إن فوكس
نجيب عبدالرحيم
najeebwm@hotmail.com
دخل السودان عامه الرابع من الحرب، ولا يزال الفريق أول عبد الفتاح البرهان يكرر نفس المواقف التي لا تقدم جديداً على أرض الواقع. فالبلاد تعيش أوضاعاً مأساوية: موت ودمار، وانعدام أبسط مقومات الحياة، وتفشي المليشيات المسلحة، وغياب العدالة والأمن والأمان، بغض النظر عن هوية المرتكبين، سواء كانوا من طرفي النزاع أم من غيرهم.
يطالب السودانيون في الداخل والخارج، بمن فيهم البسطاء والفلول الذين يقتاتون على استمرار الحرب العبثية، بإطلاق حوار سياسي شامل يجمع كل المكونات السودانية، بهدف التوصل إلى توافق وطني حول مستقبل البلاد.
غير أن البرهان يتبنى مواقف متناقضة من جهة، يرفض نتائج مؤتمرات الحوار التي تعقد خارج السودان، ويؤكد أن الجيش هو صمام الأمان وضمان وحدة البلاد واستقرارها، ويتعهد بمواصلة تطهير كل ربوع السودان من التمرد. ومن جهة أخرى، يضع شروطاً تعجيزية تُفقد الحوار معناه لا تفاوض ولا سلام مع قوات الدعم السريع ولن ندعو أي قوى وطنية تلطخت أياديها بدماء الشعب السوداني .
لكن هذا المنطق يثير تساؤلات مشروعة. فإذا كانت المعيارية هي التلطخ بالدماء، فلماذا لم يُستثنَ من المؤتمر قادة الدعم السريع، أمثال نور القية والسافنا وغيرهم، الذين وصفهم البرهان بالتمرد، وشاركوا مع قوات الدعم السريع في المعارك منذ بداية الحرب، وهم الآن موجودون بكامل زيهم العسكري وأدواتهم القتالية؟
وهل يعقل أن تحالف صمود المدنيين الذين تلطخت أيديهم بالدماء وهم لا يملكون سلاحاً، بينما يُستثنى من يحمل البندقية ويقاتل؟
البلاد تعيش اليوم حالة من الفوضى والشرذمة، وغياب السلطة المركزية الموحدة. وقد تفاقمت هذه الأزمة بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب، إذ أدى تعدد الأطراف إلى انقسام السودان جغرافياً وسياسياً وعسكرياً. فقوات الدعم السريع تسيطر على إقليم دارفور وجزء من كردفان، وتشكل نقطة تواصل حيوية للمنظمات الإغاثية والحكومة في الخرطوم وبورتسودان.
تاريخياً، يتطلب إيقاف الحروب تقديم تنازلات متبادلة. لكن في السودان، يضع كل طرف شروطاً تعجيزية يراها الطرف الآخر مستحيلة التنفيذ. والنتيجة أن وطناً يتشظى بأمجاد البندقية، لم تستطع هذه البندقية أن تحسم الصراع. وبدلاً من ذلك، يدفع المدنيون فاتورة المعاناة الإنسانية انقطاع الماء والكهرباء، ونقص الموارد، وغياب الخدمات الأساسية، وانعدام الأمن.
الحوار الانتقائي الذي يقتصر على أطراف محددة ويستثني قضايا جوهرية، ليس حلاً بل بذرة انقسام جديدة. إنه يجهض أي إمكانية للحلول المستدامة، ويخلق حالة من التناحر بين المكونات السياسية، ويحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع مدمر، بدلاً من أن يكون أداة للبناء والتفاهم.
في الظلال التي تلف السودان اليوم تبقى ثورة ديسمبر شاهدة على أن إرادة الشعوب أقوى من دخان المعارك وعلى قادة الإقليم أن يدركوا أن استقرار السودان ليس هدية يقدمونها لجارهم بل هو درع يحمون به أنفسهم من عواصف الفوضى التي لا تعرف الحدود.
لا للحرب… لا وألف لا لا .. نعم للسلام… لا لتقسيم السودان .. المجد والخلود للشهداء.
ولك الله يا وطني… فغداً، رغم كل شيء، ستشرق شمسك.
najeebwm@hotmail.com
