ثورات السودان وحمدوك والحقائق الغائبة!! .. بقلم: هاشم علي حامد
6 يوليو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
واقع النظام في السودان سيظل في حالة عدم الاستقرار،والثورة السودانية التي أطاحت بالبشير لن تكون سوى وصلة تاريخية تأخذ مكانها في رف التاريخ إلى جانب الثورتين السابقتين أكتوبر وأبريل كنجاح في إسقاط نظام وطاغية إذا لم تنتقل من مرحلة النشيد الى مرحلة الفعل تجاه التحديات التي تواجه متاعب الحياة السودانية بمختلف أنواعها.
هناك أراء تُصنف ثورة أكتوبر بأنها كانت أكبر خطأ أُرتكب في حق السودان، وذلك رغم زخم التمجيد والكتابات والإدعاءات المتبادلة في تملكها، وُصفت ثورة أكتوبر من بعض الواقعيين بهذا الوصف في كونها إنحرفت بالسودان الذي كان في طريقه لإستقرار ورسوخ “النظام” (وهو ما يمثل أزمات دول العالم الثالث). كان نظام الرئيس الفريق ابراهيم عبود “عليه رحمة الله” مثاليا في واقع حياة السودانيين، وفيما يُحكى عنه وأسرته وبطانته من ماض، وكانت علاقاته الخارجية أنذاك رفيعة المستوى سواء بالأفعال أو بحيثيات الزمان، ظل فيها السودان دولة ذات صداقات حقيقية مع دول غربية متعددة. ويرى البعض أنه كان يمكن أن يكون نظام عبود نواة مسار سياسي راسخ إلا أن مراهقة السياسيين في الأحزاب وطبقات المتعلميّن لم تعط النظام فرصة لكي يُرسخ واقعا سياسيا ثابتا،فكانت أكتوبر عرجة تاريخية..! هذا رأي عند مهتمي (رسوخ التجربة)التي كان نظام وزمان نوفمبر 1959 أكثر تهيأ لاخراجها للسودان.
فإذا كان ذلك تقييم ثورة اكتوبر1964 التي ظلمت نظام الفريق إبراهيم عبود وظلمها أهلها الذين لم ينجح منهم سوي الفنان محمد وردي “عليه رحمه الله” والفنان محمد الأمين “أمد الله في ايامه” وغيرهم من فنانين تغنوا تمجيدا لهمّم تضحيات وتغنوا لصبح لم يُشرق..! زانوا الثورة بالاخضرار الذي أعشبه السياسيون،فما بال ثورات السودان الشعبية الأخرى. وثورة الثلاثين من يونيو الآن تخطت سنة أولى حكم من عمرها،وحاضرها متنازع بين الفشل والإحباط، سنة في عمر الشعوب كافية لأي نظام ان يُعبّد طريقه ويُحقق أولويات الدولة. ماهي الأولويات التي كان يُحدّث مناضلوا وسياسيوا “تحالف قوى الثورةوالتغيير” أنفسهم بها وهم في مرحلة الثوار والأمنيات والعزم الجبّار الذي من المفترض ان يكون رفيق دربهم في الخندق والقصر!
النظرة الفاحصة والسريعة في تقييم الثورة الثالثة ثورة الإطاحة بالبشير أن نفس الخطأ الذي إرتكبته الانقاذ أرجو الآ يتكرر الآن وهو خطأ قاتل بدليل قتله الانقاذ ومضمونه إختيار جماعة الحركة الاسلامية والانقاذ ل”قيادة فاشلة” لم تتصف بالجدية ولا بالموهبة ولا بالكاريزما عندما نصب عمر البشير.
إختيار رئيس الوزراء سعادة الدكتور عبدالله حمدوك تبعه ثناء وتدبيج لوصف، ولمؤهلات قيادة ذات خبرة دولية وعلاقات أممية، فإذا لم تكشف سنة ثانية حكم عن إنجاز ملموس خاصة في الجانب الاقتصادي الذي هو المحك الآن لكثير من الدول التي تعاني عدم استقرار فذاك مؤشر غير محمود لقيادته التي يصاحبها حتى الأن فألا لكثير من السودانيين في الداخل والخارج. نعم فالتبعات التي خلّفها نظام البشير كانت كبيرة، لكن لا يعني ذلك تبريرا مستمرا وأخطاء فوقيه على تركات البشير بدلا من معالجات ووضع أسس سليمة للخروج من عنق زجاجة الضيق.
سنة حكم واحدة كافية أن تكشف مؤشر موهبة أي زعيم هو الآخر كان إختياره اختيار “غرض” وعجلة أم كان إختيار همّ، وسهرّ، وترتيبات مدروسة، وخطط مبرمجة سواء في المهجر أو الغابة،وعيّ ينظر من علوِ للحياة السودانية موفرا لها الحلول والمعالجات. في الانقاذ كانت زعامات الإسلاميين خططت لإختيار البشير كمرحلة لتثبيت حكم الحركة وداخل هذه الحركة نفسها أغراض وتدابير وطموحات ظهرت لاحقا وماحقاً !
مقعد رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك إذا أخضعنا تقييمه لسنة أخري في حيثيات المخلّفات التي ورثها من الانقاذ فالسنة الثانية إذا لم تتبع مؤشرات بدءها نجاح في فك الضوائق الحياتية لأهل السودان فإن ذلك غير مبشر لمستقبل حكم قحت الانتقالي،وغير مبشر لثورة السودان الثالثة. سنة في عمر الشعوب ليست بالشي الهين، فإذا لم تشفع سنين الانقاذ الممتدة ل30 عاما في بقاء سلطة البشير الذي شق له صفا واستأثر بغالبيته من أهل الانقاذ في تمكيّن وتمكّن..فإن سنة حمدوك الثانية هي تحدى حقيقي تجاه توحد وإجماع صف، وحل لما يُعانيه المواطن من ضيق وشظف عبر رؤية واضحة وإلا فالمصير يكون واحدا، هناك ثلاثين سنة لم تشفع ببقاء حكم الطاغية البشير وهنا وتحت حكم قحت ثلاثين سنة من النضال لم تضع رؤية وحل لمشكلة السودان.!
تحضرني في هذه الجزئية حكاية عن الرئيس الاثيوبي ملس زيناوي – تجربة اثيوبيا بالطبع هي الاقرب والأشبه لنا في السودان- فعندما إستبدل مناضلوا التيجراي ظلال الغابات بظلال قصور منليك وهيلاسلاسي في العاصمة اديس ابابا كانت خططهم وبرامجهم لحل المشكلة الاثيوبية جاهزة. ويقول الرئيس الراحل ملس زيناوي انهم ومنذ عهدهم في الغابة والسهول كانوا واضعين خططا ودراسات وبرامج لتطبيقها لحل ضوائق الانسان الاثيوبي ووضع اثيوبيا على الطريق الصحيح وقد كان..!
ماذا كان يحمّل المناضلون السودانيون وهم في فترة النضال من تصورات وحل للمشكلات السودانية..؟ بل ماذا رتّبوا من صداقات لمشاريع إقتصادية كبرى وصغرى،وخطط ورؤى وبرامج مستقبلية لمشاكل السودان،والمشكلة الاقتصادية الأنية في معاناة المواطن أين الصداقات الحقيقية في حلها..؟؟
الحركة الاسلامية على بداية عهد الانقاذ كانت إيجابية في علاقاتها الخارجية التي وظّفتها لحل الضوائق المعيشية لأهل السودان متجاوزة تحديات البقاء، والهجمة الشرسة التي واجهها النظام سنته الأولى. اذا قارنا الحال بحال نظام قحت الآن لا تعطي المقارنة نتيجة في صالح الحكومة الإنتقالية، حيث تردي لايقابله ايّ تعاطف أو صداقات حقيقية تنعكس تأييدا للنظام في مواجه تحديات الواقع ،أوتخفيفا على الحالة السودانية التي بلغت إنهيارا واضحا،ظروف اقتصادية،وضوائق معيشية،لا توفير لضروريات،ولارقابة على اسواق، وأمن مختل لم تشهد العاصمة الخرطوم إختلالا كمثله.أزمة طاقة، أزمة خبز، عصابات خطف، وترويع للمواطنين في كثير من المناطق.
رئيس الوزراء سعادة الدكتور عبدالله حمدوك أدرك في تبادل الهموم مع الشارع السوداني الذي خرجت ملايينه في إحتفالية السنة الآولى للثورة..أدرك حجم ما يُنتظر من جهد ففي حماس متبادل وعد بالشروع خلال اسبوعين فقط لتحقيق وعود الثورة، لكن ما ينتظر من فعل وفي مقدمته “خلق السلام والإجماع الوطني” يفسح له الزمن ولا يكفيه الأسبوعين طالما شرع العزم لمواجه التحدي وكون حماس رئيس الوزراء يدفعه للقول بالوعد فهذا فأل حسن لقادم الايام التي ينتظر فيها الكثير من الجهد والعمل لحل الضوائق السودانية أمنا وخبزاً..!
الحال السودانية في وضعها الراهن تتطلب مع الجهد بحثا عن علاقات جادة وتفعيل صداقات،وشراكات حقيقية مع الخارج المفيد،وفعل ونشاط لجذب مستثمرين متعاونين للإستفادة من إمكانيات السودان وإفادة أهله. فليكن شعار المرحلة القادمة لن يشفع لفظ “الثورة” في بقاء ثورة اذا غاب عنها عزم التغيير،ووعي التخطيط والرؤية المستقبلية.
hashimh640@gmail.com
//////////////////