(كلام عابر)
الجمهور غير الشعب ، كما يقول الكاتب اللبناني لطيف زيتوني، فالشعب حتى لو كان أميا يبدع الأساطير والفولكلور والفنون ويثور أيضا ويتميز بهويته وروحه الواحدة وقيمه المشتركة وأحلامه الوطنية ويصنع الأبطال ، لكن الجمهور لا يبدع ولا يثور فهو الجموع التي لا تنفعل ولا تفكر حتى أن بعض كبار الفلاسفة أسموه بالقطيع. الجمهور المنفعل كثيرا ما يستخدمونه ضد أهل الفكر والعلم حماية للمعتقدات السائدة والحكام المستبدين، وقد يساق تحت تأثير الشحن والدعاية لمحاربة مصالحه، والجمهور أيضا لا يتحدد بهويته لكنه يتحدد بعدده (الكم لا الكيف).
ويقول الأستاذ زيتوني أنه لسنوات طويلة بدا أن الجمهور قد ابتلع الشعب، لأن الحاكم الذي لم ينتخبه شعبه صار يتوجه إلى الجمهور ، إلى الحشود التي تصفق لكل قوي خوفا أو طمعا ، ثم صنع من هذا الجمهور شعبا خاصا به، شعبا اصطناعيا يصفق ويتظاهر ويقاتل ويتصدى للناس دفاعا عن رئيس يفديه بالدم، أي أن الجمهور يفدي الرئيس بالدم وليس العكس.
الشعب هو الأصل والأغلبية والجمهور شرائح مغيبة من الشعب تكثر وتقل عددا حسب قدرة الحاكم وجاذبية أساليبه في الاستقطاب ،تصنع هذه الشرائح وتشكل وفقما يريد الحاكم لتهتف بلا وعي أو بوعي مغيب بخلود الحاكم وعبقريته التي تلهم الآخرين،ويتواصل الهتاف ويتعالى حتى لو انهد المسرح تحت أقدام الممثلين وحتى لو تحولت روما كلها إلى رماد.
الكاتب المصري جرجس فريد يتساءل :هل تفشل الشعوب؟ مبدئيا تقول القاعدة أن الفاشل مسؤول عن فشله وأن الناجح يستحق نجاحه وأن الاستثناءات وإذا كانت الحكومات والدول تفشل فمن الطبيعي أن يكون للشعوب التي اختارت هذه الحكومات أو على الأقل أفرزتها نصيبها من الفشل. ومستحيل أن يكون هناك شعب في مجمله جيد وحكوماته في مجملها سيئة أو شعب مجتهد وحكوماته كسولة أو شعب شجاع وحكوماته جبانة أو شعب أمين وحكوماته خربة الذمة وبالتالي مستحيل أن تتوالي على إدارة شؤون بلد معين على مدى فترة معتبرة من الزمان حكومات جميعها فاشل، هذا طبعا إذا كانت الشعوب هي التي اختارت الحكومات.
أوروبا بمهزوميها ومنتصريها خرجت من الحرب العالمية الثانية حطاما ولكنها وعت الدرس وراجعت التاريخ واعترفت بالفشل فنجحت وعمرت وهي ما زالت تمارس النقد الذاتي بعيدا عن أوهام العز والانتصارات، فهل نستطيع الآن أن نعترف بالفشل بلا تجميل للفشل والانتقال من الحوار مع الذات (المونولوج) إلى الحوار مع الآخر المختلف ومن مونولوج السلطة إلى (ديالوج) الشعب للوصول إلى حالة من التفاهم تتجاوز الذات إلى الآخر والمصنوع إلى الأصل وأن نمارس قبل ذلك النقد الذاتي الذي سبقونا إليه ؟
قبل الختام:
قال صلاح في حب الوطن:
أحبك حبا أذل فؤادى وأعمى البصيرة
أحبك حب الذى يشتهيك بعين بصيرة
وأيد قصيرة
أحبك حب المشرد في حبه دون مأوى وزاد
وحب الذى في سبيل رسالته قبل الاضطهاد
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم