بهدوووء
في المقابر تتساوى النهايات الدنيوية.. طريق الشنقيطي إلى قبر الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الدنيا طيلة عمره الطويل العريض يأخذ مساراً متعرجاً يشبه مسار الشيخ الترابي في رحلته في شعاب الفكر ودهاليز السياسة .. قبر عادي لا يحمل حتى لافتة تشير إلى الاسم ولا تاريخ الوفاة .. ربما كانت تلك مفاجأة لم يتوقعها الدكتور محمد مختار الشنقيطي الذي كان يصر على زيارة الضريح منذ لحظة وصوله مطار الخرطوم .. هناك سكب الشنقيطي دمعاً ثخيناً على شيخه كأنه يلومنا على تفريطنا في رجل في مقام الدكتورحسن الترابي الذي خطفه الموت والقلم بين يديه.
محمد بن المختار الشنقيطي باحث وشاعر ومحلل سياسي من موريتانيا. مهتم بالفقه السياسي، والتاريخ السياسي، والعلاقات بين العالم الإسلامي والغرب. يعمل الآن باحثا بكلية قطر للدراسات الإسلامية في الدوحة. صاحب ومؤلف كتاب (آراء الترابي : من غير تكفير ولا تشهير). الشنقيطي أعاد بقلب المحب تقديم الشيخ الترابي ليس للأباعد والأعاجم إنما لعشيرته الأقربين من أهل السودان ..عبر امتلاكه ناصية اللغة وإلمامه بالفقه استطاع الشنقيطي أن يرد كل اجتهادات الترابي لأصولها في التراث الإسلامي.. فعل ذلك في إمامة المرأة وقتل المرتد وإلى حد كبير في جواز زواج المسلمة من كتابي.. فعل كل ذلك دون أن ينتقص من قدرات الشيخ الترابي في الابتكار والتجديد.. بل أوجد الرجل تبريراً لنزع الترابي لبعض الاجتهادات من جذورها السلفية بكون أن الشيخ أراد أن يرسي منهجاً جديداً لا يشترط فيه سقف السلف السابق لكل اجتهاد لاحق وتجديد مستحق.
في تقديري أن مختار الشنقيطي يرمز لمرحلة جديدة يمكن أن تسمى بالترابية .. سينصف العالم الإسلامي الترابي ولو بعد حين.. كما كان هنالك بن تيمية وحسن البنّا وسيد قطب ستكون الترابية مدرسة في الفكر والسياسة.. هذا الرجل كتب نحو ثلاثة كتب وبعض من المقالات عن الحركة الإسلامية في السودان دون أن يلتقي أياً من رموزها.. استطاع الشنقيطي أن يلفت النظر إلى فكر الترابي المتقدم ويجد تبريراً لبعض أخطائه السياسية.. الإقرار بسبق الترابي وأثره الباقي كان يحتاج إلى شهادة رجل فذ في مقام الشاب الشنقيطي ..كما أفلح المصري رجاء النقاش في تسليط الضوء على مهارة الطيب صالح الأدبية سينجح مختار الشنقيطي في إعادة الاعتبار لشيخ مجيد ومجدّد اختلف حوله السودانيون، ولكن حتماً سينصفه التاريخ حينما يتسامى الرواة عن الصغائر .
اشتهر الدكتور حسن الترابي الذي بنبوغه وبراعته في الفكر لكنه كان انتهازيا للفرص في الممارسة السياسية حتى عندما تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها بفكره كما قال محمد مختار الشنقيطي في كتابه مثلا، وسارت و راجت عند أغلبية المشتغلين بالسياسة في داخل السودان وخارجه مقولة جون إسبوسيتو عالم الأديان الأمريكي الإيطالي (الترابي أعظم مفكر ولكنه أسوأ سياسي). كون الترابي هو القائد الفكري والسياسي لحركة الإسلام في السودان والأب الروحي لها بلا منازع ليس ذلك لأنه هو من جاء بها فهو لم يفعل ذلك فقد سبقه في ذلك المشروع الإسلامي الذي كان فرعاً لحركة الاخوان المصرية ولكنه قائدها لكونه قد جعل من تلك الصحوة فعل ديني (حركي) بعيد عن مشاغل اللاهوت الكلاسيكي وبعيد عن الجمود التاريخي . ولكونه قد عمل قطيعة مع النموذج المركزي لحركة الاخوان في مصر وخلق نموذج لحركة إسلامية (سودانية) تعمل على كسب ديني في التجديد ومحلي يتكيف مع واقع البلاد وتراثها وظروفها ولكنه متلازم مع كل كسوب حركات التجديد الإسلامي . فقد جاءت الحركة الإسلامية بجهد هذا الرجل حركة (سودانية) في البدء ، فالترابي لا ينقل لنا مشاريع الإصلاح من الشمال وأثاره نقلاً بل يطورها تطويراً ، ويُحدث اثره فيه . أعتقد أن حق التقدير لشخص مثله لا يتأتى إلا حينما ننظر إليه هذه النظرة الإنسانية ،وحق التقدير له يكون في تتبع سيرته لتجد أن تميز الرجل يتلخص في معنى (المراجعة والعبرة منها) وهي التي أورثته الحكمة في القول والفعل، فنجد الترابي في شبابه مثقف تدفعهُ الروح المتقدة الجريئة ونجد هذه الروح ما انفكت عنه حتى لحظة وفاته وقد اكتستها الحكمة بعد ذلك فهو سياسي مُبادر ومصلح حركي بإمتياز. ربما لم يبلغ أحد من المصلحين المعاصرين ما بلغه الشيخ الترابي سواء من حيث القبول المطلق لجميع آراءه ومواقفه أو التنفير والرفض والتكفير العبثي له ، وكلاهما يمثل موقف رتيب وكسول من كسب الرجل وأثره في الفكر الإسلامي وفي الواقع السوداني.
أعتقد أن أفضل تعريف يمكن أن نصفه به هو الترابي المُوحِد كما يُعرّف هو ذاته عبر مشروعه الفكري وكسبه الفعلي ، فالتوحيد عنده هو ليس معنى كلامياً وتجريد عَقدي فقط وإنما معنى حيوي يربط بين الإيمان وترجمته وأثره في حياة الأفراد وفي الحياة العامة معاً .من هذا التعريف الشمولي لمعنى التوحيد يمكننا أن نستوعب المشروع الفكري للرجل بل نستطيع من خلاله أن نتعرف على شخصه ونقدر على تقييم كسبه ، فالكلام عن سيرة الرجل ومشروعه الفكري إنما يدور في بادئ الأمر حول معرفة المنطلقات التي يقوم منها وانك سترى حينها أن الترابي العارف بالله هو أهم مافي تكوين الرجل وأهم مُحركاته بعيداً عن الجدل السياسي الرخيص والفكري الفطير حول آراءه ومواقفه.الترابي ارتبط الفكر بالممارسة السياسية عبر المفهوم المركزي الذي اشتغل عليه وهو مفهوم التوحيد وهو يسير عكس ما خطه ماكس فيبر في مفهوم النمو المتمايز للمجالات الفكري الديني عن السياسي وتكاد تكون مسلمة في الفكر السياسي وهو مفهوم فصل الدين عن الدولة .وكما انتقد الشيخ الترابي الدولة الحديثة التي وفدت الينا من الغرب وقال باننا نتبع فكر السياسة الغربية بتاع القرن 18 كما كل الثورات الفرنسية والبربطانية والامريكية .انتقد الدولة في التقاضي واعتبره مصمم للاغنياء لامتلاكهم المال وكذلك السجن له فيه راي بانه يتعدى المجرم الى اسرته .كما صك مصطلح الشعب المؤمن مصدر السلطات وركز على منح المجتمعات سلطة اكبر وهو ما ميز تاريخ المسلمين. كان يقوم بالافتاء الفقهاء والمجتمع التكافلي بالصدقات . وركز على مفهوم الحريات واعتبر الشورى والديمقراطيه كليهما يهدف الى تمكين عامة الناس من ادارة شؤون. انفسهم. . منصور خالد اعتبر شيخ حسن ليبرالي في السياسه وان كان التعبير غير دقيق ولكنه اقرب وصف للشيخ الترابي في تبنيه مفهوم الحرية. واعتبره شرط للايمان بالله تعالى.
قال الشنقيطيى:( الحركة الإسلامية السودانية قدمت أفضل نماذج التنظيم الحركي والاجتماعي والسياسي في الفترة من ١٩٦٤ إلى ١٩٨٩ ولكنها قدمت أسوأ نموذج حكم إسلامي ). لقد استوقفتني العبارة ومعها عبارات أخرى من مثل التي وردت في كتابات كثيرين تناولوا الموضوع، و عجبت كيف استطاع الشنقيطي محمد مختار الفصل بين سيرة الحركة التنظيمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية قبل يونيو ١٩٨٩ وسيرتها بعد تسلمها السلطة ؟؟
كيف كانت المسيرة الأولى نجاح لم يسبقها إليه مجموع آخر حركي إسلامي حديث حسب الشنقيطي ، وكانت المسيرة الأخرى فشلا لا سابق له في تجارب الحكم الإسلامي ؟؟ ومثلما ثار الجدل حول الجديد الذي قدمته الحركة الإسلامية السودانية مثلا تجاه علوم القرآن أو فقه السلطة في المكتوب النظري ، مفهوم عندي هذا الجدل حول فرادة تجربة الحركة الإسلامية السودانية في السلطة ، ولكن هذا المفهوم لا يستقيم وإقرار ناقد مثل الشنقيطي مثلا في مقامات أخرى بما قدمته الحركة الإسلامية السودانية من عطاء في تثبيت وجود هكذا حركات في هذا العالم إلى كل الإسلاميين في العالمين العربي والإسلامي..!!
ولا يستقيم فهم الإقرار انها قدمت النموذج الناجح على مستوى مسيرة طويلة ثقافيا وسياسيا وفكريا واجتماعيا قبل يونيو ١٩٨٩ ، الا عند النظر إلى هذا الفصل الغريب بين السياسة والحكم عند الشنقيطي وآخرين. هل قاس تجربة حكم الإسلاميين السودانيين إلى نظيراتها في العصر الحديث كما فعل مع تجربتهم التنظيمية المتكاملة قبل يونيو ١٩٨٩ ، أم أنه قاس تجربة السلطة في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحالي إلى الخلافة الراشدة وأعلن من ثم خيانة الإسلاميين السودانيين المبدأ في تجربة السلطة ؟؟، ما هي المبادئ والصور الراشدة والنموذجية التي يطلبها الشنقيطي من تجربة السلطة في العصر الحالي من حركة إسلامية ؟
لقد خاضت السلطة التي أسسها الإسلاميين في السودان بعد يونيو ١٩٨٩ في وحل السياسة الداخلي والخارجي كما هو ، لم تتخيل المستنقع انه بحيرة هادئة ، ولا هي سبحت في البحيرة الهادئة في غفلة عن المترصدين ، ولم تكن حين أخطأت بدعا من نماذج السلطة في السودان وأفريقيا والعالم العربي بعد جلاء الاحتلال الأوربي ، ولم تكن حين فشلت في بعض مناحي التنمية مجرما دمر ما كان قبله من هذه التنمية ، ولا حتى كانت حين مارست شيئا من الاستبداد في قهر المحكومين و شيئا من الفساد في إدارة موارد الدولة والعلاقات مع الشعب بدعة عن تجارب السلطة في التاريخ الإنساني عامة أو المنسوب إلى الإسلام خاصة أو المشاهد في العصر حولها.
كان انقلاب الإنقاذ عام ١٩٨٩ آخر تجسيد لمنهج الفاعلية على حساب المبدئية الذي انتهجه الترابي في قيادة الحركة الإسلامية في السودان، إذ لم يكن الانقلاب ضد سلطة عسكرية مستبدة، مثل سلطة الجنرال عبّود أو المشير النميري -وإلا لما كان في الأمر التباس أخلاقي- وإنما كان ضد سلطة شرعية منتخَبة، مهما أُخذ على ضعف أدائها، فلا أحد يشك في شرعية بنائها.
وهكذا وقع أكبر منظر إسلامي للديمقراطية وأقوى مناضل ضد الأحكام العسكرية التي تعاقبت على السودان في مفارقة أخلاقية، حين قاد انقلابا عسكريا على سلطة شرعية ديمقراطية، فانتقمت المبادئ لنفسها، وتحول ذلك الاختراق العظيم لجهاز الدولة الذي نجح فيه الترابي، وفشل فيه غيره من القادة الإسلاميين في الدول العربية إلى أكبر كارثة على حركة التغيير التي بشر بها، وربَّى عليها أجيالا من الإسلاميين داخل السودان وخارجه.
كانت خطة الترابي ( بحسب الشنقيطي)إخراج انقلابه بواجهة وطنية لا إسلامية، ثم التدرج خلال ثلاثة أعوام من (التأمين) إلى مرحلة (التمكين) التي تذوب فيها الحركة في الدولة، وتكشف عن وجهها الإسلامي سافرا، بما في ذلك تسليم العسكريين السلطة للمدنيين، ثم الرجوع التدريجي إلى الحكم الديمقراطي. لكن مرحلة (التأمين) تحولت إلى (تأمين وإعادة تأمين)، واستحالت الحركة الإسلامية إلى أداة قمع في يد سلطة عسكرية مستبدة، لا رؤية لها وراء البقاء في السلطة والتشبث بالكرسي، فانتحر المشروع الإسلامي على أعتاب الحكم العسكري. ثم انشق صف الحركة، وانفصل رأسها عن جسدها، ففقدت الحركة – بفقدان الترابي- عقلا متألقا، ومخططا إستراتيجيا لا يُشق له غبار، وتحولت إلى فلسفة الحكم من أجل الحكم دون رؤية أخلاقية أو مشروع فكري. وفقد الترابي القوة الاجتماعية التي حملت فكره وجعلت منه زعيما سياسيا، ودفع ثمنا فادحا من السجن والتشهير على أيدي مريديه الذين كان ملء أسماعهم وأبصارهم قبل ذلك.
الخلاصة بصراحة.. مطلوب الآن من كل السودانيين إعادة قراءة الشيخ حسن الترابي بعيدًا عن حساسيات السياسة، والأمر يستحق العناء كما يقول البعض ، وقد يوفقنا الله إلى التوقف عند التجربة وقراءتها بروية و تأني لو صلح أمر الحياة قليلا في السودان .
مأساةٌ اسمها الغربة .. انتقاص الروح من أطرافها و سجونٍ قضبانها الوحشة ..
قال الجاحظ في رسائله: (إذا أسنّ القرشي رحل إلى الحجاز، وما فكر فيلسوف قط إلا رأى الغربة أجمع لهمه وأجود لخواطره). وقال في موضع آخر: (قسّم الله تعالى المصالح بين المقام والظّعن، وبين الغربة وإلف الوطن، وبين ما هو أربح وأرفع، حين جعل مجاري الأرزاق مع الحركة والطّلب، وأكثر ذلك ما كان مع طول الاغتراب.
ولئن رأى البلغاء والفصحاء الاغتراب جمعًا للهم وصفاءً للفكر، وسعةً في الرزق، إلا أن الخبر ليس كالمعاينة، وليس الحديث عن فوائد الاغتراب كمعايشة آلامه ومشاقّه، فما من شيء أشد على نفس الإنسان من مفارقة الأوطان، ولقد حملت إلينا الآثار ذلك الوداع النبوي لمكة مسقط الرأس ومهد البدايات: (ما أطيبَكِ من بلَدٍ وأحبَّكِ إلَيَّ، ولولا أنَّ قومِي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ).
