تعديل الوثيقة الدستورية … أم مكابدة إعلان دستوري؟  .. بقلم: بروفيسور/ مكي مدني الشبلي/المدير التنفيذي – مركز مأمون بحيري

قدمت قوى الحرية والتغيير في 8 فبراير 2022 خارطة طريق لبعثة الأمم المتحدة في السودان “يونيتامس” لمعالجة الاحتباس السياسي الراهن في البلاد. وتنطوي الخارطة على إنشاء وضع دستوري جديد يحكمه إعلان دستوري يؤسس لسلطة مدنية انتقالية ذات مشروعية شعبية ليحل محل الوثيقة الدستورية لعام 2019 المعدلة عام 2020. كما تشمل خارطة الطريق الدخول في فترة انتقالية لا تتعدى عامين وفقاً لترتيبات دستورية جديدة تؤطر لتحجيم دور الجيش في الحكم. وتشمل مؤسسات السلطة الانتقالية الجديدة أربع جهات هي مجلس سيادة مدني محدود العدد، ومجلس وزراء تكون له كل السلطات الممنوحة في نظام برلماني، بحيث يتم اختيار رئيس الوزراء بواسطة قوى الثورة، ويتم اختيار الوزراء من كفاءات وطنية. كما تضم السلطة المقترحة من قوى الحرية والتغيير المجلس التشريعي الذي تمثل فيه النساء بنسبة لا تقل عن 40% ويمثل الشباب ولجان المقاومة بصورة منصفة، إضافة إلى الجهاز القضائي والنيابة العامة.
وتقترح خارطة الطريق إنشاء آلية دولية رفيعة المستوى تشكل ضماناً للوضع الدستوري الجديد بحيث تمثل فيها الأطراف الإقليمية والدولية بشخصيات نافذة وتضم كلاً من دول الترويكا والاتحاد الأوروبي وتمثيل للجيران من الدول الإفريقية والعربية التي تجمعها مصالح مشتركة مع السودان، وتتولى الأمم المتحدة عبر ممثل الأمين العام بالسودان مقررية الآلية.
وتشير القراءة المتأنية لهيكل الإعلان الدستوري الذي تعكف الحرية على تقديمه يوم 22 فبراير 2022 غياب تغييرات جوهرية على الوثيقة الدستورية لسنة 2019 المعدلة في 2020. وحتى تلك التعديلات الثانوية المضمنة في ورقة قوى الحرية والتغيير يمكن استيعابها دون عناء في الوثيقة الدستورية. ذلك أن التخلي عن الوثيقة الدستورية سيدخل أطراف الانتقال في جدل عقيم حول الإعلان الدستوري المستحدث الذي لا تسمح وطأة الأزمة السياسية الراهنة بتوفير الوقت الكافي لتوافق هذه الأطراف عليه. ومن ثم أصبح من الواجب اكتفاء أطراف الانتقال المدنية والعسكرية ومكونات العملية السلمية بالتراضي على إدخال التعديلات المحصورة في استهداف مسببات الأزمة الطاحنة التي خلفتها التطورات العسكرية والمدنية منذ 25 أكتوبر 2021.
وتحاشياً لتكرار المخاض العسير الذي عانت منه البلاد للتوافق على الوثيقة الدستورية عام 2019، ينبغي لكافة أطراف الانتقال الشروع دون إبطاء في تعديل فقرات الوثيقة الدستورية الموجهة نحو نزع فتيل الاحتباس السياسي الراهن واضعين في الاعتبار تهيئة الظروف الملائمة لاستكمال المكاسب المحققة من السلام والعمل على توسيع نطاقه بإدماج الحركات غير الموقعة على اتفاقية سلام جوبا.
وفيما يلي استعراض للتعديل المحدود على الوثيقة الدستورية الذي يستهدف فقط الفقرات ذات الصلة الجوهرية بتجنيب السودان السقوط من شفير الهاوية بسبب الأزمة التي عانت منها بعد 25 أكتوبر 2021.  وتنطوي هذه التعديلات على تجنب فتح المجال لإدخال تعديلات ثانوية مركبة تمس تماسك الوثيقة وتعيد مكابدة المخاض العسير الذي صاحب صياغة أصلها في عام 2019، وتعديلها الشاق في عام 2020.
الفقرة (4) المتعلقة بالمادة 11 في الوثيقة الدستورية لسنة 2019.
يلغى البند (2) ويستعاض عنه بالبند الجديد الآتي:
(2) يشكل مجلس السيادة من ثمانية أعضاء على النحو التالي:
• ثلاثة مدنيين من الكفاءات المستقلة يكون أحدهم رئيساً لمجلس السيادة خلال ما تبقى من الفترة الانتقالية.
• ثلاثة أعضاء من الكفاءات المستقلة تختارهم أطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان.
• إثنان عسكريان تختارهم المؤسسة العسكرية على ألا يكونا من الأعضاء السابقين في مجلس السيادة.
 الفقرة (7) المتعلقة بالمادة (15) في الوثيقة الدستورية لسنة 2019.
يلغى البند (1) ويستعاض عنه بالبند الجديد الآتي:
• يتكون مجلس الوزراء من رئيس من الكفاءات المستقلة، وعدد من الوزراء من كفاءات مستقلة، يعينهم رئيس الوزراء على أن يكون من بينهم نسبة 25٪ تختارهم أطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان من الكفاءات المستقلة، ويعتمد مجلس السيادة جميع الأعضاء ومن بينهم وزيري الدفاع والداخلية اللذين ترشحهما المؤسسة العسكرية من غير الذين شغلوا مناصب دستورية خلال المدة المنقضية من الفترة الانتقالية.
الفقرة (10) المتعلقة بالمادة (80) من “الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية (تعديل) لسنة 2020 “
• تلغى المادة (80) المتعلقة بإنشاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية.
ويجدر التأكيد أن هذه التعديلات المذكورة على الوثيقة الدستورية تلبي جوهرياً تطلعات الفاعل الأساسي في الساحة السياسية الراهنة المتمثل في لجان المقاومة بإنهاء الشراكة التي سادت المدة المنقضية من الفترة الانتقالية وتؤسس لسلطة مدنية من الكفاءات المستقلة تساعد على تفرغ الكيانات السياسية للاستعداد للانتخابات في نهاية الفترة الانتقالية بعد عامين من التوقيع على التعديلات المقترحة على الوثيقة الدستورية. بيد أن التعديلات المقترحة لا تتناقض جوهرياً مع التوجهات المعلنة من بقية أطراف الانتقال المدنية والعسكرية ومكونات العملية السلمية حول مفهومهم لمدنية السلطة.
وتحاشياً لما واجهته الوثيقة الدستورية من تجاوزات من كافة أطراف العملية الانتقالية المدنية والعسكرية ينبغي أن يشهد على تعديل نصها ضامنون دوليون وإقليميون يشملون الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوربي ودول الترويكا. ومن الضروري تكفل هؤلاء الضامنون بالمساعدة على عودة اندماج السودان السياسي والاقتصادي في المجتمع الدولي، وما يترتب على ذلك من عودة انسياب العون المادي والفني.  وتقتضي المسؤولية الوطنية من كافة أطراف الفترة الانتقالية المدنية والعسكرية العمل الجاد لجعل ما تبقى من الفترة الانتقالية بيئة يسودها التآلف والتسامح والانسجام توطئة للانتقال الديمقراطي المأمول.
melshibly@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً