زرياب عوض الكريم
لا يُمكن مُناقشة المنطق العُنفوي (منطق ثنائية (الفتك والمتك) وشعارات الثأر السياسي (بل بس) النازية الجديدة) لمُؤسسة الجلابة (النظام الإجتماعي للحرب للإقطاعيين الشماليين في القرن 19) ، من داخله.
من أية زوايا دينية أو عقائدية فلسفية ، تسعى إلى تمجيد الذات المُحاربة ، من خلال إسترداد مفاهيم الإقطاع والإستعمار الإسلامي القديمة ، وتوطينها في بيئة غريبة عنها ، مثل سُودان السلطنات الكونفدرالي والسُودان التركو مصري المركزي (الموحد).
بل من خلال تفكيك ، علاقات الإستلاب والإغتراب ، الداخلية والخارجية (الإرتباط الخارجي) لمُجتمعات الإستلاب الكولونيالي في العالم الثالث ، وجهازها الأيدلوجي والتبريري.
ببساطة لأن مِثل هذا العُنف الطبقي (المبني على تمجيد الذات المُتفوقة والمُستوهمة بالتفوق العرقي ، على ثُنائية الطمع في الغنيمة والخوف من المُحاسبة).
كما الهُروب إلى الأمام دفعة واحدة (نحو أقصى تطرفات الأيدلوجييتين النازية والفاشستية) ، من نماذج الإقطاع في إثيوبيا إلى اليابان.
لا يستند إلى أية مرجعيات أخلاقية أو أيدلوجية من أي نوع ، سوى الإحتيال المِيكافيلي و التكالب النفعي (النفاق الأخلاقي).
فمُوسسة الجلابة و(ثأر الجلابة) التاريخي ، نهاية القرن التاسع عشر (1887) ، ضد المهدية الخالفة (حكومة التعايشي) ، وضد مُجتمعات غرب السُودان المُلحقة قسراً بالمركز (مجتمعات الهامش والهامش المزدوج) ، الذي تُجسده جمهورية (1956) ونظام الأبارتهايد المنبثق عنها منذ سبعين عاماً ..
هي تجسُد كولونيالي علماني خالص لعلاقات الهيمنة ، علاقات ماقبل الإستعمار (علاقة المركز والهامش) .. لا صلة عضوية له برحم الإستعمار الإسلامي والإستشراق الإستعماري مُتباعد الصلات ، بقدر ما يستمد ويحاول إستمداد شرعيته (التبريرية) منهما.
هذه المُحاولات من تعريب الأبرتهايد إلى أسلمة الأبارتهايد ، هي مجرد تمثيل لأيدلوجيا الطبقات المُهيمنة والمُستفيدة من الإستعمار.
في نهاية المطاف ، إتحاد الجلابة المركنتيلي في القرن التاسع عشر ، هم طبقة حكم كمبرادورية rule class ، من تحالف ميكافيلي بحت ، لا يمكن وصفه بالرابطة المصيرية ، وليسوا بالضرورة أُمة (مُكتملة الوجود).
بل إن مثقفيهم رفضوا دائماً وناهضوا ((ما ناهضه صبي آل دقلو لاحقاً المدعو الفاضل منصور الذي رفض الإعتراف بمواطنة الشعوب الأصلية والمالكة للأرض في ريف دارفور)) ، فكرة التحول إلى أمة أو العمل على بناء أمة ، من خلال إسترداد سيادة الممالك الشمالية العشرة النوبية والمُستعربة معاً وحدودها الترابية والثقافية الأصلية. وتمثيلها ثقافياً وإجتماعياً في إقليم واحد ذاتي الحكم ، إلى جانب الأقاليم الأخرى.
وأيضاً من خلال تبني منهج التحليل الثقافي ، ذات الذي تبناه جوزيف ستالين وكيم جون أون الأب في تحديد مفهوم الأمة عن غيرها من الطبقات ، أو ذلك الذي عينه كلاً من سياد بري في الصومال الإشتراكي الإيطالي ، وأنور خوجة في ألبانيا الإشتراكية بخلفيتها الإستعمارية الإيطالية.
أو تجاوُز فكرة الطبقة الحاكمة ومنطق السُلالات السياسية ، المُهيمن على الوعي الجمعي للسودانيين والعقل الميكانيكي ، الذي ورثوه عن حقبة الإستعمار.
لا يزال السُودان والعقل الجمعي السائد لبنية الوعي المهيمن التحتانية ، يعيش لحظة القرن التاسع عشر ، بل يحاول الهروب إلى الأمام دائماً ، من خلال طرح أفكار إستئناف القرن الثامن عشر (العودة إلى سنار).
وهي ذاتها سلسلة الأفكار الإنعزالية الإنهزامية , عن التجانُس العرقي كأساس للإستقرار السياسي.
أفكار الهروب من التعايش السلمي ((تحت شعارات ما بيشبهونا)) .. أفكار الإنفصال عن الواقع الهوياتي والثقافي والعمل على تبديله.
مثل فكرة تعريب الجنوب الأصلي (الذي يُمثل الكتلة الأصلية الكبرى الوثنية بنخبة مسيحية) Indigenous block ، من مُجرم الحرب إبراهيم عبود إلى رئيس الوزراء الصادق المهدي.
إلى فكرة الإنفصال عنه (على عثمان محمد طه) , فكرة الدستور الإسلامي والكُتلة الإسلامية العربية (المُتخيلة) ، فكرة جمهورية البحر والنهر (بيافرا الأخرى) , أو الهُوية الشرق إفريقية في مُواجهة الهويات الغربوإفريقية إلخ.
فقد سبق هؤلاء المُثقفين الوظيفيين القلقين على مُؤسسة الجلابة (كان البشير دائماً ما يُردد على مسامع ضيوفه أنه يخشى أن يكون آخر رئيس عربي لجمهورية السودان ، سياسي شمالي آخر يتحدث عن أنه يتحسس مسدسه حين سماعه مفردة الهوية الخ)..
قائمة المُثقفين القلقين على نظام الأبرتهايد هؤُلاء ، من حسن المُبشر وحسن مكي وفراج الطيب وإسماعيل الأزهري وكاتب جريدة الحضارة (1924) ، إلى عبدالرحمن عمسيب (2020).
سبقوا كلاً من مُنظري النازية (جماعة الحل النهائي) ، وعلم السلالات الإستعماري ، والصبي الأبيض تاردنت في بحثه عن (البديل العظيم) Great replacement.
ذلك الهروب إلى الأمام ، لا لشيء إلا لأن مُجتمع مُؤسسة الحكم المذكورة (مُجتمع الإستابلشمنت) ، وتحالُفها الحربي (من الإدارات الأهلية ومرجعيات الطرق الصوفية ورجال الأعمال) warfare fund.
الذي يُمثل في الحقيقة المجمع الحربي الصناعي الإحتكاري في جنوب وسط السُودان ، الذي أسماه للمفارقة علي عثمان طه بيلو و تبنى تسميته تلك الشيخ الطيب الجد (تحالف أهل السودان) !! ، ضد السُودانيين الآخرين (السُوداني الآخر) black otherness.
عاجز عن إستيعاب الإختلاف الثقافي العرقي وتعدُد الرموز الثقافية ، والتكيُف مع الواقع مابعد الكولونيالي وإستيعابه بسهولة ويُسر ، من خلال التمسُك بتمثُلات (المركزة) والدفاع عن التوحيد السياسي unfication.
عكس قومية الكيوكو في كينيا مثلاً والهوية السواحلية في شمال تونس (مثال للإستلاب الكولونيالي الناجح).
القومية الشمالية (صنيعة البريطانيين ، الذين لم يسمحوا في القرن العشرين لأي قومية أخرى غيرهم ، بتنظيم نفسها ، أو تمثيل القوميات سياسياً ، كما فعلوا في إتحاد نيجيريا الشمالية والجنوبية وماليزيا).
تُمثل (قومية إستلاب) كولونيالي فاشلة في وظيفتها.
بسبب عدم الإنسجام في الحدود الثقافية للمُهمة نفسها (مُهمة الوصاية المزدوجة) أو العبئ الأسود black burden في تمدين المُجتمعات المُجاورة في نفس النطاق الكولونيالي للدولة القُطرية.
مثلها مثل ، قومية الإيبو igbo في شرق نيجيريا , الأمهرا في غرب إثيوبيا إلخ.
لكنها تظل تواصل وظيفة الإستلاب عن واقعها ومُحيطها الثقافي الذي لا تنسجم معه لسبب أو لآخر ، بأشكال مُختلفة. بعد رحيل الإستعمار.
حاخام الأبارتهايد (عبدالحي يوسف) ، أو مُفتي الطبقات المُهيمنة (مُفتي طبقات الإستلاب الكولونيالي نفسها) في حي ضاحية كافوري.
الذي ينحدر من عائلات إمتهنت الوظائف المُساعدة في خدمة الإداريين الإستعماريين (مهنة الطباخين الكريمة في حد ذاتها) ، هاجرت إلى الشتات بعد خروج البريطانيين مباشرة.
ظل مُنذ عودته من مأهل الإرهاب في الخليج العربي ، في تاريخه السياسي ، ظلاً للسُلطة النيوكولونيالية ومجموعات النفوذ الأمني المتصارعة داخلها ، إستناداً إلى موقعه الطبقي الكُوربراتي داخل الرابطة التضامُنية النيلية.
يعتاش على موائدها وريع جمعية الإعاشة الكوربراتية التي توفرها رابطة (الدشرات) النهرية من الأحجار الكريمة إلى قندتو ودنقلا إلخ.
ويُبرز موهبته الذهنية المُتبلدة في إستيراد أيدلوجيا العُنف الإجتماعي الخليجي وإختراعات ثقافة البداوة النفطية السياسية.
منذ نحو أربعة عقود ، لم يملُك سجلاً واحداً في الدعوة الإسلامية أو العمل التربوي (التربية الإجتماعية).
كما هو حال المُحاسب السابق المُتفرغ للتنمية البشرية عمرو خالد ، والشيخ محمد الغزالي في مصر. الشيخ إبراهيم إنياس في السنغال ، محمد حبش في سوريا.
ولم يُؤسس أية مدرسة فقهية أو كتابية دينية (التعليم الديني).
كما هو حال الشيخ محمد الحسن الددو في موريتانيا ، فتح الله كولن في تركيا ، الشيخ كفتارو المفكر الإسلامي الشركسي جودت سعيد في سوريا.
أو عملاً خيرياً واحداً (الخدمة الإجتماعية).
كما هو حال الدُكتور عبدالرحمن السميط في الكويت والإمام موسى الصدر في جنوب لبنان والجنرال المهندس عبدالرحمن باديو في جنوب الصومال إلخ.
المُهمة الإجتماعية لأمثال العميل المزدوج للنُخبة النيوكولونيالية المُهيمنة ، المبتعث خارجياً في مُهمة كمبرادورية أمنية أو دبلوماسية شعبية (عبدالحي يوسف).
لا تختلف عن مهمة (عصام البشير) الناعمة.
أو الإعلاميين المزروعين في شبكات إمبريالية الإعلام البتروخليجي القطري والسعودي إلخ.
وفي شبكات الدبلوماسية والإعلام الأوربي في أروقة الأمم المتحدة ومنظماتها.
دفاعاً تعاونياً وتضامناً إجتماعياً منهم ، مع نظام الفصل العنصري في الداخل نظام الأبارتهايد ، وجمهورية (1956) اللاوطنية ، ونظام حكومتها العسكرية (البريتورياني) الذي يحميها preatorian regime.
كما شاهدنا سوياً إصطفافهم التطوعي ، وتحيُزاتهم الطبقية والعاطفية المَشهودة ، في حرب 15 إبريل 2023.
مُهمة الإرهابي المُتمدرس خليجياً ، الذي لفظته الحاضنة السعودية ، وتلقفته سِراعاً مُخابرات الجمهورية التركية للأسف ، ظناً منها أنه يمثل رأسمال ثقافي أو إجتماعي (لكنه رأسمال مُزيف خادع).
هي إستيراد نمُوذج التوحُش الديني العقائدي في النمط الخليجي (الإستخراجي) الخامل ، وإستدعاءه ضد خُصوم جمهورية 1956 الإجتماعيين ، المُتخيلين والحقيقيين.
من هنا جاءت فتواه الإكليركية للطاغية عمر البشير ، ضد متظاهري 19 ديسمبر 2019 ، مُستقاة من فقه السلطة والأدب المالكي بضرورة إبادة ثلثي الشعب من أجل مصلحة (الفئة الناجية) أو (المفيدة).
وجاءت فتواه الثانية في التنكيل ضد مُجتمعات (المُتعاونين) من طبقات الفقراء والمُهمشين.
(مضمون الفتوى هو ضرورة ومشروعية التفريق العنصري الطبقي بين مُجتمعات المُتعاونين ومُجتمعات الدعم السريع في المُحاكمات العسكرية الجارية بعد الحرب).
إتساقاً مع مسعى (أسرلة الهويات) وتوحُش القومية المُهيمنة الراهن ، بعد حرب الخرطوم في 15 إبريل 2023.
أي تفعيل النمط الإسرائيلي israelization model ، الذي كانت تتخذه أقلية الحُكم من القومية الشمالية ذاتها ، في الخميسينات ضد الجنوبيين.
(البحث عن جدار حديدي بتعبير جابوتنسكي يحميهم من طُوفان التغيير الديموغرافي (المُتخيَّل) ومُعدلات الولادة لدى المُهمشين).
northernwindpasserby94@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم