زين العابدين صالح عبد الرحمن
الملاحظة الدائمة للمرء في تتبعه للفرق بين مفهومي الوعي و الواقع، يجد إن بعض القوى السياسية تعلو من شأن الوعي و تغيب الواقع، و كما أشار الفيلسوف كارل بوبر في مقولة قال فيها (عندما كنت ماركسيا وجدت أن الماركسية لا تجعل المرء يفكر في الواقع لكي يحدث فيه التغيير، أنما تجعل مقولة ” المساواة و العدالة” هي الرمزية الأعلى مع جهل للتغييرات التي تحدث في الواقع، فيتم الانفصام عن الواقع) و معلوم أية باحث إذا كان في العلوم التجريبية أو الاجتماعية تجد أن دافع إبحاثه هي الظواهر التي تبرز في المجتمع أو في الطبيعة، و تتبعها، و من ثم وضع أفتراضاته العلمية امأخوذة من حركته في الواقع.. لذلك نجد أن التغييرات المستمرة التي تحدث في الواقع في حالتي السلم و الحروب، تؤدي إلي أحداث نقلة نوعية في الوعي عند البعض تجعلهم يقدموا أفكارا تساعد على إيجاد الحلول للمشاكل و الأزمات. و إلبحث عن أقرب الطرق إلتي تؤدي إلي نهضة المجتمع..
بدأت الآن؛ تظهر أفكار عديدة في المجتمع تبحث عن حلول للمشكلات التي تواجه المجتمع، و الوطن بشكل عام.. كنت قد كتبت قبل أيام عن المجموعة التي بدأت تفتح ملف القصور الذي يواجه توليد الطاقة في البلاد و توزيعها أي ” الكهرباء” و المجموعة عندما طرحت المشكلة طرحتها من خلال سؤال مهم ” هل المجتمع بكل تفرعاته قادر على المساعدة في حل مشكلة الكهرباء في البلاد؟” و معرفة أن الطاقة تعتبر العمود الفقري لعمليات النهضة الصناعية و الزراعية و التعليم و الصحة و الصناعات و الأعمال اليدوية و حركة النقل و غيرها.. بدأت المجموعة بنفر قليل في ” قروب تمت تسميته ” حل مشكلة الكهرباء في السودان” و توسع القروب في أيام معدودة أصبح يضم ألف عضوا.. و الملاحظة إن القروب استقطب عددا كبيرا من أهل المهنة، و القيادات التي كانت تعمل في مشروعة الطاقة الكهربائية، و قيادات هندسية في الكهرباء، و كل هؤلاء يغطوا المسألة العلمية المختصة بالمشاريع، و عن طاقة المتولدة من الرياح أو المصبات المائية أو الطاقة الشمسية و الطاقة الحرارية و حتى النووية.. أرخص هذه الطاقات التي يمكن أن تشيد بدعم مجتمعي.. هذه هي الأفكار التي تنهض بالبلاد و هي التي تنقل العقل السوداني من الأفكار السالبة إلي الإيجابية، و التي تؤسس على الفعل و ليس الشعارات الزائفة..
الفكرة الثانية التي تؤكد أن شباب السودان قادر على إنتاج الأفكار بديلا عن الشعارات الزائفة.. كان قد طرحها فكرا و عملا طالب في جامعة الخرطوم يسمى “مجتبى رزق” عندما أطلق مقولة ” أن نجعل الخرطوم خضراء” هي فكرة تقوم على الاهتمام بمظهر العاصمة” التف حول الفكرة عددا كبيرا من الشباب و أطلقوا الفكرة بعنوان ” مكان كل قذيفة نزرع شجرة” و توسعت دائرة الشباب من الخرطوم و بحري و أم درمان و أضيف لعملهم ” نظافة العاصمة و الاهتمام بخضرتها” و تجاوبت معهم ولاية الخرطوم، و سهلت لهم عملية الترحيل.. إذا كان العمل في بحري يتم ترحل شباب الخرطوم و أمدرمان إلي بحري و الكل يعملوا على نظافة المنطقة، و الاهتمام بزرع الأشجار.. الفكرة أصبحت مدعومة بالفعل، هذا العمل المشترك للشباب القادم من مناطق العاصمة المثلثة هو الذي يقوي الروابط بين الشباب، و يجعلهم في حالة من الإبداع، و العصف الذهني، لآن الأفكار عندما ترتبط بالتنفيذ العملي سوف تخلق الفضاء الواسع للخيال الذي يستطيع أن ينتج الأفكار التي سوف تحدث التغيير في الواقع.. و علمت من بعض هؤلاء الشاب إنهم لن يقفوا في حدود النظافة و التشجير، أنما هناك أفكار عديدة بدأت تتخلق من خلال الحوارات المفتوحة بين هؤلاء الشباب..
عندما تم تحرير ولايات الجزيرة و سنار و بعض مناطق النيل الأبيض، لم ينتظر شبابها أجهزة الدولة الولائية و المحليات، و كانت المناطق تعاني من عدم الكهرباء و التي بدورها أثرت على إمدادات المياه. بدأ الشباب في تقديم الأفكار في عدد من المناطق، و حصروا بناء المناطق في المهاجر، و أرسلوا إليهم بأنهم بصدد تركيب لوائح للطاقة الشمسية لخدمة المياه و إنارة مناطق الخدمات، وقد تجاوب معهم رفاقهم في المهاجر، و استطاعوا أن يحلوا هذه المشكلة بدلا عن الجلوس و ترديد الشكاوي.. الآن هناك فكرة شبابية في عدد من المناطق بهدف تأهيل المدارس بصورة تجعلها تهيء مناخا طيبا للتحصيل العلمي.. أن يحصر كل حي أسماء أبنائه في المهاجر، و يسألهم المساعدة و التبرع من أجل نجاح المشروع و ” هناك أكثر من 8 مليون سوداني في المهاجر قادرين على التبرع كل على حسب طاقته المادية” بهدف نجاح المشروع و خلق بيئة طيبة لأساس التعليم..
أن أبناء السودان في كل مكان في العالم لا يبخلون بدعم المشاريع التنموية و أن يجعلوا ” الوطن أولا” و لكن المسألة مرتبطة بكيفية الحفاظ على النزاهة و الشفافية، و عدم إشراك ضعفاء النفوس و أصحاب المصالح الخاصة.. إن مشكلة السودان الأساسية ليست في قلة ثرواته أو العقول القادرة على تقديم أفكار النهضة، لكن الخوف دائما ينتج من أهل المحسوبية و تقديم آهل الولاء على أهل الخبرة و العلم، و أيضا الذين يجعلون من هذه المشاريع غنائم لهم.. مشكلة السودان أنتشار الفساد، و دائما يكون ناتج من الطبقة العليا.. إذا تم إصلاح الطبقة العليا الحاكمة للدولة، و عملت على محاربة الفساد و الرشاوي، و عدم تقديم آهل الولاء و المحسوبية و الأسرية و الشللية، سوف تكون هذه أول بادرة بهدف الانطلاق من اجل التنمية.. و المسألة تحتاج أيضا لإصلاح في المؤسسات العدلية.. و إصدار قوانين رادعة ضد الفاسدين و المستغلين للمال العام.. إن محاربة الفساد و رموزه سوف يجعل البلاد تنطلق في مشاريع النهضة بصورة كبيرة، و إذا غضت القيادة العليا الطرف عن المفسدين و مستغلي المال العام في الدولة، سوف لن تكون هذه الحرب آخر الحروب.. و لن تتوقف المؤامرات ضد الدولة من الأجانب و من أبناء البلد.. لآن الفساد بكل مكوناته و الرغائب الشخصية خاصة عند النخب السياسية أصبحت ثقافة البعض يتفاخر بها باعتبارها نوع من الذكاء الخارق في جلب المنافع الحرام.. نسأل الله حسن البصيرة..
zainsalih@hotmail.com
