بين خطاب المعرفة وخطاب التخويف .. من يقتحم قاعة المحاضرات لا يمثل نفسه فقط

دكتور محمد عبدالله

لم تكن الحادثة التي شهدتها إحدى الفعاليات المرتبطة بالأمم المتحدة في السودان مجرد مشهد عابر لرجل غاضب يقتحم قاعة محاضرات، بل بدت كأنها تلخيص مكثف لأزمة أعمق: صراع مفتوح بين خطاب المعرفة وخطاب التخويف؛ بين عمل مؤسسي ينشغل بما هو قائم، ولغة اتهام تكتفي بإثارة الريبة من دون أن تطرح بديلاً.

المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، لم تأت إلى السودان بوصفها سلطة وصاية، ولا باعتبارها مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود. جاءت، في أبسط تعريفاتها، شريكاً في مواجهة أزمات يعرفها السودانيون جيداً: أوبئة تتكرر، وبنية صحية هشة، ونقص مزمن في الكوادر والتجهيزات، وأزمات إنسانية لا تكاد تنقطع.

وعلى مدى سنوات، أسهمت هذه المنظمات في حملات التطعيم، ومكافحة الملاريا، وبرامج صحة الأم والطفل، وتأهيل الكوادر الطبية، وتوفير الإمدادات في أوقات النزاع والكوارث. كما أدت دوراً أقل صخباً، لكنه أكثر رسوخاً، في نشر الوعي الصحي في بيئة تعاني من ندرة المعلومة الموثوقة.

غير أن هذا العمل، بطبيعته الهادئة والتراكمية، نادراً ما يصمد أمام خطاب مرتفع النبرة يُلقى من على المنابر، تُختزل فيه كل تلك الجهود في عبارات فضفاضة من قبيل «نشر الفاحشة» أو «إفساد المجتمع».

هنا يبرز التبسيط المُخل بوصفه أخطر الأدوات: تحويل واقع معقد إلى صورة واحدة مسطّحة، تُبنى على الشك لا على المعرفة.

في بعض تجلياتها، تنظر التيارات السلفية المتشددة إلى هذه المنظمات لا من زاوية ما تقدمه، بل من زاوية الريبة المسبقة تجاه «الآخر». يكفي أن يكون النشاط قادماً من الخارج، حتى يُحمّل بمعاني الاختراق الثقافي أو الديني، حتى لو كان الأمر متعلقاً بلقاح أو برنامج تغذية.

ولا يعود ذلك دائماً إلى سوء نية بقدر ما يعكس بنية فكرية مغلقة، ترى العالم في ثنائيات حادة: إيمان وكفر، أصالة وفساد، نحن وهم.

ضمن هذا السياق، تتكرر الأساليب ذاتها: ترهيب معنوي عبر التهديد بالتشهير أو التحريض، وهو ما قد يعرّض العاملين في المجال الإنساني لمخاطر حقيقية. ثم تعبئة عاطفية تُستخدم فيها لغة دينية مشحونة لإثارة الخوف، من دون اقتراب جدي من طبيعة البرامج أو نتائجها. وأخيراً، انتقاء وتضليل، عبر اقتطاع معلومات أو تضخيم حالات فردية لتعميمها على المشهد كله.

لكن الأثر الأعمق لا يتوقف عند حدود هذه المواجهات. فمثل هذا الخطاب، بمرور الوقت، يزعزع ثقة المجتمع في مؤسساته الصحية والعلمية، في لحظة هو أحوج ما يكون فيها إلى قدر من اليقين المبني على المعرفة.

مواجهة هذا التجهيل لا تتحقق بخطاب مضاد يستخدم الأدوات ذاتها، ولا بالاستخفاف بالمخاوف الشعبية. ما تحتاجه هو جهد متدرج وموزع الأدوار:

الدولة، أولاً، معنية بحماية العاملين في المجال الإنساني وضمان بيئة آمنة لعملهم، من دون تساهل مع التهديد.

والمؤسسات الدينية المستنيرة مطالبة باستعادة صوتها، وتقديم خطاب يميز بين الثوابت ومتطلبات الواقع.

أما الإعلام، فمسؤوليته تتجاوز نقل الوقائع إلى تفكيك الخطاب وتقديم المعلومة الدقيقة بلغة مفهومة.

وتبقى على النخب الأكاديمية والمجتمعية مهمة أصعب: بناء وعي مستمر لا ينتظر الأزمات كي يتكلم.

في النهاية، لا يكفي أن نستنكر حادثة هنا أو تصريحاً هناك. السؤال الأهم يظل معلقاً: كيف وصلنا إلى مرحلة يُنظر فيها إلى اللقاح بعين الشك، وإلى الطبيب كموضع اتهام؟

ربما لا تكون الإجابة بسيطة، لكنها تبدأ من إدراك أن ما يجري ليس خلافاً بين أشخاص، بل مواجهة بين منهجين: أحدهما يسأل ويبحث ويتحقق، والآخر يكتفي برفع صوته.

وبينهما، يقف المجتمع، يدفع دائماً كلفة الخيار الذي ينتصر.

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

من رقابة السلطة إلى صناعة الوهم: تحولات الصحافة في غياب الديمقراطية

دكتور محمد عبداللهفي البدء، لم تكن الصحافة مجرد حرفة، بل تعاقداً ضمنياً مع المجتمع: أن …