بقلم: هشام الحلو
لم يكن جمال عبد الملك عَرَضاً طارئاً في تاريخ الأدب السوداني، بل كان ذا خصوصية فريدة في زوايا الإبداع ومساراته؛ إذ مثّل كاتباً، ومترجماً، وصحفياً بارزاً جسّد تجربة استثنائية في تمازج الهوية الفكرية والنضالية بين ضفتي الوادي. وجمال، ذو الجذور المصرية الذي ولد في صعيد مصر في يناير عام 1929م لعائلة قبطية، ترك دراسة الطب ولم يكملها بسبب انشغاله بالسياسة والكتابة، ثم هاجر إلى السودان في منتصف الخمسينيات، قبيل الاستقلال بعام واحد، مدفوعاً بأسباب سياسية بعد أن التزم بالفكر الماركسي في صفوف الحزب الشيوعي المصري، وتعرّض للاعتقال والملاحقة الأمنية. ولم يأتِ إلى الخرطوم غريباً يبحث عن مجرد ملجأ، بل جاء عاشقاً يفتش عن ذاته الأخرى، فتماهى مع الواقع الجديد حتى انمحت الفواصل بين الأصل والمآل، واستقر هناك حاصلاً على الجنسية السودانية؛ ليصبح بمرور الأيام والكتب من أكثر الكتاب ثراءً وإضافةً للصحافة والقصة القصيرة في السودان.
خلف هذا التماهي تكمن عبقرية نادرة؛ فقد استطاع هذا المهاجر الشاب أن يتسرب إلى مسام المجتمع السوداني، يلتقط تفاصيله، يترجم شجونه، ويعيد صياغة اليومي والمعتاد بجرأة واقتدار. ولم يقف عند حدود المشاهدة، بل غاص في عمق الحارة السودانية وفي دواخل الإنسان في الخرطوم، فجاءت قصصه القصيرة وفية للتراب الذي احتضنه، وغدا من الرواد الأوائل الذين أدخلوا الخيال العلمي والعوالم النفسية والفوق طبيعية إلى السرد السوداني، متأثراً بخلفيته الفكرية، وهو ما تجلى في مجموعته القصصية الرائدة “الجواد الأسود”، وقصته الشهيرة “العد التنازلي” التي مثّلت السودان في “أنطولوجيا القصة القصيرة العربية في أدب الخيال العلمي”. وبذلك ساهم مع أبناء جيله الطليعي — جيل الستينيات، مثل عيسى الحلو ونبيل غالي — في تحديث بنية القصة وتخليصها من القوالب التقليدية والخطابية المباشرة نحو آفاق الحداثة.
حملت نصوصه نكهة “طمى النيل” المشترك بين ضفتين، لكن بخصوصية سودانية خالصَة تجلت في نتاجه الفكري والمتنوع؛ بدءاً من كتابه الفلسفي الفريد في علم الجمال والنقد الأدبي “مسائل في الإبداع والتصور”، وصولاً إلى نصوصه المسرحية المنشورة في مجلة “القلم”، ومؤلفاته في الدراسات والاستراتيجية العسكرية التي قدمها كمحاضر في الكلية الحربية وعدة جامعات سودانية. ولم تقتصر مواهبه على ذلك، بل برز أيضاً كمترجم محترف نقل العديد من المعارف والمؤلفات إلى المكتبة العربية.
ولم يكن الأدب وحده ساحته؛ إذ سرعان ما وجد جمال عبد الملك في الصحافة السودانية منبراً يبث من خلاله رؤاه الحرة، فتنقل بين دهاليزها بمرونة الكبار، وعمل في “دار جامعة الخرطوم للنشر”، وقدم برامج تحليل الأخبار العالمية في التلفزيون السوداني. لقد برع في الأقسام السياسية محللاً ومفكراً يملك نظرة ثاقبة في شؤون البلاد والعباد. ولعل سر لقبه الشهير “ابن خلدون” يلخص هذا المزيج الفريد؛ إذ اختاره له رئيس تحرير مجلة “القصة” الأستاذ عثمان نور عام 1961م ليخفي هويته عند نشره مقالاً سياسياً ساخناً عن اغتيال الزعيم الأفريقي باتريس لوممبا تلافياً للملاحقة الأمنية — حيث استوحى نور الاسم من كتاب المفكر عبد الرحمن بن خلدون الذي كان موضوعاً أمامه حينها — ليلازمه هذا الاسم طوال مسيرته الفكرية. ومن خلال عمله بمجلة “القصة”، تعرَّف جمال عبد الملك على المستر سنغ، الأديب والدبلوماسي الهندي، الذي عاصر تلك التجربة الباكرة وترجم له إحدى أعماله المنشورة بالمجلة، ما عكس مبكراً الأثر العابر للحدود لكتاباته. ولم تمنعه صرامة السياسة من الانحياز لبهجة الحياة، فبرز أيضاً في أقسام المنوعات والصفحات الثقافية، يكتب بروح الفنان المشاغب والناقد الحصيف، صانعاً لنفسه مكانة خاصة جداً داخل تاريخ الأدب والفكر؛ فلم يعد يُنظر إليه باعتباره “الآخر” الذي يكتب عنا، بل صار “الضمير” الذي يكتب بنا ولنا.
وكأن قدر هذا المبدع الاستثنائي أن يظل مرتحلاً، تبحث روحه عن فضاءات أرحب كلما ضاقت الجغرافيا؛ فحمل حقائبه مجدداً في خريف عمره، حاملاً معها السودان الذي سكنه وتاريخه الذي وثقه في مذكراته القيّمة الحافلة بالشهادات السياسية والاجتماعية “عابر سبيل” الصادرة عن دار عزة، وتوجه إلى لندن حيث قضى سنواته الأخيرة. وفي منافي الغربة الباردة، وبعيداً عن وهج الشمس التي ألهمته في الخرطوم، وافته المنية في العاصمة البريطانية في فبراير من عام 2001م، ليرحل بجسده تاركاً خلفه إرثاً عصياً على النسيان. لقد مات جمال عبد الملك في لندن، لكن نبضه ظل عالقاً بقرى السودان وحواريه، وظلت كلماته شاهدة على رحلة استثنائية تجسد حيوية تلاحم الدم والثقافة. وبالرغم من جذوره المصرية الأصيلة، أصبح سودانياً خالصاً بامتياز؛ فلم يكن السودان بالنسبة له مجرد محطة لجوء، بل كان “الهوية البديلة” التي اختارها بقلبه وعقله، وصاغها بمداد قلمه، ليغادر مصر هرباً، ويصل إلى السودان حباً وانتماءً، مستحقاً أن يخلده التاريخ كواحد من أنبل المبدعين وأكثرهم تأثيراً في فضاء الأدب السوداني الحديث.
hishamissa.issa50@gmail.com
