تداعي الذكريات: شاعر الشكرية ومسدار كلب الصيد وإجابة صاعقة من الفرجوني .. بقلم: الفاتح إبراهيم/ كاليفورنيا
21 مايو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
114 زيارة
نشأت فكرة مقال الشاعر علي المسَّاح ومولد قصيدة “زمانك والهوى” الذي تم نشره في “ ـ سودان نايل ـ الأسبوع الماضي من سؤال طرحه دكتور الرشيد خليفة عن حقيقة القصة وراء أغنية المسّاح ـ زمانك والهوى ـ والرشيد مثل عدد كبير من أطباء السودان ممن تعرفت عليهم الى جانب الطب لهم إهتمام كبير ومعرفة بالفن والشعر والأدب فهم أطباء شعراء وفنانين ونقَّاد للفن أيضاً .. وهذه لعمري ميزة فريدة لم أر لها مثيلا عند كثير من الشعوب ..
لقد وصلتني بعض ردود الفعل على المقال ولكن ما لفت نظري بريد إلكتروني من الاستاذ ابراهيم أيوب مشيدا ومصححا لبعض كلمات الاغنية وشكرته الكترونيا على الاشادة والتصحيح .. وأقول ـ ولا أبرر ـ إنه أحيانا لا مناص من وقوع مثل هذه الأخطاء وتكرارها عندما يكون الخيار الوحيد هو ان تكتب بلا مراجع ودواوين شعر.. وتكون الكتابة في هذه الحالة إعتمادا على الذاكرة وغابة الانترنت وأفواه المطربين .. وهنا يحق لي أن أتسأل هل يوجد ديوان مطبوع للمساح أم أن قصائده ما زالت مبعثرة بين الشفاه أو ضاعت مثلما ضاعت إخوانياته وقصائده الوطنية التي سجَّلت مواقفه من الاستعمار ودخل بسببها السجن ؟!
وكثيرا ما أواجه صعوبة كبيرة في تناول مثل هذه المواضيع التي تتشعب فيها الروايات .. ومما يزيد الأمر صعوبة وجودي هنا بعيدا في كاليفورنيا “أقاصي الدنيا” على رأي الأخ محمد محمد خير .. وقد حدث لي مثل هذا قبل فترة عندما حاولت الكتابة عن محمود ابوبكر(زاهي في خدرو) ورائعته “صه يا كنار” .. وقصيدة صه يا كنار كما هو واضح مكتوبة بشحنة عبقرية ، جزالة في اللفظ ولغة عالية الجودة .. وللقصيدة قصة درامية شكسبيرية مما أضفى على أجوائها الشيئ الكثير من القوة والشموخ والإنفعال القومي بالموقف .. ولكن بسبب تشابك وتداخل الروايات وأن بعض كلمات القصيدة تُروي بطرق وأشكال مختلفة ، صرفت النظر مؤقتا عن الكتابة في موضوعها .. ولي ملاحظة فيما ورد في رسالة الأستاذ الكريم ولا أريد أن أسترسل كثيرا ولكن سأكتفي بمثال واحد … فمن الكلمات التي بادر بتصحيحها كلمة “أعوانك” ويرى أن الصحيح هو كلمة “إغوائك” والغي كما ذكر الأستاذ يختلف عن ــ العون ــ وهذا كلام رائع وجميل والكلمة التي ذكرها كبديل تؤدي المعنى وزيادة .. غير أننا نواجه مشكلة إذا أخذنا بذلك إذ نصطدم باسلوب النظم الصارم الذي كثيرا ما يتَّبعه شعراء الحقيبة فيما بينهم لتحديد مراتب الشعراء وأيضا درجة الإجادة في المعنى والمبنى .. وهذا ما عُرف به شاعر العربية أبو العلاء المعري في لزومياته وهو نظام “لزوم ما لا يلزم” .. فعلى هذا الأساس فإن كلمة إغوائك ـ على فصاحتها ـ تؤثر على حروف القافية ولا تنسجم مع كلمات مثل أغصانك حبسانك عربانك وعينانك الفصيحة جدا إلخ .. واستبدل الأستاذ “زمانك” “بجمالك” على انها الكلمة الأصح يجري عليها نفس المنطق السابق .. وفي هذه القصيدة يتكرر الأسلوب في تقابل “سحالك ومُحالك وهكذا .. وهنا يحضرني أول ما تعرفنا على الجذر اللغوي “سح” في الشعر أيام الطلب كان في معلقة أمرؤ القيس ــ “واضحى يسح الماء فوق كُتيفية” .. وهناك الكثير من الأمثلة في شعر الحقيبة التي تؤيد إنتشار أُسلوب اللزوميات في النظم ..
ولم يكتف شعراء الحقيبة باتفاق “جنتلمان” فيما بينهم باتباع لزوم ما لا يلزم بل نصبوا العبادي حكَما قاضيا أو لجنة نصوص يجيز القصائد وله ختم خاص لذلك .. وقصة ابراهيم العبادي مع الشاعر محمد بشير عتيق وقصيدة الأوصفوك معروفة وذلك عندما عرض عتيق قصيدة الأوصفوك على العبادي لإجازتها ويمهرها بتوقيعه .. قال له العبادي: قصيدتك دي يا ود بشير دايرا ليها سمكرة !! .. وإن صحت هذه الرواية أو لم تصح فإن الشاهد يظل في وجود معايير وضوابط لغربلة الأعمال لتمييز وتحديد درجات الشعراء ومستويات الإجادة .. على أي حال أجدني ــ ولحاجة في نفس يعقوب ــ أكثر ميلا للرواية التي أوردتها في المقال إلى أن يتضح الأمر .. أقول هذا متمثلا بمقولة الإمام الشافعي : رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ..
ومهما يكن من أمر فإني مدين للأستاذ إبراهيم أيوب لانه حفزني للكتابة عن موضوع طالما تبادلت فيه الرأي مع أصدقاء كثر ولطالما دارت حيثياته مرارا في ذهني كلما دعت الظروف الى ذلك .. الا وهو قلة التوثيق العلمي المؤسسي للتراث سواء أكان تاريخا او فنا غنائيا او تراثا شعبيا .. فإلى متى تظل كنوز هذا التراث يتناقلها البشر شفاهة فيما بينهم حيث يسهل حدوث التغيير والإبدال شكلا ومضمونا ؟ا .. وبالرغم من الإجتهادات الفردية في التوثيق وهي غيض من فيض ، فقد ظل الجزء الأكبر من المعارف في الصدور لم تحظ بالعناية التي تليق بها كتابة وتوثيقا ..
وبحكم عملي السابق في التلفزيون التقيتُ بالكثير من الشخصيات التي لها إلمام واسع ومذهل بتاريخ وثقافات السودان لكن هذه المادة ظلت بعيدة عن التوثيق الجاد ومنهم من غادر هذه الحياة حاملا في صدره ما يملأ المكتبات بالكتب والمجلدات .. والقضية الأكبر هنا هي استنفار القوى لجمع شتات هذا الكنز القابع في دهاليز الظلمات، تصحيحه وتنقيحه ، نفض التراب عنه ورفعه من مراغة الإهمال .. ولحسن الحظ فقد أصبح عمل التوثيق أسهل وأجدى بكثير في زماننا هذا بفضل ثورة التكنولوجيا الرقمية .. فالنتحرك قبل فوات الأوان ..
الفرجوني والمسادير
إبان فترة عملي في مجلة العلوم وتكنولوجيا الطيران في أبوظبي جمعتني لقاءات مع أحمد الفرجوني .. فبالإضافة إلي شاعريته ومعرفته بـ “الحقيبة” وتاريخها فهو بحكم إنتمائه لأسرة البنا له إلمام بتراث بادية البطانة والكبابيش وادب الدوبيت والمسدار وغير ذالك .. تم ذلك اللقاء في ” أبو ظبي ” حوالي نهاية الثمانينيات وظلت وقائعه تغوص في الذاكرة وتطفو كلما دعت الحاجة .. وأنا الآن مسترجعا الذاكرة اتمثل ذلك اللقاء حين جلستُ مع الفرجوني نتكلم بعد صلاة العشاء حول الأدب الشعبي وامتد الحديث طوال الليل حتى صلاة الفجر .. وتناول الفرجوني موضوع واحد هو مسدار صاغه شعرا أحد شعراء الشكرية ــ لا أذكر اسم الشاعر الآن ــ ولكن كان موضوع المسدار كلبه الذي يستخدمه في الصيد .. يتكون المسدار من مئات الأبيات في وصف كلب الصيد .. كنتُ أستمع بعمق مأخوذا بهذا الإبداع الملحمي “الهوميروسي” ـ إن صح التعبير ـ في قدرة فائقة على الوصف وتوليد المعاني مما لا يتأتى إلا لفنان متمكن من أدوادته ومواضيعه الشعرية .. وبقدر ما اعترتني حالة من النشوة والغبطة تفاعلا مع هذا النوع من الفن بقدر ما أصابني شيئ من الحسرة والتوتر خوفا من أن يضيع ويطويه النسيان .. وتسآلت كيف أن كل هذاالإبداع يجري في البوادي ولا يلتفت إليه أحد ؟!! غير أنه أكد لي بأنه هو ـ أحمد الفرجوني ـ لا يمثل كثير شيئ مقارنة بمن يتلقى منهم في بادية الكبابيش والبطانة !!.. وأن أولئك الشعراء الفحول يعتبرونه ـ أي الفرجوني ـ ود أم درمان ابن العاصمة لا يعرف الكثير مما يعرفونه هم عن آداب تلك المناطق وأنماط حيواتها !! هكذا كان الحال في ماض من الزمان ولكن هل تغير الوضع الآن ؟ أم اصبح الحديث في هذا الشأن أو حتى التفكير فيه ترفا وحلماً لا يطاله أحد؟
الفاتح إبراهيم
كاليفورنيا ـ الولايات المتحدة
weddingofzein@sbcglobal.net