د. أسامة خليفة محمد
أكاديمي وأستاذ جامعي
abuduaa74@gmail.com
كسودانيين، في نقاشاتنا الودية او عبر اللقاءات (الإسفيرية) التي تنظمها مجموعات (الواتساب) المتخصصة، كثيراً ما تطرح أفكاراً ومبادرات علها تسهم في إعادة إعمار وطننا المنهك بفعل الحروب. وكانت رؤيتي الدائمة التي اطرحها هي أن نأتي بمبادرات وأفكار يستند فيها كل منا إلى مجال تخصصه؛ الأطباء في قطاع الصحة، والمهندسون في التخطيط وتأهيل البنى التحتية، والزراعيون في النهضة الزراعية، والتربويون في تطوير التعليم.. كلٌّ في حدود تخصصه وخبراته. ومن هذا المنطلق، تتنزل هذه الرؤية حول إعادة صياغة أحد أهم الملفات الشبابية في البلاد، ألا وهو ملف الخدمة الوطنية أو التجنيد الإجباري للطلاب والخريجين.
لقد ارتبط مفهوم الخدمة العسكرية الإلزامية في السودان بمحطات مفصلية من تاريخ البلاد السياسي والعسكري؛ فمنذ المحاولات الأولى لتنظيم التجنيد عقب استقلال البلاد عام 1956م، ظل المفهوم يتأرجح بين الواجب الدفاعي والتعبئة الوطنية المؤقتة. في اعتقادي أن التحول الجوهري والأعنف في نظام الخدمة الوطنية جاء بعد استيلاء نظام (الإنقاذ) على السلطة عقب انقلاب 30 يونيو 1989م؛ ففي أغسطس من عام 1992م، وقّع الرئيس المخلوع عمر البشير قانوناً للخدمة الوطنية استهدف الشباب بين سن 18 و33 عاماً، وللأسف جرى تفعيل القانون بأسلوب “التعبئة الجهادية” لتغذية جبهات القتال التي تصاعدت بمجيء نظام (الانقاذ)، خصوصاً في جنوب السودان قبل انفصاله في 9 يوليو 2011.
طوال ثلاثة عقود من حكم (الإنقاذ)، تحولت الخدمة الوطنية من مجرد واجب عسكري إلى أداة ضغط سياسي واجتماعي؛ حيث رُبطت بشكل معقد بالحياة المدنية خاصة لشريحة الطلاب، وأصبح أداء الخدمة الوطنية شرطا أساسيا للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي، كما أصبح “خلو الطرف” أو إذن الخدمة الوطنية شرطا إلزاميا لا يمكن بدونه توثيق الشهادات الجامعية، أو الحصول على وظيفة، أو استخراج جواز سفر. وقد اعتمد النظام وقتها على حملات التوقيف العشوائي في الطرقات أو ما يُعرف لدى السودانيين بـ (الكشة) لإجبار الشباب على الالتحاق معسكرات التجنيد الإجباري. ومع انتهاء تلك الحقبة المظلمة في تاريخ السودان السياسي وسقوط نظام البشير بفعل ثورة ديسمبر المجيدة، ألغت حكومة الثورة التعقيدات المقيدة للشهادات الجامعية، وبذلك تنفس الوطن الصعداء وخصوصا الطلاب بوصفهم الشريحة الأكثر تضررا بسياسيات النظام البائد.
واليوم، ومع دخول السودان مرحلة التعافي والتعمير في مرحلة ما بعد الحرب، تبرز الحاجة الملحة للاستفادة القصوى من طاقات الشباب، ولكن يجب أن تكون برؤية تنموية مدنية مغايرة تماماً للإرث التاريخي المعهود؛ رؤية تحول مفهوم “الخدمة الوطنية” من نظام عسكري بحت إلى نشاط مدني يقود مسيرة إعادة البناء والتعمير في سودان ما بعد الحرب. ويمكن ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس عبر أفكار مبتكرة تلائم تحديات مرحلة إعادة التعمير.
تقوم هذه الرؤية على دمج البُعد المدني وإعادة الإعمار في صلب الخدمة الوطنية، بدلاً من حصرها في الأنماط العسكرية التقليدية، حيث يتيح هذا النظام لمجند الخدمة الوطنية خيار اداء جزء من الخدمة العسكرية بخدمة مجتمعية، وذلك من خلال تخصيص الشهور الأخيرة من فترة الخدمة الوطنية للمشاريع البيئية؛ حيث يُقسَّم المجندون إلى فرق حسب الموقع الجغرافي، للمساهمة في حملات إزالة الأنقاض، ونظافة الشوارع الرئيسية في المدن التي تعاني من تكدس مخلفات الحرب. كما يمكن الاستفادة من تخصصات المجندين الأكاديمية -مثل الهندسة والفنون- لتأهيل المباني التي تضررت من الحرب ورسم جداريات فنية تزين الحوائط المطلة على الشوارع الرئيسية، وبذلك تتحول آثار الدمار إلى نماذج جمالية بتكلفة صفرية.
وخلاصة القول، إن هذه الفكرة تقوم على الاستفادة من نظام الخدمة الوطنية في بعض الاعمال المدنية؛ إذ يتيح للمجند أداء شقه المدني في الحي الذي يقطن فيه، ليقوم بعمله الميداني بالتعاون والتنسيق مع لجان الأحياء والمحليات في حملات النظافة الأسبوعية، والتشجير، والتوعية البيئية والصحية بين سكان الحي. كما يساهم هذا البرنامج في تقليل تكاليف اعداد معسكرات التدريب للخدمة الوطنية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة بعد الحرب. إن فكرة إعادة صياغة مفهوم الخدمة الوطنية في سودان ما بعد الحرب ليكون “تنموياً، أخضر ومستداماً” ليس من باب التنظير والتفلسف، بل هو خطوة ضرورية لخلق مفهوم جديد للخدمة الوطنية يساهم في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
