الكل يطالب (العقلاء) بالتدخل والكل يطالب (الحكماء) بالتحرك في السودان اليوم، لم يعد ينقص سوى الإعلان عن (وظيفة عاقل أو حكيم) بدوام كامل علّه يستطيع أن يفك الأزمة السياسية الحالية في البلاد المتمثلة في عض أصابع متواصل عقب الانقلاب الذي عطل كل شيء وادخل البلاد في منعطف خطير. المؤلم أكثر أن هذا العض يجري في مناخ اقتصادي واجتماعي وصحي متهالك كان يفترض أن تتحرك فيه كل الأيادي والأصابع لمعالجته عوض الانشغال بعضٍّ يشبه عضَّ أطفال مشاغبين تركتهم أمهم بمفردهم في البيت دون رعاية وفي ظل وجود خلافات وتوترات بين الفرقاء السياسيين في وقت كان ينبغي فيه توحد القوى الثورية لتكثيف الجهود بغرض مواجهة الانقلاب وفق رؤية محددة وبتوافق الجميع. في ظل هذا الوضع فان هذه الصورة المشتتة الضعيفة هي في الواقع مرآة للحال التي وصلت إليها الأحزاب، وهي تستعد لخوض تجربة تشكيل الحكومات باعتبارها المحور الرئيسي للإصلاح السياسي عقب انتهاء الفترة الانتقالية الحالية. هذه المخلوقات أو الكيانات السياسية تبدو الآن مثل جزر معزولة ومتفرقة لا رابط بينها اطلاقا ولا حتى على الأقل رابط المصالح الوطنية العليا أو أن يكون أحد اهدافها التى أنشئت من أجلها هدف (السودان أولا)، ما دام تأسيسها لا يقوم على حاجة حقيقية وشروط إنشائها لا تشجع على استدامة العمل الحزبي، وقبل هذا كله تأثيرها المتواضع على الحكم والساحة السياسية.
هذه الوصفة لا يعقل أن تبنى عليها أحزاب وحياة سياسية فاعلة، بل هي وصفة أقرب إلى عمل الجمعيات التعاونية والروابط العشائرية والمناطقية، التي يفضل السودانيون الانتماء إليها على الانخراط في الأحزاب. بدا السودان وكأنه حديث عهد بالأحزاب، ولا يزال يتلمس أولى خطواته على طريق العمل الحزبي، الذي سيمثل نظريا نواة المشاركة السياسية الموعودة، والمشكوك في صدقيتها وقدرتها على صنع فرق. أحيطت المشاركة في الأحزاب والانضمام إليها بكثير من التشجيع و والتطمينات. وأوحى ذلك كله بالجدية في إرساء مشهد حزبي فاعل. لكن ماذا بعد، وماذا إن لم نكن فعلا بحاجة إلى أحزاب؟
لا ينجح أي تغيير سياسي سواء كان ثورة أو انقلابا إلا إذا توفرت له الشروط الملائمة في سياق اجتماعي واقتصادي خاص وهي الشروط التي لا يمكنه من دونها أن يحقق الهدف منه. ففي الحالة السودانية فشلت الثورة أو بتعبير أكثر دقة فشلت الموجة الثورية الأولى ونجحت الانقلابات وهو ما يعني منطقيا أن الشروط التي توفرت لإنجاح الانقلابات لم تتوفر لإنجاح الثورات. هذه الحالات تمكن تسميتها (القابليّة للانقلاب) أو (درجة القابليّة للانقلاب)و(القابلية للثورة) أو (ضعف القابلية لنجاح الثورة). إن نجاح الانقلابات بالسودان وتكرارها بسيناريوهات مختلفة يعني أنّ بلادنا ونخبها واحزابها السياسية لم تكن مستعدّة تمام الاستعداد للانتقال الديمقراطي وأنها لم تبلغ مرحلة النضج التي تستطيع أن تتجاوز بها خلافاتها القديمة وارتهانها إلى الخارج لتؤسس بناء سياسيا جديدا. هذه الخلاصة تمثل أخطر حصيلة للثورة السودانية وأهمّ دروسه التي إن تمّ استيعابها والبناء عليها فإنها ستكون الشرط الأساسي لنجاح الموجات الثورية القادمة(ثورة ديسمبر الثانية) والحراك الثوري الحاصل الآن.
نحن الآن أمام مشهد غير مسبوق يقف فيه البرهان رافضا قبول التراجع عن الاجراءات الانقلابية التي قام بها منذ 25اكتوبر العام الماضي مع ما في ذلك من تعطيل للسير السليم لدواليب الدولة. البرهان الآن يقف باصراره وعناده لوحده، معتقدا أن موقفه الأصح والأنسب. وبالعودة إلى (الحكماء) و(العقلاء) فإن السودان لم تكن يوما عاقرا عن إنجاب أمثال هؤلاء وقد كان لهم في أكثر من ظرف، خلال حكم الرئيس المعزول البشير دور كبير في إخماد حرائق عديدة قبل أن تلتهم البيت كلّه. الآن للأسف، يبدو وكأن هذا المعدن من الرجال القادرين على التوفيق وتهدئة الخواطر واجتراح الحلول قد انقرض، أو ربما خيّر الانزواء في مشهد لم يعد يسمح لكثير من الرجال المحترمين بالتحرك بعد أن عجَّ بصخب الغوغاء والفلول والمتسلقين والهواة والفاسدين والمتلونين وبائعي الأوهام والانتهازيين والدجّالين. يضاف إلى ذلك ما بات يلعبه بعض الإعلام من دور تخريبي واضح ومخطط له إلى جانب مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة (فيسبوك) إلى درجة جعلت أحد الوجوه اليسارية المعارضة إلى وصف السودان بـ(جمهورية فيسبوك) بعد أن أصبحت الكثير من المعارك والحملات تخاض هناك تحديدا مع انحدار في المستوى لمعظم ما يكتب. هذا الانحدار في التعامل بين أغلب الفرقاء السياسيين ( الحزب الشيوعي وقوى الحرية والتغيير )وصل الآن إلى درجة البذاءة والألفاظ النابية بسبب الخلاف الحاصل بين الطرفين الآن وعقب المليونيات الأخيرة المعارضة للانقلاب وما تلاها من خروج للمؤيدين لاجراءات البرهان الانقلابية القابضين مبالغ مالية نظير خروجهم للتظاهر مدفوع القيمة ، بدا يوم الأربعاء 26 يناير2022 أن السلطات العسكرية المسيطرة حاليا في السودان، تضغط على الأمم المتحدة، عبر تظاهرات نظمها موالون للنظام السابق وداعمون للجيش، دعت لخروج بعثة الأمم المتحدة من البلاد، إذ شارك المئات من أنصار النظام السابق في تظاهرات أمام مقر بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان (يونيتاميس)، مطالبين برحيل البعثة وعدم التدخل الأجنبي في السودان. وسارعت البعثة إلى التأكيد بتصريح : (إنّنا ندافع عن حرية التجمع والتعبير وعرضنا عليهم استقبال وفد في مقرنا لكنهم رفضوا ذلك. اليونيتامس موجودة هنا بناءً على طلب السودان وبتفويض واضح من مجلس الأمن).
بعد تظاهرة الموالين للنظام السابق والمؤيدين لمعسكر الانقلاب المستأجرين وفي ظل الخلاف بين الشويعي وقوى الحرية والتغيير شهدت منصات التواصل السودانية شعارات وتصرفات لا علاقة لها بحرية التعبير والتظاهر وتعكس مستوى شعبي بات ينافس المستوى السياسي في التدهور الأخلاقي أو ربما هو رجع صدى له. وسط هذه الأجواء المتوترة وتزايد أعداد المصابين والضحايا بوباء الكورونا، يجد معسكر الانقلاب الظرف مناسبا ليخرج للرأي العام الوطني والدولي برواية (التحذير من الفوضى والظرف المريب الذي وصله. بدت هذه القصة متعثرة وغير مقنعة خاصة مع تعدد الروايات وغرابتها وتناقضاتها لاسيما بعد أن عرف الجميع من هو الذي يصنع الفوضي والارهاب وينشر البلطجية ويهدد أمن وسلامة السودانيين ، فرواية الفوضى هي مفتعلة وهي مسرحية تستوجب معاقبة مؤلفها ومخرجها وكاتب السيناريو الرديء جدا. من المؤلم حقا أن نقرأ ما يكتب على المنصات السودانية مؤخرا أن (سودانيين كثراً من بين الذين فرحوا بسقوط البشير، مفجوعون اليوم بتعاظم خيبة الأمل في نفوسهم من عدم قدرة الطبقة السياسية على تأسيس حكم مستقر وتوفير أبسط مستلزمات الحياة الكريمة لشبان، إما عادوا إلى الاحتجاج في الشوارع أو يركبون قوارب الموت نحو أوروبا بحثاً عن حياة جديدة) . أخشى أن ينتهي بنا الأمر بالقول (ربما أضاع السودان لحظته التاريخية أو كاد. وحتى لا تضيع هذه اللحظة التاريخية بالكامل فيعضّ الجميع الأصابع، ندما هذه المرة لا مناكفة، فإن الأمل مع ذلك ما زال قائما، وإن كان ضئيلا ويتناقص، في أن يتقدم بعض العقلاء والحكماء لينهوا العبث الجاري حاليا قبل أن يسقط البيت على رأس الجميع لا سمح الله فنكون كمن ينطبق عليهم القول (من كان في نعمة ولم يشكر، خرج منها ولم يشعر)، وهل من نعمة أكبر وأهم من نعمة الحرية؟.
الخلاصة أن الأزمة الراهنة تحقق العديد من المكاسب لفلول البشير لأنها كشفت أمام الرأي العام عدم قدرة القوى المدنية على التوافق بشأن إدارة المرحلة الانتقالية، وأن البشير وعناصر نظامه ربما يخرجوا غير متورطين في جرائم القتل والاستهداف المباشر للمواطنين، وأن المكون العسكري الذي أزاحهم من السلطة ودعم الثورة هو المتورط، ما ستكون له تأثيرات على مستوى سير المحاكمات البطيئة في حق عناصر النظام البائد. نظام البشير ورموز (الدولة العميقة) يستمران في حصد غنائم الانقلاب على السلطة المدنية وأن الانهيار التام للسلطة يسمح بنهب المال العام وتمرير أجندات الفلول. أن نجاح الشارع في الإطاحة بالمكون العسكري من على رأس السلطة يقود إلى محو كافة القرارات التي استهدفت إعادتهم إلى مؤسسات الدولة، وأن ما أقدم عليه رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك بعد التوقيع على الإعلان السياسي قابل للتكرار في المستقبل، ما يعني أن الوضع الحالي مؤقت وليس دائما.
لدى القوى المدنية قناعة بأن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان الذي أعلن عن رغبته في الحوار الشامل مع كافة المكونات السياسية باستثناء حزب المؤتمر الوطني، يعول على أن تصبح فلول نظام البشير ظهيرا سياسيا يدعم مناوراته للبقاء على رأس السلطة، والاحتماء بالحركات المسلحة وبعض الأحزاب القريبة من المكون لن يكون كافيا حال قرر المُضي قدمًا في مواقفه الرافضة للتنازل عن السلطة. أن جني المؤتمر الوطني لمكاسب حالية أمر تتحمل مسؤوليته قوى الحرية والتغيير لأنها هي من سمحت بوصول الأوضاع إلى ما آلت إليه الآن، إلى جانب أنها تركت العديد من مناصري النظام البائد المتورطين في جرائم وانتهاكات دون محاسبة لاعتبارات مرتبطة بالدم والنسب بين قيادات لجنة التمكين السابقة وبين هؤلاء.
يجب التأكيد على أن تحول لجان المقاومة إلى قوة سياسية تشارك في الانتخابات المقبلة يشكل نهاية لمناورات فلول البشير، باعتبار أن الشارع يتوحد خلف قيادات التنسيقيات التي تقود المسيرات ضد الانقلاب، ما يجعل هناك اتجاها نحو الاصطفاف خلف قوة لديها شعبية حقيقية في الشارع وليست مزيفة. أن المشهد في السودان يختلف عن باقي دول المنطقة التي يكون فيها الصراع أيديولوجيا بين تيارات يسارية وليبرالية من جانب وتنظيم الإخوان في الجانب المقابل، ففي الحالة السودانية يظل الصراع العرقي ظاهرا إلى جانب الأيديولوجي وبالتالي فإن هناك معايير أخرى تحسم مسألة الوصول إلى السلطة.
mido34067@gmail.com
///////////////////////////
///////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم