جائحة الكرونا ومستقبل الرأسمالية .. بقلم: عبد الاله حسن محمد
21 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
97 زيارة
أعلنت معظم حكومات الدول الصناعية ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الوطني لتفادي آثار جائحة الكرونا علي اقتصادهم الوطني وترغب في الاستمرار في ضخ المزيد من تريليونات الدولارات.
حيث أعلنت الحكومة الكندية مساعدات مالية تصل الي حوالي 27 بليون دولار كندي (يعادل حوالي 19 بليون دولار أمريكي) إي بمعدل 505 دولار أمريكي للفرد، مع الوعد بتقديم المزيد اذا اقتضى الأمر. والحكومة الكندية الحالية حكومة ليبرالية تتبني سياساتها أصلاً علي ضخ السيولة في الاقتصاد الوطني لزيادة النمو الاقتصادي وتمويل البرامج الاجتماعية علي عكس حزب المحافظين الذي يعارض سياسة التوسع في عرض النقود وبالتالي المزيد من الدين العام وزيادة الضرائب في المستقبل. إلا ان حزب المحافظين هذه المرة لم يقم بأي احتجاج او معارضه بل طالب أعضاءه بالمزيد من المساعدات.
اما الجارة الجنوبية ، الولايات المتحدة الامريكية، فقد أعلنت مساعدات مالية اضعاف ما أعلنتها الحكومة الكندية. حيث أعلن ترمب ضخ تريليونات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي (2.2 ترليون دولار) إي بمعدل 6,703 دولار للفرد، ويرغب في أنفاق المزيد. وعلى عكس الركود الاقتصادي في عام 2008 عندما أعترض الجمهوريين علي المساعدات المالية التي أعلنها الرئيس أوباما ، تلك المرة كل من الجمهوريين والديمقراطيين في تناغم ورضاء تام من طبع المزيد من النقود.
الديمقراطيون فكرياً اقرب إلى الليبراليين ويتبنون دائما سياسة طباعة النقود وانفاقها، اما ترمب رغم انتمائه للحزب الجمهوري إلا انه مرن عقائدياً اذا اقتضت الضرورة ضمان أعادة انتخابه. الجمهوريين بصفة عامة لديهم حساسية عالية من التوسع في عرض النقود، وقد عارضو بشده كل المساعدات المالية في عهد الرئيس أوباما كما ذكرنا بل ايضاً في عهد جورج بوش الأبن. أذن ما هو المستجد في هذه المرة؟ لماذا لم يعارض الحزب الجمهوري كليٍاً او جزئياً علي ضخ هذه السيولة الضخمة في الاقتصاد الأمريكي؟ رغم أنهم يدركون جيداً ضخ السيولة بهذا الحجم الكبير يؤدي الي تراكم الدين العام الذي تتحمله أمريكا الان وسيؤدي الي آثار كارثية في المستقبل. حيث يؤدي تراكم الدين العام الي تخفيضات الصرف علي الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي وفرض المزيد من الضرائب لسداد هذه الديون مما يعوق النمو الاقتصادي علي حسب اعتقادهم الايديولوجي. الإجابة علي هذا السؤال من وجهة نظري بجانب رغبة الجمهوريين في أعادة انتخاب ترمب والحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة، هو انسداد أفق الخيارات المتاحة أمام التطور الرأسمالي غير المزيد من طباعة النقود لتراكم المزيد من الأرباح لدي قطاعات معينه.
ولتشجيع المؤسسات المالية خاصة البنوك التجارية علي التوسع في سياسات التمويل للقطاع الخاص خاصة الشركات الكبرى وكبار المستثمرين قامت البنوك المركزية وبنك الاحتياطي الفدرالي الامريكي بخفض سعر الفائدة الي الصفر وذلك هو السعر الذي بموجبه يمنح البنك المركزي المؤسسات المالية والبنوك التجارية القروض. ولكن المؤسسات المالية والبنوك التجارية سوف لن تقترض اموالاً من البنوك المركزية حتي ولو كانت مجاناً بدون سعر فائدة أذا لم تستطع ان تحقق ارباحاً من هذه النقود. في الظروف العادية كثيراً ما يحتفظ المؤسسات المالية ببعض الأموال الفائضة لديها في شكل أذون وسندات الخزانة و يمكنهم الآن أخذ هذه الأموال المجانية واستثمارها في تلك الاذون وسندات الخزانة ولكنه في الوقت الحالي حتي هذه الأذون والسندات تدفع صفراً ولذلك سوف لا يقومون بذلك النوع من النشاط الاقتصادي رغم سلامته من المخاطر لانهم لا يجنون منه أية أرباح.
الحافز الوحيد لدي المؤسسات المالية لكي تتوسع في التمويل للقطاع الخاص هو ضمان سلامة هذه الأموال وسدادها في الوقت المحدد مع سعر فائدة أعلي بكثير من الصفر تعوضهم الخسائر المحتملة من عدم تمكن البعض من السداد في الوقت المحدد. ولضمان وصول هذه الأموال للقطاع الخاص، قامت البنوك المركزية (أي دافعي الضرائب) بإزالة بعض تلك المخاطر بتحملها ضمان بعض الديون في حالة عجز القطاع الخاص عن السداد. والان بدأت البنوك التجارية والمؤسسات المالية الأخرى في التوسع في خطوط الائتمان (lines of credit) المضمونة لعملائها من الشركات الكبرى بسعر فائدة معقولة. اما أصحاب الأعمال الصغيرة والأفراد المعرضين لفقدان اعمالهم ووظائفهم وهم يشكلون الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي او الكندي سوف لا يجدون بسهولة تسهيلات مالية بسعر فائدة أقل من 10% وربما يصل إلى أكثر من ذلك بكثير. عندما سأل أحد الصحفيين رئيس الوزراء الكندي أذا كان من الممكن مطالبة البنوك بتخفيض سعر الفائدة على كروت الائتمان (Credit cards) كان رد رئيس الوزراء سوف نفعل ما نستطيع “we will do our best”! مهما كان الأمر المؤسسات المالية لن تتحمل المخاطر بإعطاء القروض لأفراد وأعمال تجارية متوسطة او صغيرة تتوقع منهم عدم الوفاء بالتزاماتهم المالية حتى ولو كانت هذه التوقعات ضئيلة. لقد بدء منذ الآن الكثير من الأفراد والأعمال التجارية المتوسطة والصغيرة يفقدون أعمالهم ووظائفهم لآجال غير معروفة (22 مليون امريكي) وسوف لا يجدون تمويل لمشرعاتهم بأسعار فائدة معقوله او يستطيعون الوفاء بسداد ديونهم السابقة بسبب التعثر. لاشك ان القلة المستفيدة من ضخ المليارات من الدولارات في كل مرة هي المؤسسات المالية والشركات الكبرى والمستثمرين من ذوي الحظوظ والصلات الوثيقة مما يؤدي إلي المزيد من التراكم الرأسمالي لتلك القلة المحظوظة. اما الغالبية العظمى من أفراد الشعب سوف يجنون الفقر ومزيدُ من الشقاء.
هنا يبرز السؤال الأساسي لماذا يقترض القطاع الخاص أموالاً يدفع مقابلها الكثير وهو يدرك جيداً أن هذه الأموال تحصل عليها البنوك التجارية مجاناً ومصدرها هو الضرائب التي تم دفعها في الماضي والحاضر وسيتم دفعها في المستقبل بمزيد من الضرائب؟ الإجابة هي نوع من تحمل المخاطرة لأنهم يتوقعون أنه أذا أنحسر هذا الوباء وبدء الناس في العودة لمزاولة أنشطتهم الأقتصادية (الذهاب الي السوبرماركت والمطاعم والكازينوهات) وتعافي الاقتصاد تماماً، يمكنهم إي الشركات الكبرى وكبار المستثمرين كسب المزيد من الأرباح من استثماراتهم ! هل سيحدث هذا ام أن الاقتصاد الرأسمالي في حفرة عميقة مزمنة؟ هل هنالك مؤشرات اقتصادية تدل علي مثل هذا التفاؤل لتشجيع القطاع الخاص لمزيد من الاستثمار؟ هل المزيد من ضخ السيولة وتشجيع الاستهلاك هو الحل للازمات الرأسمالية المتكررة ؟ لماذا تفشل المؤسسات الرأسمالية مثل مؤسسات التامين والبطالة وغيرها من امتصاص مثل هذه الصدمات المتكررة؟
بعكس الازمة المالية التي اندلعت شرارتها في الربع الأخير من عام 2008 واستمرت حتي عام 2010 ولا تزال العديد من الاقتصادات في مرحلة التعافي من تداعياتها، هذه المرة الأزمة عميقة وتشمل كل الأنشطة الاقتصادية الحقيقية ومن الصعب الآن التنبؤ بجميع تداعياتها. أذا أخذنا سوق الأسهم كمؤشر رئيسي يعكس حالة الاقتصاد في الوقت الحالي بل يشير إلى توقعات المستثمرين إلى ما سوف يكون عليه الاقتصاد في المستقبل القريب، نجد ان أسواق الأسهم (البورصات) هذه المرة رغم أنها فقدت منذ 20 من فبراير 2020 اكثر من ثلث قيمتها إلا أنها بعيدة كل البعد عن أدنى مستوياتها التي تعرضت لها خلال الركود في عام 2008. لو أخذنا كمثال سوق الأسهم الأمريكية اس آند بي ((S&P 500 كمؤشر، نجده في أدني مستوياته التي تسبب فيها فيروس الكرونا مازال مرتفعاً بنسبة 300% عن الركود الأخير في عام .2008بل أن معظم أسواق الأسهم في نهاية شهر مارس أعلي بنسبة 21% من مستوياتها في شهر فبراير. هنالك عدة أسباب لهذا الأمل والتفاؤل. اولاً ربما يعتقد بعض المستثمرين أن الأثر الاقتصادي للوباء سيكون ضربة قاسية ولكنها سريعة، وليست فترة طويلة من الركود كما حدث في عام .2008 ثانياً ربما شعر بعض المستثمرين بصيصاً من الأمل في الخروج من نفق الكرونا في وقت قريب كما حدث في الصين. ثالثاً وهذا هو المهم من وجهة نظري ان سبب ارتفاع أسواق الأسهم هو تدفق الأموال المجانية في الاقتصاد وليس هنالك أحد يريد تمويل أشخاص وشركات سيتعين عليهم بعد ذلك سداده في ظروف من الصعب التنبؤ بها الآن والأسهم هي واحدة من الاستثمارات المعروفة لدي المؤسسات المالية التي يمكنهم فيها تحقيق عائد سريع في الوقت الحالي. إلا انني أعتقد ان ذلك قصير النظر وذلك لعدة أسباب:
• حتي الآن لا يوجد علاج او لقاح او دواء فعال لدرجة يجعل الناس غير قلقين بشان الكرونا
• حتي اذا تمت السيطرة علي كوفيد 19 الآن، فقد يعود مرة أخري في الشهور المقبلة، يميل مثل هذه الامراض إلى العودة مرة اخري
• لا يوجد الآن رؤية واضحة كيف ستكون أماكن العمل، الأسواق، المركبات العامة مثل القطارات والطائرات، المطاعم ، العقارات الخ القائمة. يرجع سبب ذلك الي تجميد كل ذلك فجأةً
• ربما يحل الربوت(Robot) Artificial Intelligence بدل العاملين في كثير من مرافق العمل
• ستكون هنالك صراعات دولية كثيرة ستظهر بعد التحكم في جائحة الكرونا (بدء منذ الآن بين أمريكا ومنظمة الصحة العالمية ؛ وبين الصين وامريكا خلف الكواليس، وبين بعض دول الاتحاد الأوربي ) وربما تظلمات صغيرة تتحول الي مسائل يصعب حلها بسهولة ولا يستطيع الرئيس الأمريكي الحالي أدارتها بصورة جيدة مع نظرائه من رؤساء العالم
• أيضاً سيكون هنالك نظام عالمي جديد تتراجع فيه سياسات النيوليبرالية وتتلاشى فيه كثير من القناعات وتزداد تحكم الدول علي حدودها الجغرافية وتقوم بتركيز معظم الصناعات داخلها (less out sourcing )
أخيراً، ستستمر الدول الرأسمالية في ضخ المليارات وأنفاق المزيد والمزيد من المال كلما واجهتها أزمة ، سواءً كانت مالية او اقتصادية او صحية، وسيطالب الدائنون بسداد الديون – وسيستغرق الأمر الكثير من الوقت قبل أن تنهار نهائياً وول ستريت من هذا العبء الثقيل.
a_bdulelah@hotmail.com
/////////////////