بحثاً عن مكان يقبلني: تادرس أبرها .. ترجمة: أحمد المكاشفي
17 أغسطس, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
65 زيارة
بعد أيام من وصولي إلى اسرائيل، التي اتيتها لاجئا من بلدي أرتريا، تقدمت بطلب للعمل بقسم التوليد بأحد المستشفيات. اخترت التوليد لأنه سبق لي العمل في هذا القسم بالمستشفى الحكومي باسمرا. مدير المستشفى، بعد أن نظر في طلبي والمستندات المرفقة، قال لي: “يؤسفني أن أقول لك إنني لا استطيع منحك وظيفة هنا لانك لا تمتلك إذن عمل”.
لجأت تحت وطأة الحاجة إلى العمل في مطعم للشاورما. كانت مهامي في البداية تتمثل في غسل الصحون وتنظيف المكان. كان عملا مرهقا وبمقابل مالي هزيل. كنت وأربعة أشخاص آخرون نتشارك السكن في شقة من غرفتين. كان علي أن أذهب كل شهرين لادارة الهجرة لتجديد اوراقي كطالب لجوء. اربع سنوات مرت دون ان احصل على الاقامة الدائمة بهذا البلد. هذا الانتظار الطويل وغير المجدي أضجرني وملأني يأساً وشككني في جدوى بقائي في إسرائيل وبدأت أفكر جدّياً في الانتقال إلى بلد آخر.
أخيرا، قبل بضعة أشهر، وصلني خطاب من الحكومة الاسرائيلة يطلبون فيه مني مغادرة البلاد. وفي الحق أنهم ابلغوني هذا الخبر بطريقة أخرى، قالوا لي إن أمامي ثلاثة خيارات:
1) أن انتقل إلى معسكر في صحراء النقب يطلق عليه اسم هولوت. وكان قد نما إلى علمي أن نزلاء هذا المعسكر يحيون حياة في نهاية البؤس. فهم يقيمون متكدسين في غرف ضيقة ويتعين عليهم الابلاغ عن وجودهم بالمعسكر ثلاث مرات في اليوم: في الصباح وبعد الظهيرة وفي الليل. المعسكر يوجد في مكان منتبذٍ قصي تحتوشه الصحراء من كل جانب، فلا بشر هناك ولا متاجر ولا مدن، وعليه فإن الذي ينتقل إلى هذا المعسكر يكون قد وقع بفخ يصعب الفكاك منه.
أو 2) أن أعود إلى بلدي ارتريا. وأصدقك القول أن حياتي بارتريا كانت حياة لها هدف ومعنى وطعم. إلا أنني خشيت إن أنا عدت إلى بلدي أن اعتقل أو أعذّب أو ربما أقتل، وذلك لأن حكومة بلادي تقسو جداً على أمثالي من المتهرّبين من الخدمة العسكرية. فالخدمة العسكرية في ارتريا فرض لازم لا ملجأ ولا منجأ منه، كما أن مدة هذه الخدمة مفتوحة لايعرف نهايتها إلا القائمون عليها والذين يمكنهم أبقاءك فيها إلى ما شاء الله، هذا ولا يتيسر للمرء رؤية أهله أثناء أدائه واجب الخدمة العسكرية ولا يحصل على أي عائد مادي. إنها ببساطة عمل يفقد فيه المرء كرامته الانسانية. لن يكون بمقدوري إذن العودة إلى ارتريا رغم أشواقي إلى الاهل والوطن.
أو 3) أن أوافق على الانتقال إلى راوندا. أضاف الخطاب أن الحكومة الاسرائيلية ستدفع لي مبلغ 3500 دولار وتشتري لي تذكرة سفر بالطائرة إلى رواندا. لم أدري لماذا رواندا بالذات؟ فأنا لم أكن أعرف كثير شيء عن هذا البلد، اللهم إلا أنه اسم يبدو احسن وقعاً في السمع من هولوت ويوحي بالأمان أكثر مما تفعل كلمة ارتريا. المهم توكلت على الله وأبديت موافقتي على الانتقال إلى رواندا.
ما كنتُ جربت السفر بالطائرة قبلاً. فقد جئت إلى اسرائيل راجلاً في اغلب الاحيان ومحمولاً في سيارات المهرّبين أحياناً. على هذا النحو عبرت السودان ومصر، كنت أمشي وأمشي وأمشي حتى أعجز عن النطق من شدة الاعياء. كثيرون قضوا في الطريق إلى أسرائيل، فهي طريق قاسية تشقُ صحراء قاحلة لا ترحم.
صعدت إلى الطائرة التي ستقلنا إلى رواندا وقعدت على مقعد بجوار إحدى النوافذ. المضيفون قدموا لنا خبزاً وجُبناً ومشروب الكوكاكولا. كان العالم يبدو لنا صغيرا جداً داخل الطائرة. كنا ثمانية ارتريين في تلك الرحلة الجوية إلى كيغالي عاصمة رواندا.
في مطار كيغالي وجدنا رجلاً ينتظرنا. لم يبح لنا الرجل بأي شيء عن نفسه، كان يرتدي ملابس مدنية. اجراءات دخولنا في المطار تمت بسهولة غريبة. لم يقل لنا أحد من موظفي المطار اي شيئ، فألقى ذلك في رُوعنا أن مرافقنا لابد أن يكون مسئولا حكوميا.
خرجنا من المطار لنجد ثلاث سيارات في انتظارنا. حملتنا السيارات إلى فيلا فخمة لم أر فيلا مثلها، كانت الفيلا مكونة من طابقين وبها غرف عديدة. لابد أن صاحبها رجل ثري. إلا أن الفيلا كانت بوجه ما تشبه معسكر هولوت الذي بالنقب (تذكره؟)، إذ بقينا بداخلها ولم يسمح لنا بمغادرتها، وكان إذا حلّ الليل جاء حارس مدجج بالسلاح فجلس على مقعد أمام الباب يحرس الفيلا إلى أن يضيء النهار.
وبعد أن قضينا يومين بتلك الفيلا أمرنا صاحبنا أن نتهيأ للمغادرة إلى يوغندا. والحق أنني كنت اتوقع هذا، فقد كان سبقني إلى رواندا أصدقاء لي نقلتهم اسرائيل إلى هذا البلد. قال لي أؤلئك الاصدقاء إن اسرائيل سترحلك إلى رواندا إلا أن هذه الاخيرة لن تسمح لك بالبقاء فيها.
تهيأت للسفر إلى يوغندا وأعطيت الرجل 250 دولارا. وغادرنا إلى يوغندا. وأخيراً، وبعد رحلة استغرقت 14 ساعة، عبرنا الحدود إلى يوغندا. كان ذلك عند الثالثة فجراً. لم يسألنا أحد عن أوراقنا، فقد تسلّلنا لواذاً إلى داخل هذا البلد دون أن يشعر بنا أحد.
توقفت بنا السيارة أمام فندق صغير بمدينة كمبالا. أمرنا مرافقونا الروانديون أن نترجل، ولما فعلنا قالوا لنا أنتم الان أحرار، ومضوا.
بضعة أشهر مرّت الان على اقامتي بيوغندا.
شيئان اثنان حبّبا يوغندا إلى نفسي: الهدوء والاحترام الذي يعامل به الناس هنا بعضهم بعضاً. الاوغنديون ناس بسطاء وفيهم طيبة وبراءة وفضول مُحبب. حين يروني آكل الانجيرا (كسرتنا الارترية الحامضة) يسألونني ماذا آكل؟ وإن سمعوني اتكلم لغتي الام، التيغرينية، يسألونني ماذا أقول؟ إلا أن المشكلة هي أنني أقيم في أوغندا بشكل غير قانوني. أحياناً أحسّ أنني أنسان كتب عليه أن يجوب العالم بحثاً عن مكان يقبله. نصف اسرتي يقيمون بارتريا ونصفهم الاخر باوربا، أما أنا فلا عنوان لي!!
سانتظر لارى إن كان الاوغنديون سيمنحونني اقامة دائمة. إنني والحق يقال اتشوّق لأن يصبح وضعي قانونياً. من يدري؟ ربما تكون يوغندا هي المكان الذي سأضع فيه عصا البحث عن مكان يؤويني. لكن إن لفظتني يوغندا كما فعلت ارتريا واسرائيل من قبل، فسأشدُّ الرحال إلى بلد آخر، وما عساي أن افعل، ليس لي خيار آخر.
mikashfi@outlook.com