الانتماء الحقيقي .. بقلم: أحمد علام
20 فبراير, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
25 زيارة
تتواري الأحداث والمناسبات في طيات النسيان ، وتنجرف التصرفات الحسنة والسيئة في بوتقة الأيام ، التي تتوالي دون تردد ، ولا تترك لك سوي نفسك ، تقابلها أول مرة عارياً من كل شئ ، متخلياً عن الإبتسامات الزائفة ، العبوس المفتعل ، الخروج التام من الحماس المغرض ، الهوى المسكر معلناً التنازل عن كل مجاملة كاذبة ، رهان أعمي، قاذفاً بقوة لنوايا الشر ، خبائث الأعمال متقلباً في نسمات الفضاء ، وأمواج البحار العاتية ، راهباً في معبد يضئ شمعة وسط ظلام دامس، مستغيثاً بصرخة نداء ، وسط حريق مشتعل ، خاشعاً بعين تدور في مقلتيها باحثاً عن طوق نجاة تسكن إليه ، والنهاية لاشئ سوي نفسك.
وهنا تبدأ المواجهة مع النفس، أي شاطئ تُرسى عليه وتلتقط أنفاسك المرتبكة، وأنتي أغلي ماعندي ماذا أهديكي؟ وكل شئ ضئيل أمامك ، فلا أجد غير الحق والحقيقة لترتمي في أحضانها، فهذا هو الإنتماء الواجب المستوجب والحق المستحق ، الذي لا ريب فيه، ولن يضحي بك في أي لحظة ، فيا نفسي لا تترددي فهي فرصتك الماسية، ليعلو شأنك وسط سيل المخلوقات التي لا تنتهي، حيث أن تفويت هذه اللحظة ترديكي في ظلمات عمق المحيط ، ولن يزورك أبداً النور ، وتطوي صفحات النسيان عليكي، حيث لا يمكن |أن يعلو شأنك إلا بعلو ماتنتسبين ، فهو ردائك ، سترك، سندك ، التي تحتمين فيه من برد الأيام ، وصواعق الأحداث ، ورعد الإنس والجن، حيث التقلبات الحادة التي لا تبقي ولاتذر، سوى من كان أساسه القوة الحقيقية الثابتة التي تتجلي فى إنتمائك للحقيقة .
الإنتماء دفء المشاعر ، وشراب بارد في أشد حرارة ، ونسمة معطرة وسط دخان كثيف ، ولحظة راحة بعد عناء مميت، وذاك بعض ماتشعر به النفس التي تنتمي إلى القوة الجبارة المتمثلة فى الحق ، والحقيقة كونها لاتتغير ولا تتلون بأى لون يناسب الظروف ، بل الحق ساطع مبدد لكل ضباب ، وساكن لكل ضوضاء ، مبعثراً لها فلا يبقي إلا صوت الحق ، يصدح بكل ماهو جميل ويمتص من مصدره ، وهو الخالق ليرمى للنفس التواقة طوق النجاة ، ليشبع الرغبة الشبقية لها للحياة نفسها ، وهي الحق مستنيرة بضياءه ، فتطمئن للخطوة القادمة ، والفكرة التي تسعي إليها ، بأنها ستجد البوتقة التي تربيها ، وتنمو فيها لتصب في صولجان القصر في خدمة الملك ، وسط الترانيم والتسابيح العلوية السابحة في أضواء الحق ، محتفية بجماله وروعته ودهشة الناظرين.
من أطهر الانتماءات ، للنفس المشتقة من الإنتماء للحق والحقيقة ، هي إنتماء الإنسان لخالقه ومصوره ، وذاك أعلي صور الإنتماء، حيث يعود الإنسان لأصله الحقيقي ، أنه مخلوق تنصب كل مشاعره لمن أوجده ، وبالتالي يتفرع منها كل إنتماء حقيقي لوالديه، أهله، طنه، شرفه، مبادائه، فطرته النقية، القيم الإنسانية الرفيعة، كلمة الحق، الفضائل السلوكية النبيلة، الأدب، إحترام النفس، الصدق مع النفس، الوفاء بالعهود، إغاثة الملهوف، تفريج كروب الإنسان والحيوان، الذوق الرفيع، الدفاع عن الوطن، البناء، الإصلاح، النظافة، دعوة الغيرللخير، جبر خواطر الناس، النظام، التسامح والعفو عن الناس، إكرام الضيف، الجمال، الإحسان إلي الجار، الحرص علي العلم، إعمال الذهن، الإنتصار للمظلوم، الأمانة في الكلمة والعمل، الإنصياع التام لكلمة الله، إعلاء لكل القيم الحضارية، الحرص علي الإضافة للبشرية، التيسير علي الناس، مساعدة المحتاجين، إسعاد الناس وإدخال السرور عليهم، حب الخير، الدفاع عن الشرف، ترك بصمة طيبة بعد الموت، تربية الأبناء علي الانتماء للحق وحب للحقيقة فذاك هو الإنتماء الحقيقي.
a.allam@ahmedallam.net