(كلام عابر)
علق السيد وزير خارجية إيران على المظاهرات المعارضة في السودان ولم يجد في نفسه حرجا من القول بنفس طريقة الملاليالتقليدية الخالية من الدبلوماسية بأنه يدين هذه المظاهرات ويؤيد حكومة السودان. ونحن هنا لا نعترض على تطفل السيد متكي على شئوننا فقد أصبح الشأن السوداني مباحا ومتاحا للجميع ، ولا نعترض كذلك على خطاب السيد الوزير الخالي من لباقة الدبلوماسية فمثل هذا الخطاب نهج صار ملازما لكل الرسميين الإيرانيين، وذلك شأنهم ، ولكنا كنا نعتقد أن إيران فيها من المشاكل والهموم والمظاهرات ما يغنيها عن التفكر في مظاهراتنا قبل التسرع باتخاذ موقف في شأن لا يعني ساستها. والهموم والمشاكل لا تأيها من خارج الحدود ولا من صنع “الشيطان الأكبر” ولكن من الداخل.
كان المشروع الديني السياسي الإسلاموي في إيران يتركز على استئصال الحداثة الغربية من ”ارض الإسلام” فقام النظام بفصل أكثر من اربعين ألفا من الطلاب والمعلمين في الجامعات وحظر الدراسة في الجامعات الغربية وشكل مليشيات رجالية ونسائية لفرض السلوك “الاسلامي” في الشارع وطبقت عقوبة اجلد 75 جلدة أو السجن 15 يوما لمن “تسئ استخدام الححجاب” وفرض على النساء لبس اللون الأسود حدادا على الأئمة وعلى غيبةالإمام الذي يحمل الرقم 12. ومنعت الصحافة الغربية والأطباق اللاقطة لحظر مشاهدة الفضائيات ومنع استيراد الافلام، وخلال ذلك رجمت حوالي ألفي امرأة.
ولكن ماذا كانت النتيجة؟ في عهد الشاه كان معدل البغاء في إيران أقل بكثير من المعدلات العالمية، ولكن ذلك المعدل ارتفع بصورة جنونية في عهد الثورة. كان استخدام اسم الحسن والحسين شائعا بين المواليد الجدد ولكن الآن شاع استخدام اسم داريوش وأراش وهي أسماء وثنية رغم تحذيرات الدولة. الجامع الذي كان يصلي فيه في عهد الشاه بين ثلاثة وخمسة آلاف مصل لم يعد يصلي فيه إلا العشرات، ولأول مرة عرفت إيران ظاهرة الجوامع والمساجد الفارغة من المصلين وقد ذكر نائب رئيس بلدية طهران حجة الإسلام علي زم في تقرير سنوي عام 2000م أن 75% من الشعب و86% من الطلبة تركوا الصلاة، وفي ختام ولايته اعترف الرئيس خاتمي للسفير الألماني في بلاده أن نسبة من يصومون رمضان لا تتجاوز 2% (إثنين بالمائة) وكانت نسبة الصائمين في زمن الشاه 80%(ثمانين بالمائة).
لم يهزم مشروعهم الإسلاموي سوى ثورة الإتصالات التي جعلت البشرية تعيش في بيت زجاجي لا تخفى فيه خافية عن عين القنوات الفضائية والإنترنيت والجوال والهاتف هو عالم تمازج وتلاقح القيم والعادات والثقافات والتنوع الثقافي الذي تتعايش فيه سلميا مختلف التيارات الفكرية والثقافية ولم يعد ممكنا عزل الناس في إيران عن الدنيا من حولهم وليس من الممكن إغلاق الفضاء مثل الحدود. قضت ثورة الاتصالات تماما على قابلية المجتمعات المغلقة.
لقد هزم مشروعهم كله من الداخل وتداعى رغم سنوات القهر والتمكين وكان يجب أن يكون ذلك شغل السيد الوزير الشاغل بدلا من التطفل على شئوننا الداخلية جدا خصوصا بعد أن تخلى آخرون من دعاة المشاريع المماثلة لمشروعهم ومن ذوي الثقل العالمي، تخلوا عن طرحهم (تركيا نموذجا).
(عبدالله علقم)
khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم