بقلم: إدوارد كورنيليو
في الثلاثين من يوليو تحل الذكرى الحادية والعشرون لرحيل الدكتور جون قرنق دي مبيور، وهي ذكرى لا تخص رجلاً بعينه بقدر ما تخص مشروعاً لدولة لم تكتمل. واحد وعشرون عاماً مرت على سقوط المروحية في تلال نيو كوش وهو عائد من كمبالا، بعد ثلاثة أسابيع فقط من أدائه القسم نائباً أول لرئيس الجمهورية ورئيساً لحكومة الجنوب آنذاك. الفاجعة في حينها بدت كحادث طيران، لكن مسار الأحداث بعدها كشف أنها كانت لحظة انقطاع في مسار تكون الدولة السودانية نفسها، لحظة انغلق فيها باب وفتحت أبواب أخرى أكثر قتامة.
لفهم قرنق لا بد من فهم التربة التي أنبتته. السودان منذ استقلاله لم يقطع مع بنية الدولة التي صنعها الاستعمار، بل قام فقط بتغيير جلدها. الإدارة المركزية والجيش والبنك والمنهج التعليمي بقيت في الخرطوم، وتحولت من أداة لخدمة لندن إلى أداة لخدمة نخبة صغيرة متمركزة على ضفاف النيل. هذه النخبة بنت ثروتها ليس من الإنتاج بل من التحكم في الريع، قطن الجزيرة وصمغ كردفان ونفط أعالي النيل وذهب دارفور، كلها كانت تجمع في المركز ليعاد توزيعها كامتيازات ورواتب ووظائف وبيوت فاخرة، بينما الأطراف التي تنتج هذه الثروة بقيت بلا مدرسة ولا طريق ولا مستشفى. هنا نشأ الانقسام الحقيقي، ليس بين عرب وأفارقة أو مسلمين ومسيحيين كما صورته الدعاية الرسمية، بل بين مركز يكدس ويمتص وهامش ينتج ويهمش. هذا القانون هو الذي فجر الحرب مرة أولى ومرة ثانية، وهو الذي ظل يغذي كل حروب السودان من الشرق إلى دارفور.
جون قرنق جاء من قلب هذا الهامش لكنه لم يكن أسير وعيه الضيق. ابن أسرة من صغار المزارعين في تويج، ضابط في الجيش، ثم طالب اقتصاد زراعي في الولايات المتحدة، جمع بين خبرة البندقية وخبرة الجدول الاقتصادي. ولذلك لم يطرح قضية الجنوب كقضية عرقية معزولة تطالب بالانفصال، بل طرحها كقضية وطنية شاملة. كان يقول بوضوح إن المشكلة ليست في الشمال كجغرافيا أو كشعب، بل في بنية دولة قديمة تفرض هوية واحدة أحادية على مجتمع متعدد، وتستخدم الدين واللغة كأدوات لإقصاء الآخرين من عقد المواطنة وتبرير احتكارها للسلطة والثروة. عندما سمى تلك البنية السودان القديم لم يكن يطلق شتيمة سياسية، كان يصف نمط إنتاج وسلطة.
في مقابلها طرح فكرة السودان الجديد. وهي لم تكن مجرد شعار عاطفي للمصالحة، بل كانت مشروعاً لإعادة تأسيس. السودان الجديد في جوهره يقوم على ثلاث قواعد مترابطة. القاعدة الأولى هي تفكيك احتكار المركز عبر إعادة توزيع السلطة والثروة بشكل أفقي، بحيث تدار الموارد من حيث تنتج ويكون للمواطن في جبال النوبة أو البطانة أو دارفور نفس وزن المواطن في الخرطوم. القاعدة الثانية هي بناء اقتصاد منتج لا ريعي، وقد لخصها قرنق في جملة بقيت نبوءة: استخدموا عائدات النفط لتغذية الزراعة. كان يدرك مبكراً أن الدولة التي تعتمد على بيع الخام دون تحويله إلى قاعدة زراعية وصناعية ستصاب بالفساد والكسل والديون، وستتحول حكومتها إلى مجرد سمسار بين شركات النفط الأجنبية والسوق العالمي. لذلك كان شعاره الآخر الأكثر التصاقاً بالناس هو نقل المدن إلى الريف، أي إلغاء تلك الهوة المصطنعة التي تجعل الخرطوم مضاءة ومكتظة بينما الريف مظلم ومهجور. القاعدة الثالثة هي علمنة الدولة، ليس كعداء للدين، بل كشرط لتحريرها. فعندما تفرض الدولة دينا واحدا كقانون عام فهي عمليا تقول لجزء كبير من شعبها إنكم مواطنون من الدرجة الثانية، وبالتالي تسحب عنهم حقهم في الثروة والسلطة.
لتحقيق هذا المشروع احتاج قرنق إلى أداة تنظيمية. الحركة الشعبية لم تكن جيشاً قبلياً بل حاولت أن تكون تنظيماً طليعياً يحمل وعياً جديداً. لذلك أنشأ المدارس السياسية في المعسكرات، وكان الدرس الأول فيها أن العدو ليس العربي كإنسان بل بنية الهيمنة التي تستغل العربي الفقير في نواحي الشمال بقدر ما تستغل الجنوبي. كان يحاول بناء هوية جديدة تتجاوز القبيلة، هوية قائمة على المصلحة المشتركة للمهمشين جميعاً، وهي مهمة صعبة في بلد أنهكته الحروب والاستقطاب.
ثم جاءت لحظة الثلاثين من يوليو 2005 لتقطع هذا المسار. اتفاق السلام الشامل كان قد وقع في يناير من نفس العام، وكان يفترض أن يكون مدخلاً لهذا التحول عبر دستور جديد وانتخابات وتقاسم حقيقي للسلطة والثروة. موت قرنق بعد ستة أشهر فقط من الاتفاق ترك فراغاً نظرياً وسياسياً هائلاً. الاضطرابات التي انفجرت في الخرطوم وبورتسودان وجوبا بعده لم تكن مجرد حزن، كانت إحساساً جمعياً بأن الضامن لفكرة السودان الواحد العادل قد رحل، وأن القوى التي كانت مستفيدة من السودان القديم ستعود للواجهة.
وهذا ما حدث بالضبط. بعد رحيله لم يتم تفكيك جهاز الدولة القديم بل تمت إعادة إنتاجه بأسماء جديدة. في الجنوب، الذي أصبح دولة مستقلة في 2011، تكرر نفس النموذج الذي حاربه قرنق. تكونت طبقة بيروقراطية جديدة استولت على ريع النفط، وتحولت من قيادة ثورية إلى وسطاء لبيع الخام، تستورد الغذاء والدواء من الخارج وتترك الأرض بوراً. الفلسفة التي نادى بها قرنق عن التنمية المتوازنة استبدلت باقتصاد استهلاكي ريعي هش، وهو ما جعل الدولة الوليدة تسقط في حرب أهلية بعد عامين فقط من الاستقلال. لم تكن تلك الحرب صراعاً قبلياً بدائياً كما وصفها الإعلام الخارجي، بل كانت صراعاً بين أجنحة هذه الطبقة الجديدة على من يسيطر على صنبور النفط وعلى عقد الدولة.
وفي الشمال أيضاً سقط المشروع. القوى التي ورثت المركز بعد اتفاق السلام حافظت على نفس المنطق الاستخراجي، توزيع المناصب والثروة على قاعدة ضيقة وإهمال الإنتاج. حتى عندما سقط نظام الإنقاذ في 2019، بقيت البنية الاقتصادية نفسها، فانفجر الصراع الحالي بين جنرالين لا يمثلان مشروعين مختلفين بل يمثلان جناحين لنفس المنظومة المتصارعة على الريع والسلطة. المفارقة أن خطاب التهميش الذي رفعه قرنق في الثمانينات أصبح اليوم خطاب الجميع في السودان، من دارفور إلى الشمال نفسه، لأن آلية التهميش اتسعت ولم تعد تستثني أحداً خارج الدائرة الضيقة للسلطة.
ما الذي يبقى من قرنق بعد واحد وعشرين عاماً؟ يبقى درسان لا يمكن القفز عليهما. الدرس الأول أن الدولة التي تبنى على إقصاء أغلبية شعبها لا يمكن أن تستقر، مهما بلغت قوتها الأمنية أو دعمها الخارجي، لأنها تحفر قبرها بيدها عبر خلق أعدائها في الداخل ؛ والدرس الثاني أن الموارد الطبيعية وحدها لا تبني أمة. النفط والذهب يمكن أن يبني مدارس ومستشفيات ومصانع إذا تحول إلى استثمار منتج، ويمكن أن يبني قصوراً وجيوشاً خاصة ويمول حروباً أهلية إذا بقي ريعاً يتصارع عليه قلة.
ذكرى قرنق اليوم ليست مناسبة للتماثيل والخطب، بل هي دعوة لإعادة قراءة السؤال الذي طرحه ولم يجب عليه الواقع بعد: كيف نبني دولة تسع الجميع ليس بالشعارات بل بتوزيع عادل لما ننتجه وما نملكه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تزال هي المفتاح الوحيد لوقف هذه الدورة الطويلة من الحروب في السودان شماله وجنوبه، وهي المهمة التي لم تنجز بعد.
tongunedward@gmail.com
