيلتس دورًا مهمًا في تشكيل التراتبيات المعرفية عالميًا. فالوصول إلى الجامعات المرموقة—وخاصة في الدول الناطقة بالإنجليزية—يتطلب تحقيق درجات مرتفعة في هذه الاختبارات، مما يجعل الكفاءة اللغوية بوابة للتحكم في إنتاج المعرفة.

ويترتب على ذلك عدة آثار: إذ يُمنح الامتياز لمن أتيحت لهم فرص تعلم الإنجليزية، غالبًا في بيئات نخبوية، بينما يُقصى الآخرون. كما تتعزز هيمنة المؤسسات الأكاديمية الناطقة بالإنجليزية في تحديد أجندات البحث والمعايير العلمية. إضافة إلى ذلك، تتراجع مكانة المعرفة المنتجة بلغات أخرى، حيث تواجه صعوبة في الانتشار والاعتراف.

وبذلك تسهم هذه الاختبارات في ترسيخ نظام هرمي تتصدر فيه المعرفة باللغة الإنجليزية. ويُجبر الباحثون من خلفيات لغوية أخرى على ترجمة أعمالهم—لغويًا ومفاهيميًا—مما قد يغير مضمونها.

التوحيد المعرفي والتجانس الثقافي

لا يقتصر تأثير هذه الاختبارات على الوصول إلى المعرفة، بل يمتد إلى شكلها ومضمونها. فمن خلال فرض معايير محددة لاستخدام اللغة، يعزز التوفل والآيلتس إطارًا معرفيًا معينًا يشمل أنماط الكتابة والاستدلال.

ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى نوع من التجانس الثقافي، حيث يتم تهميش أنماط التفكير المختلفة لصالح النموذج المهيمن. وغالبًا ما يخضع الطلاب لتدريب مكثف يركز على التوافق مع متطلبات الاختبار، أحيانًا على حساب هويتهم اللغوية والثقافية.

وهذا يمثل شكلًا من أشكال الاستعمار المعرفي، حيث لا تهيمن اللغة فحسب، بل يهيمن أيضًا نمط محدد من التفكير، مما يقلل من التنوع الفكري عالميًا.

الاستخراج الاقتصادي والتبعية

يشكل التوفل والآيلتس جزءًا من صناعة عالمية مربحة. فتكاليف التسجيل، والدورات التدريبية، والمواد التعليمية، وإعادة الاختبار، تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا، خاصة في دول الجنوب.

وتؤدي هذه التكاليف إلى تدفق مستمر للموارد نحو مؤسسات في الشمال العالمي. وغالبًا ما يضطر المتقدمون لإعادة الاختبار عدة مرات، مما يزيد العبء المالي. كما تنمو حول هذه الاختبارات صناعة تدريبية واسعة.

ويمكن النظر إلى هذا الوضع كشكل من أشكال الاستخراج الاقتصادي، حيث يستثمر الأفراد مواردهم لتحقيق معايير خارجية. وتؤدي هذه العملية إلى تعميق الفوارق الاقتصادية وتعزيز التبعية.

تنظيم الحراك التعليمي الدولي

تلعب هذه الاختبارات دورًا رئيسيًا في تنظيم حركة الطلاب عالميًا. إذ تعتمد الجامعات والحكومات عليها لتحديد أهلية القبول والتأشيرات.

ورغم تبرير ذلك عمليًا، فإنه يشكل آلية تحكم تحدد من يمكنه الوصول إلى الفرص التعليمية. وغالبًا ما يتأثر طلاب الجنوب العالمي بشكل أكبر بهذه القيود.

ويؤدي ذلك إلى عدم تكافؤ في فرص التنقل، حيث يتمتع البعض بفرص أكبر نتيجة خلفياتهم الاقتصادية والتعليمية.

صناعة التحضير للاختبارات

أدى انتشار هذه الاختبارات إلى ظهور صناعة واسعة للتحضير لها. وتشمل هذه الصناعة مراكز تدريب ومنصات تعليمية ومواد دراسية.

غير أن الوصول إلى هذه الموارد يعتمد على القدرة المالية، مما يخلق تفاوتًا في الفرص. كما أن التركيز على استراتيجيات الاختبار قد يأتي على حساب إتقان اللغة الحقيقي.

الآثار النفسية والاجتماعية

تشكل هذه الاختبارات ضغطًا نفسيًا كبيرًا على المتقدمين، نظرًا لأهميتها في تحديد المستقبل الأكاديمي والمهني. وقد يؤدي الفشل المتكرر إلى القلق والإحباط.

كما تخلق هذه الاختبارات تمايزًا اجتماعيًا، حيث يُنظر إلى المتقنين للإنجليزية بوصفهم أكثر كفاءة، مما قد يؤدي إلى تهميش الآخرين وإضعاف اللغات المحلية.

الحجج المضادة والاعتبارات العملية

لا يمكن إنكار أن التوفل والآيلتس يقدمان فوائد عملية، مثل تسهيل التواصل وضمان حد أدنى من الكفاءة اللغوية. كما أنهما يفتحان فرصًا للأفراد.

لكن هذه الفوائد لا تلغي الإشكالات البنيوية، بل تستدعي موازنة نقدية بين الفائدة والتأثيرات السلبية.

نحو تفكيك الطابع الاستعماري لتقييم اللغة

لتحقيق قدر أكبر من العدالة، يمكن اعتماد إصلاحات مثل:

تنويع أساليب التقييم
الاعتراف بتعدد أشكال الإنجليزية
تقليل الأعباء المالية
تعزيز التعدد اللغوي
دعم إنتاج المعرفة محليًا

ونختتم بالقول إن التوفل والآيلتس ليسا مجرد أدوات تقنية، بل هما جزء من بنى قوة تاريخية ومعاصرة. ومن خلال أدوارهما في تعزيز الهيمنة اللغوية والمعرفية والاقتصادية، يسهمان في إعادة إنتاج الاستعمار الثقافي والتعليمي.

ويتطلب فهم هذا الدور تجاوز فكرة الحياد، والانخراط في تحليل نقدي أعمق. فالإصلاح الحقيقي يستلزم إعادة التفكير في العلاقة بين اللغة والمعرفة والسلطة، بما يحقق نظامًا أكثر عدلًا وشمولًا. يتبع>>>

· استخدم الذكاء الاصطناعي في تحرير هذه المادة

aahmedgumaa@yahoo.com

عن د. أحمد جمعة صديق

شاهد أيضاً

تأثير شهادة الثانوية العامة السودانية على التعليم

اعدادد. أحمد جمعة صديقجامعة الزعيم الأزهري الحلقة (31) مقدمة شهادة الثانوية العامة السودانية (SSC) هي …