الكذب في عصر الإنترنيت .. بقلم: عبدالله علقم

(كلام عابر)

في أزمنة سابقة كان يمكن للحجاج بن يوسف الثقفي أن يبيد منطقة كاملة  ببشرها وزرعها وضرعها دون أن تصل أخبار الجريمة للخارج إلا بعد فترة طويلة من الزمن وبصورة مغايرة للحقيقة ثم تسقط من ذاركة التاريخ ولذلك لا يزال التاريخ في شك من أمر  ضحايا الحجاج الذي قال عنه سيدنا عمر بن عبدالعزيز “لو تخابثت الأمم في يوم القيامة وأتت كل أمة بخبيثها فخرجنا عليهم بالحجاج لغلبناهم”. ذاكرة  التاريخ أكثر دقة في إحصائياتها مع طغاة الأزمنة الحديثة  رغم أن أعداد الضحايا المؤكدة ما تزال موضع شك، مثل ضحايا  سوهارتو في  إندونيسيا وشاوشيسكو في رومانيا  وأنور خوجة في ألبانيا  والقائمة الطويلة  التي لم تنتهي برواندا ، فلم تكن تقنية الاتصالات قد تطورت بالقدر الذي نشاهده اليوم ولم يظهر اختراع الانترنيت والهاتف الجوال والصورة التي يلتقطها مصور هاو ثم تنتشر  في أركان  الدنيا  في ثوان قليلة. لم يعد هناك من يستطيع أن يغالط  العالم الذي يتابع  المشهد بالصوت والصورة ، الكذب في عصر الإنترنيت أصبح  مفضوحا ، ومع ذلك ما يزال  بعضهم يكذب ويكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا.
عندما فر عدد كبير من  المواطنين السوريين بجلودهم عبر الحدود إلى تركيا ، كان الخطاب الإعلامي الرسمي أن هؤلاء عبروا الحدود بمخض اختيارهم للقيام بزيارات أسرية عادية لأقاربهم في تركيا. عندما اجتاحت الدبابات مدينة درعا السورية القريبة من الأردن ، لم يجد ذات الإعلام في نفسه حرجا من القول بأن الدبابات والجيش أتوا بناء على طلب أهل درعا لحمايتهم من الجماعات المخربة المسلحة. خطاب لا يحترم عقل المتلقي ولا يزال يعتقد أن التعتيم الإعلامي الذي مورس في حماة عام 1982م يمكن تكراره في هذا العصر.  على مدى سبعة وعشرين يوما من شهر فبراير 1982م استخدمت القوات السورية المدافع والدبابات في حملتها على المعارضين في مدينة حماة فكانت محصلة المجزرة أكثر من ثلاثين ألف قتيل وخمسة عشر ألفا من المفقودين وأكثر من مائة ألف نازح من المنطقة وتسوية ثلث أحياء المدينة بالأرض.
الخطاب الإعلامي الرسمي في سوريا لا يختلف عن نظيره الليبي أو اليمني أو أي خطاب أحادي من حيث ربط  حالة الرفض الشعبي بالعدو الأجنبي  الذي يهدد رفاه المجتمعات الغربية. ثورة الاتصالات والمعلومات وضعت جوف أي مجتمع ،مهما تكن إمكانياته وقوته، في بيت زجاجي تحت أضواء كاشفة، ولم يعد بالإمكان إدارة الأمور  في غرف مظلمة والاستهانة بعقول الناس وقدرة هذه العقول على الموازنة والتحليل المنطقي أو تمييز الصواب من الخطأ والحقائق من الأكاذيب والادعاءات،  فأصبح  الخطاب الإعلامي  الأحادي البائس من “علوج” الصحاف إلى “زنقة” القذافي جزءا من الأزمة بدلا من أن يكون أداة معالجة للأزمة، ولهذا لا يلقى مثل هذا الخطاب احترام المتلقي في عصر السماوات المفتوحة .
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com

عن عبد الله علقم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً