اوراق جنيدية: فخ .. وزرزور … وام حِميدُو … بقلم: محمد علي مسار الحاج
9 يوليو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
59 زيارة
في تراث (الجنيديين وابناء عمومتهم)*، يقوم الاطفال، في اول موسم (الرِشَاش) بنصب شرك تحت شجرة المنزل، من (طبق) وحبلٍ ممدودٍ لاصطياد العصافير، وهي انواع كثيرة غالبها الزرزور. يقوم الاطفال بنثر قليل من الدخن حول الشرك والبعض منه تحت الطبق المنصوب على قصبة طولها شبر ويكون مفتوحا من اتجاه واحد وجاهزاً للاطباق. ومن تلك الطيور (ام حميدو) وهي طائرٌ صغير لكنه في غاية من البراعة و الذكاء، ويكون اول من يهبط من الشجرة لالتقاط حبات الدخن ثم تتبعه بقية الطيور، لأنها تظل مرابضة فوق الشجرة في حالة ترقب وتوجس حتى يفتح لها الطريق احدها، وغالبا ما يكون ام حميدو، لذلك يسمونه (ام حميدو سبب الكَدْرَة) والكدرة هي تزاحم الطيور حول الماء او الحب بسبب العطش او الجوع. ولكن ام حميدو من الذكاء بحيث تقوم بالتقاط الحب حول الفخ فقط ولا تقترب من الموجود بالداخل تحت الطبق مطلقا، لذلك لا تسقط في الشرك الا نادرا. اما بقية الطيور، فما ان ترى ام حميدو هبطت لتلتقط الحب، حتى تتزاحم على الهبوط حول الفخ، وسرعان ما تلتهم الحب المنثور في الخارج ثم بتهورٍ شديدٍ تتوغل تحت الطبق، حتى اذا تكاثرت، قام الطفل المختبئ عند طرف الحبل الممدود بجذبه بشده فيطبق الشرك على كل الطيور الموجودة بالداخل، ولكن ام حميدو تطير بعيدا وتحط في اغصان الشجرة وتنتظر حتى يقوم الاطفال باعداد الفخ من جديد. ثم يتكرر المشهد وفي كل مرة تسقط بعض الطيور المتهورة التي تعميها غريزة الجوع ولا تتعلم من درس(الإطْبَاق الأول) وتنجو ام حميدو.
سطر جديد:
مع فارق القياس، وأمام فخاخ الحياة الكثيرة المنصوبة (بعناية) لاصطيادنا من آخرين، على المرء منا احياناً ان يختار إما أن يكون (ام حميدو) او (زرزورا). للأسف الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يمتلك ترف ذلك الاختيار. وإياك اعني واسمعي يا جارة.
سطر جديد آخر:
*الجنيديون هم افراد القبائل العربية المنحدرة من صلب جدهم الأكبر جنيد بن شاكر بن أحمد الأجذم (الاجدب)، وهم ثلاثة فروع كبيرة؛ العطاوة (رزيقات ومسيرية وحوازمة)، والحيماد (هبانية وتعايشة وسلامات)، واولاد راشد. اما ابناء عمومتهم فأقربهم اليهم بني هلبة ثم كل القبائل العربية من بقارة وأبالة الذين يعيشون في منطقة عريضة تمتد من الهضبة التشادية وما وراءها الى دارفور وكردفان وضفاف النيل. هذه القبائل هاجرت الى تلك المنطقة من مصر في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، بقيادة قائدهم الاسطورة الشيخ (جمعان العويصي) من بني هلبة، وتمكنوا عبر التعايش والتصاهر والتلاقح الثقافي والاقتصادي مع المكونات المحلية من التمدد التدريجي المتراخي عبر القرون وبناء (انموذج) تعايش حضاري سلمي (للكل وبالكل) عابر للجغرافيا والحقب قل ان يوجد له نظير. ورغم التحديات التي برزت في العقود الأخيرة التي واجهت ذلك الانموذج الحياتي بسبب تقاطعات اجندة شريرة بعضها محلي وآخر اقليمي ودولي، مما ادى الى حدوث تهتكتات في نسيج ذلك النموذج الصلب، الا أن الأمل معقود على يتمكنوا مع اشقائهم من المكونات المحلية من تخطى تلك التحديات واعادة الإشراق لذلك النموذج الثر المعطاء، لأن فيه المخرج من حالة الإضطراب الحالية، والعودة الى حياة الامن والاستقرار ثم الوثوب الى تخوم النماء والازدهار.
محمد على مسار الحاج
الخرطوم
٩ يوليو ٢٠٢٠
mohamedmassar@yahoo.com