تجربة الحزب الشيوعي السوداني 1946-2026 (3)
الجزء 3: نفق السرية وسراب البرلمان: 1971-1989
إدوارد كورنيليو
بعد يوليو 1971 لم يكن السؤال: هل انتهى الحزب؟ بل كان: كيف يموت الحزب؟ النميري أراد محوه من الوجود. أعدم، سجن، شرد، اخترق. جامعة الخرطوم فُتشت غرفة غرفة. الجزيرة مُشطت قرية قرية. لكن الحزب لم يمت. لماذا؟ لأن الأفكار لا تُعدم، ولأن التنظيم الذي يُبنى في المصانع له جذور أعمق من القصر الجمهوري. الدخول إلى العمل السري لم يكن خياراً، كان قدراً. والمشكلة أن القدر حين يطول يصبح طبيعة ثانية.
العمل السري له اقتصاد سياسي خاص. أولاً، يتضخم وزن “الأمن”. الرفيق الذي يعرف مخبأ المطبعة أهم من الرفيق الذي يحلل نمط الإنتاج. ثانياً، تتقلص الديمقراطية. لا يمكن عقد مؤتمرات، لا يمكن التصويت. اللجنة المركزية تختار نفسها وتجدد نفسها. النقاش يصبح همساً. ثالثاً، تنقطع الصلة بالقاعدة. العامل في عطبرة لا يلتقي بالقيادي في المنفى. بينهما وسيط، والوسيط قد يكون بطلاً وقد يكون مخبراً. في هذا المناخ نمت بيروقراطية داخلية. هي التي أنقذت الحزب من الاختراق، وهي نفسها التي خنقت المبادرة. كل الأحزاب السرية تمر بهذا المرض. الفرق أن بعضها يشفى منه بعد الخروج للعلن، وبعضها يحمله معه.
في المنفى، بدأ الحزب مراجعاته. وثائق 1971-1972 تعترف: “أخطأنا في تقييم طبيعة سلطة مايو”. تقييم 1996 ذهب أبعد: “انقلاب 19 يوليو كان مغامرة”. الشجاعة الأخلاقية في الاعتراف لا تعني القطيعة المعرفية. الحزب نقد النتائج، لكنه لم ينقد المنهج الذي أنتجها: منهج يعطي الأولوية للتحالفات الفوقية على البناء القاعدي، ويقرأ الدولة كجهاز يمكن اختطافه لا كعلاقة اجتماعية يجب تفكيكها. لذلك حين أتى أبريل 1985، عاد الحزب إلى المسرح بالعقلية نفسها.
انتفاضة أبريل أسقطت النميري. الشارع كان ملكاً للجميع. الحزب خرج من الأقبية، أعاد إصدار الميدان، فتح داره في الخرطوم. الناس استقبلته كمناضل قديم. في انتخابات 1986 حصل على ثلاثة مقاعد. دخل البرلمان، وبقي في المعارضة. هنا الفخ الثاني. الديمقراطية الثالثة كانت مريضة منذ الولادة. اقتصاد منهار، ديون، جفاف، حرب في الجنوب. صندوق النقد يفرض روشتته. الحزب عارض الخصخصة ورفع الدعم، وهذا صحيح. لكنه لم يقدم بديلاً اقتصادياً متماسكاً. البيانات لا تطعم جائعاً. النقابات التي أعيد بناؤها كانت أضعف من نقابات الستينيات. الطبقة العاملة الصناعية تآكلت بفعل سياسات مايو. الرأسمال الطفيلي نما في ظل بنوك إسلامية.
في هذا الفراغ زحفت الجبهة الإسلامية. خطابها يخاطب الهوية المهددة، يوزع السكر والزيت، يبني شبكات رعاية. الحزب يخاطب العقل، وهم يخاطبون المعدة والخوف. في 30 يونيو 1989 حسموا الأمر. الدبابات خرجت من القيادة العامة، والبشير قرأ البيان. الحزب عاد إلى السجن، والميدان صودرت، والديمقراطية دُفنت. لماذا سقطت بهذه السهولة؟ لأنها لم تكن محروسة بقوة اجتماعية. الأحزاب الطائفية تملك الأنصار والختمية. الإسلاميون يملكون المال والتنظيم. الحزب يملك التاريخ. والتاريخ وحده لا يحمي ديمقراطية.
بين 1971 و1989 تعلم الحزب كيف ينجو من الموت. تعلم الشيفرة، والمطبعة السرية، وخلية الثلاثة. لكنه لم يتعلم كيف ينتصر في العلن. كلما خرج إلى الشمس، أحرقته. السبب عميق: المجتمع المدني السوداني، بمعناه الغرامشي، كان أضعف من الدولة. النقابات، الجامعات، الصحافة؛ كلها بنى هشة. في مجتمع كهذا، الديمقراطية هدنة بين انقلابين. الحزب دفع ثمن هذه البنية. لم يستطع تغييرها لأنه هو نفسه جزء منها. كادره جاء من هذه البنى الهشة، ويعيد إنتاج هشاشتها. هذه هي الدائرة الجهنمية التي سيدخل فيها مرة أخرى بعد 2019. في الجزء الرابع سنرى كيف واجه انهيار السوفييت، وتآكل طبقته، وصعود خصوم جدد.
يعتمد هذا الجزء بالأساس على رواية الحزب لذاته: وثائقه الداخلية 1971-1972 ومراجعاته اللاحقة، وكتابات تاج السر عثمان ومحمد محجوب عثمان. هذه ليست محاولة لكتابة التاريخ الموضوعي للفترة، بل تحليل لمنطق الحزب الداخلي وكيف برر بقاءه، وما الثمن الذي دفعه مقابل ذلك البقاء.
tongunedward@gmail.com