وعن هذا الحب الفطري للتراب قيل لأعرابيّ: أتشتاق إلى وطنك؟ قال: كيف لا أشتاق إلى رملةٍ كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها؟ ولذا لا غبار على تسمية الغربة بالكربة، وابن عبد ربه صاحب (العقد الفريد) يفيدنا بأن الغراب الذي تشاءمت منه العرب قد اشتق اسمه من الغربة، بينما يرى الصفدي وغيره أنهم اشتقوا منه الغربة والاغتراب، وفي الرأيين إقرار بنبذ الغربة عن الأوطان، خاصة إذا استتبعها فراق للأهل والخلّان والأولاد، فعندئذ تفحش آثار الغربة وتنال من روح المغترب، ولا نجد في عدول بدر شاكر السياب عن الهجرة إلى لبنان والبحث عن عمل، إلا انزعاجا من الغربة ووحشتها وحيلولتها دون تطويق فلذات الأكباد بجناحي العناية والكلاءة، فاستقر في بلده، رغم حصوله على راتب أقل، والسبب كما صرح هو في رسائله إلى أدونيس: (أن يترك الإنسان عملا ويمضي إلى بلد آخر ليبحث عن عمل فذلك ما تمنعني أبوتي ومسؤوليتي تجاه طفلي من القيام به). ما أكثر النائين عن الديار اضطرارا، يفرون من قتل مباشر إلى انتقاص الروح من أطرافها، ومن سجونٍ قضبانها الحديد إلى سجونٍ قضبانها الوحشة. ما أشد صرخة الوليد في المنفى، تولد معاناته، فبعد عقد من الزمن سوف يكون بلا وطن، فلا هو موصول بأرض المولد، ولا هو مُغرم بأرض الجذور. ربما تحوّل الرياح ترابَ أرض إلى أرض، لكنها لا تحمل معها رسائل المعذبين في أرض المنفى، يحسبهم الجاهل من أهل النعيم والسلامة، لكن الشاعر له رأي آخر:
إن الغريب ولو يكون ببلدة … يُجبى إليه خراجها لغريبُ
وأقل ما يلقى الغريب من الأذى … أن يستذل وأن يقال كذوب
وآخر يدرك حقيقة الاغتراب فيرثي أهله:
إن الغريب إذا ينادي موجعاً … عند الشدائد كان غير مجاب
فإذا نظرت إلى الغريب فكن له … مترحماً لتباعد الأحباب
حقيقة يدركها المستبدون: أن التشريد والنفي خارج الأوطان أنكى من أي عقاب، وقديما أطلق أسلافهم لأنبياء الله التهديد، إما التخلي عن الرسالة أو التخلي عن الأرض ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا». واليوم يسلك المستبدون المسلك ذاته، إما أن تُسبّحَ بحمدهم وتُطربَ أسماعهم بتراتيل النفاق، وإما أن ترحل في جنح الظلام، حتى لا تحجز لك مكانا وراء الشمس. كان لهم وطن، تثقل فيه أقدامهم عن التفكير في الاغتراب، وكم من مرة استجابوا فيها لنصيحة الجد الأشيب، في المقام على أرض الآباء ومسقط الرؤوس وأرض الذكريات، يُبغّض إليهم ترك الأوطان، وكأنك بعبد الله بن جعفر إذ كان ينهى معلم أولاده عن رواية أشعار عروة بن الورد، الذي كان كثير الاغتراب والارتحال، ويعلل ذلك بقوله: (هي تدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم). لكنهم بين العشية وضحاها، أصبحوا غرباء، في انقطاع عن الوطن الأم، في انقطاع عن العائلة، في انقطاع حتى عن الأرض الجديدة، غربة في ألف غربة، نصيبهم مكابدة الواقع غير المألوف نهارا، ودمعة على وهج سراج الذكريات ليلا، والخوف كل الخوف على أهل وأبناء وأمٍّ قد احدودب ظهرها، تفصله عنهم المسافات، ويُساوم بهم حتى لا ينطق بكلمة حق من خارج الحدود، وما من قاموس أخلاقي هنالك يحتوي على مفردات النبل والمروءة والعدل وصون نساء الخصوم، ولم ترق أخلاق القوم إلى خلق العربي في جاهليته، الذي لقي إحدى المهاجرات المسلمات في وسط الصحراء القاحلة، فسيّر بعيرها وهي عدوته إلى حيث مأمنها.
أرض الغربة مجمع المعذبين في الأرض، الفارين بعقائدهم وأفكارهم ومبادئهم من القتل أو السجن، أو الفارين بإبداعاتهم التي كفر بها أقوامهم، أو الهاربين من تجويع ممنهج مارسه عليهم أهل الاستبداد سارقو خيرات الشعوب، تجمعهم آمال بالعودة إلى الديار، إلى التراب، إلى الجذور والأهل. وتجمعهم مخاوف النهاية، شبح الموت في الاغتراب، كلهم يخاف أن يموت منفيا، ويُفجع أهله في الموطن الأول، بخبرٍ يأتيهم عبر اتصال هاتفي، وإن حالفهم الحظ يتسلمون جثمانه في صندوق ويوارونه ثراهم، وإلا استكمل جثمانه رحلة الغربة، ورقد منزويا في بقعة نائية، يمر عليه الناس ويطالعون اسم ذلك الغريب المجهول. تبا لتلك الأنظمة المستبدة التي صنعت تلك المعاناة، بعد أن حولت البلاد إلى سجون عامة أودعتها أهلها المستحقين لكل خير فيها، واستدعت كل وسائل القمع التاريخية لاستعباد الجماهير، التي لم تجد بدًا من الاغتراب.
أهداني زميل دراسة عزيز عبر( الواتساب ) فيديو يظهر فيه رجل كبير في السن ذابت مشاعره ولم يسيطر على نفسه خلال وصلة غنائية لفنان شاب كان يشدو بشجن منقطعة النظير برائعة المرحوم الجابري ( البلوم في فرعو غنى ) وراح يحضن الفنان الشاب بحنية فيها ما فيها من الألم والأسى لأن الإنسان عبارة عن أحاسيس ومشاعر متداخلة منها المفرح والمحزن ..المضحك والمبكى ..هذه الأحاسيس تطفو على وجه الإنسان وتنعكس في حديثه وتصرفاته. فقلت لنفسي: يبدو أنه كان بيسأل في الفنان الشاب ده : يا دكتور، في أوجاع كتيرة ياخ، ماعندك ليها دواء؟ أوجاع بعضها من الحبيبة وبعضها من الحال وبعضها من الوطن، وبعضها وبعضها ،المهم الخلاصة أنا متوَّك شديد بالحيل؟ وظني هو أن الفنان طمأنه قائلا : ابشر، الدواء في، بس ارخي جسمك للجمال .. نحن أبناء هذا الشعب الطيب، برغم فداحة أوجاعنا، لكن ما أسرع قدرتنا على التعافي و ما أسهل ما نتداوي به. الحفلة في مدني .. والغنية للجابري .. والود الغناي دا اسمه عبدالله عبدالكريم.. والمتوّك دا،،، كلنا.
ولأنني عاشق الجابري وبالألحان الحية الحزاينية الحنينة المتقنة الشديدة الرفاعة سأطلق علي هذا الأسبوع ( الأسبوع العالمي لأغنيات المرحوم أحمد الجابري)، الأسبوع العالمي للصوت الحنون الذي لكأنه يغرد في بستان، المُمسرح، المعبر، العابر، العبير، الطِرب، الطروب، الصوفي، الشجن، والبادي بغيره فقد أظلم وظلم نفسه.
mido34067@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم