خاطرة
ما أن يبلغ الرجل منا سن الخمسين حتى يكون إلى العقل والتعقل أقرب، وأبعد عن التهور والحديث الجزاف وعواهن القول والكلام ، باعتبار إن هذه السن هي مستخلص سنوات العمر ومتنه وزبدته وهي أجمل الأيام، استراحة محارب ، فيها معنى وفهم لقوله تعالى … وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون .. يتجسد أمامك إنسان هذه الآية فجأة كأنك لم تسمع بها أو تقرأها من قبل ، ثم تعود بذاكرتك إلى الوراء طويلًا، شبابك فيما أفنيته … فيصيبك حزن عميق وعدم رضى وكآبة، وتخرج من صدرك زفرة حارة وأنين مسموع ، وحينها تشعر بالنعاس وأنه يجب أن تنام لبعض الوقت ، فهناك أشياء مضت يجب أن لا تجترها الذكرى الآن ، أو عليك نسيانها أبدا….
بلوغ سن المعاش منحة من المنح الجليلة، وسر من أسرار الله في عبادة ، تستوجب الشكر والحمد والمنة لله من العبد الذاكر أن أوصلك إلى هذه السن سليم معافى بلا حول منك ولاقوة ، كما يجب علينا جميعًا أن نكرم معاشيينا على ما قدموه لنا و لهذا الوطن الجميل العملاق عبر هذه الخدمة الوطنية الطويلة الممتازة، التي أفنوا فيها زهرة شبابهم بلا كلل ولا ملل ، عطاء ، سخاء رخاء ، ولو كانت تدوم لدامت إليهم وحدهم ، ولما وصلت إلينا …. الأجيال تتابع والكتوف تتلاحق ونحن على دربهم ماضون، وإنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (بالملي ) فأن أسأتم لهم فقد أسأتم لأنفسكم، لذلك يجب أن يحظوا بتقديرنا واحترامنا وفاءً وعرفانًا، ولنعلم أن هذه اللحظة التأريخية الخالدة التى لطالما أنتظرها المعاشي لتؤانسه في خلوته و فيما تبقى له من خريف العمر ، فأن أسأنا تقديرها بما يليق وعظمتها أصابتنا الكآبة قبل أن تصيبهم ، وهم لا محالة سوف يسامحوننا لأن صدورهم أوسع وهم أكثر خبرة ، فلا تسيئوا التقدير فقولوا حسناً ولو من باب التجمل ، أو فإن السكوت أبلغ تعبير .
لحظة عبور كبري الخياري، الحد الفاصل بين الولايتين هو العبور إلى جامعة القضارف ، كانت لحظة تأربخية وتأريخ تحته خطين كتبت أرقامة بالأبر على آماق البصر ، لحظة تجلت فيها كل معاني التضحية وإيثار النفس وجبر الخواطر ، جامعة يبحثون لها عن مدير فلايجدون….. لا قريب تسر طلعته ، ولا غريب بالحرص ينتحر ، ولكن الثوار الشرفاء الوطنيين الخلص لايمتنعون ولا يتأخرون في تلبية داعي الوطن أينما رمت بهم الأقدار ذهبوا….
…. وقبل التكليف ….
وبدأ العد التنازلي لعامين مليئة بالأنجازات والعمل الجاد …. أعاد ترتيب البيت من الداخل على أسس الثورة حرية سلام وعدالة ، وتطهير الغرل واستبدال التعينات الحزبية بالكفاءات العلمية ، باتباع منهج الثورة الديمقراطية في الاختيار والتعيين وتولية المناصب القيادية …. ثم دلف إلى إلغاء صيغة القرض الحسن مع بنك النيل لتمويل مرتبات العاملين بضمان الوديعة الدولارية حتى يوم عشرة من الشهر …. ثم سداد كل متأخرات المصروفات التى بلغت مبالغ خرافية ومهولة وذلك بتوجيه الموارد الشحيحة وادارتها بحكمة و أقتدار لتذهب في بنودها الحقيقة حسب المخطط ، لسد الثغرات وتقليل العجز ما أمكن ، بأتباع الطرق العلمية والمنهجية ، بدلا عن أقصر الطرق التى كانت تتبعها الإدارة السابقة في تسييل المدخرات من العملات الصعبة حتى كادت ألا تفي بضمان القرض الحسن …..تم إصدار قرار لتصريف المرتبات في يوم 25 من الشهر الجاري بعد توفير المال اللازم لذلك عبر التفكير خارج الصندوق لتجاوز العمل الروتيني الممل في انتظار منحة التعليم العالي كبقية الجامعات ، وبذلك أصبحت جامعة القضارف أول جامعة في السودان تدفع أجورها ومرتباتها قبل موعدها كاملة شاملة .
لا أريد أن أتحدث عن النهضة الزراعية ، ولا عن الإنجازات التي طالت المباني فهي إنجازات ومجسمات قائمة تتحدث عن نفسها وليست خططًا طموحة على ورق ، ولا عن مجسمات على منصة زجاجية ممنوع الأقتراب منها في طاولة على مكتب مدير الجامعة يغشاها الغبار . بل بين أيدينا وأمام أعيننا مستندات منظورة لا تخطئها العين المجردة(مجسمات ) بتوقيع / محمد زين على ، تحكي عن إنجازاته وتثبت نيته في الأصلاح والتعمير ، كما يكفيه فخراً أنه عمل في منطقة(شدة) وقبل التحدي على الرغم مما رشح من سمعة عن قدرات جامعة القضارف المالية ، وعدم الاتفاق القائم بين منسوبيها ، بالإضافة إلي المعاناة التي صاحبت بداية الفترة الانتقالية من شح في الموارد ، وتعنت الشريك المشاكس، وعدم الاستقرار السياسي الذي شهدته الفترة ، فإنه استطاع العبور بالجامعة وتجلى هذا وظهر في الاستقرار الاكاديمي، والنشاط الطلابي وحفلات وكرنفالات التخرح لكل الكليات التي انتظمت الولاية، بإلاضافة إلى الإنشاءات والمباني الجديدة وورش كلية الهندسة ، والقاعات الإضافية للكليات المختلفة وإكمال مباني إدارة الجامعة و العمادات المتخصصة ، والمكتبة المركزية ، والمعمل المرجعي بكلية الطب ، وقرية حنان .
اليوم سوف يودع محمد زين علي البشير حبيبته جامعة القضارف ، التي لا بواكي عليها ، إلى رحاب أوسع مديرًا لكل الجامعات السودانية رضي من رضي ، و أبى من أبى ، وسينظر اليكم من علا ، يجب أن تفخروا بمديركم الذي كان بالأمس بينكم يعلم سركم وجهركم ، وهمومكم وهموم جامعتكم ، وأس مشاكلها ، والآن صار أكثر تحرراً من قبل في اتخاذ قرار التنمية والإعمار والنهضة ، ولقد أصبح لديكم من تعرفون في وزارتكم، فعندما يذهب أحدكم إلى هناك فليذهب مباشرة إلي مكتب البروف/ محمد زين علي البشير فمثل هؤلاء الرجال لا يضمرون السوء والمعاملة بالمثل أبدًا، ولا يقابلون السينة بمثلها ، شأنهم في ذلك شأن العلماء في التواضع والترفع عن الصغائر والعفو عن الناس ، ولايعرف قدر الرجال إلا الرجال …
* ما أشبه الليلة بالبارحة:
بين يدي مستندات منذ العام 2013 م قاربت العشرة سنوات ، تحكي عن مستحقات دستورية تم صرفها(بالمليم) لمدير سابق لجامعة القضارف في عهد الإنقاذ …
بله عثمان حاج الطاهر
////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم