د. أيمن بشرى*
٢٠ أبريل ٢٠٢٦م
aymen.b.ahmed@gmail.com
ملخص
يتناول المقال حدود قدرة الديمقراطية على تصحيح نفسها، منتقداً الفكرة الشائعة التي تفترض أن التنافس السياسي الحر كفيل بإصلاح الأخطاء تلقائياً. ينطلق التحليل من مفهوم “حدود التحمل”، موضحاً أن الأنظمة السياسية، كغيرها من الأنظمة، تمتلك عتبات حرجة إذا تم تجاوزها تنهار بنيتها. ومن خلال استعراض تجارب دولية وتاريخ السودان، يبين المقال كيف يؤدي كسر القواعد، وتآكل المؤسسات، وانعدام الثقة إلى إضعاف قدرة النظام على الاستمرار. كما يطرح نموذجاً تفسيرياً يقوم على تفاعل ثلاثة عناصر: العلاقة بين الجيش والسياسة، قوة المؤسسات، ومستوى الثقة، مبيناً أن اختلال أي منها يهدد استقرار الدولة. ويخلص إلى أن المشكلة ليست فقط في إسقاط الديمقراطية، بل في عجز الفاعلين عن التعلم المؤسسي الذي يمنع تكرار الانهيار.
١. مقدمة:
في الوعي السياسي السوداني، تكاد تكون هناك مسلّمة راسخة مفادها أن العسكر قد أطاحوا بأنظمة ديمقراطية، وأنه لو تُركت هذه الأنظمة وشأنها لتطورت وتعلمت من أخطائها. وكثيراً ما يحيلون إلى تجارب دولٍ أخرى ترسخت فيها الديمقراطية.
هذه الفكرة صحيحة في بعض جوانبها، ولكنها ناقصة، بل قد تكون مضللة إذا لم ننتبه إلى حقيقة أساسية: ليست كل الديمقراطيات قادرة على تصحيح نفسها إلى ما لا نهاية، وبغض النظر عن عدد أو نوعية الأخطاء التي ترتكب.
٢. الديمقراطية كنظام له حدود تحمّل:
نميل إلى التفكير في الديمقراطية كما لو كانت نظاماً مرناً بلا سقف، قادراً على امتصاص أي قدر من الأخطاء. لكن الواقع، في السياسة كما في الفيزياء والطب وغيرهما من المجالات، يقول عكس ذلك. فهناك حدود لكل نظام. الجسر مثلاً يمكنه أن يتحمّل وزناً معيناً (يحدد عادة عند تصميمه)، وقد يصمد إذا تم تجاوز ذاك الحد بقليل، ولكن هناك نقطة، وزن معين، إذا تجاوزته، فسينهار الجسر فوراً. كذلك الدواء، قد يكون آمناً إذا أخذ بجرعة محددة. لكنه يصبح ساماً، وربما قاتلاً، إذا أُسيء استخدامه بتجاوز تلك الجرعة. حتى المطاط نفسه، له حدود مرونة، متى ما تم تجاوزها انقطع.
الديمقراطية لا تختلف عن ذلك. فهي قد تصلح الأخطاء التي تحدث فيها، ولكن هناك حدود للقدرة على الإصلاح.
٣. وهم “السوق السياسي” الذي يصحح نفسه:
هناك افتراض ضمني عند كثير من السودانيين يقوم على أن السياسة تعمل مثل السوق: إذا تُركت حرة، فإنها ستصحح نفسها تلقائياً، وأن الأخطاء، حتى الكبيرة منها، ستُعالج بمرور الوقت عبر التنافس والانتخابات. لكن هذا القياس فيه خلل عميق، ليس فقط لأن الأسواق الاقتصادية نفسها تنهار وتفشل وتحتاج إلى تنظيم، بل لأن التجارب التاريخية تُظهر أن “السوق السياسي” قد يقود، إذا تُرك بلا ضوابط، إلى نتائج كارثية لا يمكن عكسها بسهولة.
ففي ألمانيا خلال جمهورية فايمار ١٩١٩-١٩٣٣، بعد الحرب العالمية الأولى لم تنهَر الديمقراطية بانقلاب مفاجئ، ولكن تم ذلك عبر مسار “قانوني” استخدمت فيه الأدوات الديمقراطية نفسها للوصول إلى السلطة، كما حدث مع أدولف هتلر، حيث اُستغلت الأزمات الاقتصادية والانقسام السياسي، ثم تحويل الآليات الدستورية إلى وسيلة لإلغاء النظام الديمقراطي ذاته. لم يكن الخلل في غياب الانتخابات، بل في غياب القيود التي تمنع استخدام الديمقراطية ضد نفسها. وفي إيطاليا، لم يصل بينيتو موسوليني (حاكم ايطاليا بين ١٩٢٢-١٩٤٣، اعتبره هتلر ملهماً له) إلى الحكم بالقوة المجردة، بل عبر قبول سياسي من النخب التي ظنت أنها تستطيع احتواءه، فاختارت “حلاً سريعاً” للفوضى، لتكتشف لاحقاً أن النظام كله قد تم تفكيكه من الداخل.
وفي سياق مختلف، تُظهر تجربة تشيلي كيف يمكن للاستقطاب الحاد أن يدمر التوازن السياسي؛ فحين فقدت الأطراف الثقة في بعضها، وتحولت المنافسة إلى صراع وجودي، أصبح تدخل الجيش بقيادة أوغستو بينوشيه نتيجة ممكنة، بل ومقبولة عند بعض الفاعلين. كان الرئيس المنتخب سلفادور الليندي يقود حكومة لا تحظى بأغلبية برلمانية، مما أفضى إلى شلل مؤسسي متصاعد. وحين شرع في تطبيق برنامجه الاشتراكي بتأميم المزارع والمصانع، تراجع الإنتاج وتفاقم الركود الاقتصادي ونما السوق الأسود. خاف الأمريكان من خلق نموذج “كوبا” جديد في تشيلي فمنعوا عنها القروض العالمية، ودعموا المعارضة وفي النهاية مولوا انقلاب بينوشيه. ولم تختلف الحالة في باكستان وتركيا ما قبل اردوغان في حدوث الانقلابات بسبب غياب دستور مستقر وضعف الأحزاب. وفي إفريقيا، تعكس حالات مثل غانا في عهد كوامي نكروما ونيجيريا بعد الاستقلال كيف يؤدي تركيز السلطة، أو تسييس الهويات، أو إضعاف المؤسسات، إلى تآكل تدريجي في بنية النظام، ينتهي بانهياره أو تحوله إلى شكل آخر من الحكم.
ما يجمع هذه الحالات هو تشابهها في نقطة جوهرية لا في “غياب الحرية” بقدر ما كانت في غياب القيود التي تنظمها، وفي كسر القواعد التي يفترض أن تحمي النظام من نفسه. الديمقراطية في هذه الحالات لم تفشل لأنها لم تُترك تعمل، بل لأنها تُركت تعمل دون حدود، أو لأن الفاعلين داخلها استخدموا حريتها لتقويض أسسها.
وهنا تتضح المقارنة مع الحالة السودانية، إذ أن الفكرة ليست أن نترك السياسة “تتوازن” تلقائياً، بل أن ندرك أن التوازن نفسه يحتاج إلى تصميم مؤسسي، وإلى قواعد ملزمة، وإلى وعي بأن هناك نقطة، إذا تم تجاوزها، لا تعود الأخطاء قابلة للتصحيح من داخل النظام، فبقاء النظام نفسه يكون مهدداً. فكما أن السوق الاقتصادي يحتاج إلى قوانين تمنع الاحتكار والانهيار، فإن “السوق السياسي” يحتاج إلى ضوابط تمنع أن يتحول التنافس إلى تدمير، أو أن تتحول الديمقراطية إلى الطريق الأقرب نحو نهايتها.
٤. حين تجاوزت الديمقراطية حدودها: دروس من التاريخ السوداني:
٤.١ ولد السودان كدولة ديمقراطية عام ١٩٥٦ ولكن ذلك لم يستمر طويلاً، إذ تسلّم الرئيس إبراهيم عبود السلطة عام ١٩٥٨. لم تسقط الديمقراطية الأولى بانقلاب مفاجئ من خارج السلطة الحاكمة ولكنها انهارت من داخلها.
كان رئيس الوزراء عبد الله خليل حينها من حزب الامة. بلغ عبد الله خليل أن الأحزاب الإتحادية قد توحدت وكانت تعتزم سحب الثقة من الحكومة مما كان سيكلف عبد الله خليل منصب رئيس الوزراء. وسحب الثقة من الحكومة هو فعل برلماني راسخ في الديمقراطيات البرلمانية. حين واجه رئيس الوزراء احتمال خسارة السلطة داخل البرلمان، لم يُحتكم إلى القواعد الديمقراطية (عن طريق اعادة بناء التحالفات داخل البرلمان لإفساد الخطة، مثلاً). قام عبد الله خليل بالالتفاف على خطة الإتحاديين عبر تسليم السلطة للجيش. الأخطر من ذلك أن الخلاف السياسي حُول إلى اتهام بالخيانة، باتهام الإتحاديين بالتآمر مع مصر. وقد بارك السيدان عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني الإنقلاب فور إعلانه. أي أن القوى التي كان يُفترض أن تحمي التوازن الديمقراطي منحت غطاءً لهذه الخطوة.
لم تكن هناك كارثة أكبر فداحة من تلك الحادثة، فقد كُسرت فيها قواعد اللعبة نفسها. وثبتت فيها قاعدة استندت عليها الإنقلابات اللاحقة وهي أن الجيش هو حامي الدولة من الفوضى التي يتسبب فيها المدنيون في الديمقراطية.
٤.٢ الديمقراطية الثانية: استخدام الديمقراطية ضد نفسها
بعد عودة الحكم المدني بعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤ والتي أطاحت بحكم الفريق عبود، لم يُستوعب الدرس. اتفقت أحزاب الأمة، الاتحادي والجبهة الإسلامية على حل الحزب الشيوعي والإطاحة بأعضائه البرلمانيين. وكان السبب من العوار بحيث لا يمكن وضعه في أي نطاق منطقي أو أخلاقي. فما جرى هو أن أحد الشباب، كان في ندوة في معهد المعلمين فأساء للسيدة عائشة زوجة الرسول (ص)، ثم ادعى انه ينتسب إلى الحزب الشيوعي (وهي نسبة أنكرها الحزب الشيوعي فيما بعد). فحركت الأحزاب المذكورة أعضاءها فهاجموا دور الحزب الشيوعي. وتلى ذلك حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه البرلمانيين من البرلمان. عندما أصدر القضاء حكماً بعدم دستورية هذا القرار، تجاهلت السلطات التشريعية والتنفيذية هذا الحكم.
وهنا حدث تحول أخطر، إذ لم يعد الصراع سياسياً فقط، ولكنه أصبح كسراً لأساس الدولة الحديثة: سيادة القانون. وقد يجوز إطلاق صفة “نظام حكم أنوقراطي” (anocracy) على ذلك الحكم (نظام هجين فيه بعض ملامح الديمقراطية، كالإنتخابات مثلاً، وبعض ملامح الحكم الشمولي).
٤.٣ الديمقراطية الثالثة: الخيانة من الداخل:
شاب الديمقراطية الثالثة -١٩٨٦-١٩٨٩- كثير من عدم الاستقرار. كان الجيش قد أنهكته الحرب الأهلية في الجنوب وتوالت عليه الهزائم. قام الجيش، وبكامل قيادته، بتقديم مذكرة لرئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء. عرفت المذكرة بمذكرة الجيش (فبراير ١٩٨٩). لم يكتف الجيش بتوصيف الأوضاع المزرية التي كان يعيشها الجيش ولكنه ذهب إلى توصيف أحوال البلاد كافة وربطها بتهديد الوضع الأمني للبلاد، وورد نصاً: (الأمن القومي السوداني: أن مهددات الأمن القومي السوداني لعديده ولكن نشير إلى أكثرها خطورة وهي:
● التناحر الحزبي وغياب التوجه القومي
● الانهيار الاقتصادي والتضخم والغلاء
● نمو المليشيات المسلحة والاختلال الأمني.
● إفرازات الحرب في الجنوب.
● تفكك المجتمع السوداني وانتشار الفساد.
● إفرازات الصراع المسلح الدائر بدارفور)
هذه الاشكالات تحديدا وردت في بيان كل الانقلابات العسكرية في السودان، ولكن مذكرة الجيش لم تكن إنقلاباً، فقد أكدت على احترام الجيش لخيار الشعب في الحفاظ على الديمقراطية. واختتمت المذكرة بعدة توصيات للإصلاح.
لم تمض أكثر من عدة شهور قبل أن يقوم إنقلاب عسكري وقف خلفه حزب الجبهة الإسلامية القومية، والذي كان ثالث أكبر حزب في البرلمان. نفذ الإنقلاب كثير من المدنيين المنتمين لذلك الحزب وتم تثبيت ما أطلق عليه اسم “حكومة الإنقاذ” والتي حكمت لثلاثين عاما، ارتكبت فيها كثير من الانتهاكات الجسيمة وراح ضحيتها الجيش نفسه، في أفراده، تكوينه وكفاءته.
٥. اتفاقات بلا أسنان:
بعد سقوط نظام النميري، قامت القوى المدنية والحزبية بتوقيع ميثاق أطلق عليه اسم “ميثاق الدفاع عن الديمقراطية” (٧ نوفمبر ١٩٨٥). أكد الميثاق في فقرته الأولى على تبنّى الموقعون لمبادئ الديمقراطية الليبرالية. الفقرة الثانية تحدثت عن رفض أي ديكتاتورية عسكرية أو مدنية. الفقرة الثالثة تحدثت عن قومية القوات المسلحة وأنه لا يجوز لأي كيان أن يكون دوائر نفوذ داخلها وأنه لا يجوز لها الانحياز لأي كيان. الفقرات من اربعة الى تسعة تحدثت عما سيقوم به الموقعون حال قيام الانقلاب على الديمقراطية.
لم يتوافق الموقعون على إيجاد السبل التي تؤدي إلى إصلاح مؤسسات الدولة بحيث يقل خطر الانقلابات العسكرية. لم يُتفق على وضع دستور دائم، وهذا يتطلب بالضرورة توافق يؤدي إلى وقف النزاعات وتحديدا حل مسألة الجنوب حينها. كما لم يتم التطرّق لبناء مؤسسات قوية. التجربة توضح أن الاتفاقات التي لا تسندها مؤسسات، تنهار عند أول اختبار.
٦. التعلم غير المتكافئ: لماذا يتفوق الشموليون؟
نلاحظ أن الفترات الديمقراطية الثلاث لم تدم أكثر من سنتين لثلاثة سنين، بينما تطاولت فترات الحكم الشمولي من ٦ سنوات في حكم عبود، الى ١٦ عاماً في زمن النميري والى ٣٠ عاماً في زمن البشير. وهذا قد يقودنا إلى نتيجة صادمة مفادها أن المدنيين لا يتعلمون من الأخطاء فيحصّنوا الديمقراطية، بينما الشموليون يستفيدون من التجارب السابقة فيتلافون أسباب الانهيار. ولأن أكبر مهدد للشمولية هو توق السودانيون للديمقراطية، فقد ضرب النميري معارضيه بعنف مفرط، وقضى على بعض المعارضين بالتصفية. حكم الإنقاذ لم يقل عنفاً عن النميري ولكنه تفوق عليه في خلخلة البنية السياسية، النقابية والاجتماعية وحتى العسكرية فيما يشبه سياسة التنظيف التي قامت بها الشموليات الكبرى في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد سهل من ذلك افتقار النظام لحدود أخلاقية.
بينما القوى المدنية تعود إلى نفس أنماط الصراع وتعيد إنتاج نفس الأخطاء ولا تبني مؤسسات تحفظ الذاكرة السياسية. وقد تلعب عوامل كثيرة دوراً في ذلك، ومن أهمها، استمرار القيادات الحزبية في مواقعها لفترات طويلة دون تجديد مؤسسي.
والإنسان بطبيعته يغلب عليه التحيز فيرى ما يؤكد مواقفه ويبرر أخطاءه، فيعيد تفسير الماضي لصالحه. ولهذا فإن ما يُسمى “مراجعة” يتحول في كثير من الأحيان إلى إعادة تبرير. وتزداد المشكلة عندما يتم رفض النقد الخارجي ويُنظر إليه كتهديد لا كفرصة للتعلم وهنا يتحول النظام إلى دائرة مغلقة لا تتعلم.
وكثيراً ما يعلل الناس وجود القيادات المدنية بصورة أبدية في مؤسساتهم بحجة الخبرة. والخبرة تزيد فعلاً بالممارسة، ولكن ليس بالضرورة بالممارسة الشخصية ولكن بممارسة المؤسسة ككل. وهذا النمط من التفكير هو تفكير تقليدي يتنافى مع متطلبات الحداثة والدولة الحديثة. اذن هناك حاجة الى بنية تنظيمية تحلل احداث الماضي وتضع مقترحات للاستفادة منه.
يجب أن نفهم أن الديمقراطية تحتاج إلى قواعد صارمة، مؤسسات قوية، ثقافة تقبل الخسارة، وآليات حقيقية للتعلم من الأخطاء. ولكن استقرار الديمقراطية يحتاج لجيش مهني واحد خاضع للسلطة المدنية. نجاح هذين العاملين يؤدي ألى تعزيز الاستقرار، كما يتطلب في الوقت نفسه توفر قدر مناسب من الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة وبين المجتمع والدولة. هذا يجعل إدارة الديمقراطية ذاتها ممكناً.
٧. نحو نموذج رياضي تفسيري لحدود الاستقرار السياسي:
إذا كانت الديمقراطية نظامًا له حدود تحمّل، فإن فهم هذه الحدود يتطلب إطارًا تحليليًا يجعلها أكثر قابلية للقياس والتصور. في هذا السياق، يمكن النظر إلى استقرار الدولة بوصفه ناتجًا عن تفاعل ثلاثة أبعاد بنيوية أساسية:
(1) العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة:
ويقصد بها مدى احتكار الدولة المشروع لاستخدام القوة، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وغياب الفاعلين المسلحين خارج إطار الدولة. يمكن الاستفادة في تقدير هذا البعد من مؤشرات مثل Fragile States Index، خاصة ما يتعلق بالأمن واحتكار القوة.
(2) قوة المؤسسات والتزام الفاعلين بقواعدها:
ويشمل ذلك فعالية الحكومة، جودة التشريعات، سيادة القانون، ومستوى الفساد. يمكن قياس هذا البعد بالاعتماد على مؤشرات الحوكمة العالمية (Worldwide Governance Indicators)، مع تطبيع القيم إلى مقياس موحّد.
(3) مستوى الثقة بين الفاعلين السياسيين وفي الدولة:
ويمثل هذا البعد ما يُعرف برأس المال الاجتماعي، ويظهر في درجة الاستقطاب، وانقسام النخب، وشعور المجموعات بالإنصاف أو التهميش. ويمكن تقديره من خلال مؤشرات مثل factionalized elites وgroup grievances في موقع مؤشرات الدولة الهشة أعلاه.
تمثل هذه الأبعاد الثلاثة ركائز الدولة الحديثة: احتكار العنف (الدولة)، الشرعية المؤسسية (المؤسسات)، ورأس المال الاجتماعي (الثقة). ولأغراض التحليل، يمكن تطبيع كل بُعد إلى قيمة بين (0) و(1)، بحيث تعبّر القيم الأعلى عن أداء أفضل. وبناءً على ذلك، يمكن صياغة نموذج مبسط لاستقرار الدولة على النحو التالي:
استقرار الدولة = (مهنية الجيش × قوة المؤسسات × مستوى الثقة) × 100.
لا تهدف هذه المعادلة إلى تقديم قياس دقيق ولا تدّعي القدرة التنبؤ ولكنها تهدف إلى بناء حدس تحليلي يساعد في فهم ديناميكيات الاستقرار والإنهيار. كما أنها تريد توضيح طبيعة العلاقة بين هذه الأبعاد، والتي تقوم على ثلاث فرضيات نظرية:
أولاً، التكامل (Complementarity): حيث تعمل الأبعاد الثلاثة كوحدة واحدة، ولا يمكن فهم تأثير أي منها بمعزل عن الآخر.
ثانياً، عدم القابلية للتعويض (Non-substitutability): فلا يمكن لمؤسسات قوية أن تعوض غياب الثقة، ولا لثقة اجتماعية مرتفعة أن تعوض عسكرة السياسة أو انهيار المؤسسات.
ثالثاً، وجود عتبات حرجة (Thresholds): إذ تعمل الأنظمة السياسية ضمن حدود معينة، وعند انخفاض أحد الأبعاد دون مستوى تقريبي (مثل 0.2)، يفقد النظام قدرته على التصحيح الذاتي، ويتحول التدهور من مسار تدريجي إلى انهيار بنيوي.
ولتوضيح النموذج، يمكن تقديم أمثلة تقريبية:
● في الدول المستقرة، حيث تكون القيم مرتفعة نسبياً (مثلاً: 0.9 × 0.9 × 0.85)، تكون النتيجة في حدود (≈ 69%)، وهو ما يعكس استقرارًا مؤسسياً مستدامًا.
● في حالات الانهيار، مثل الدول التي تفقد احتكار العنف، تنخفض قيمة أحد الأبعاد إلى مستويات قريبة من الصفر، مما يدفع الناتج الكلي إلى منطقة الانهيار بغض النظر عن القيم الأخرى.
● أما في الحالة السودانية، وبافتراض تقديري (0.3 × 0.4 × 0.2)، فإن النتيجة (≈ 2.4%) تشير إلى مستوى شديد من الهشاشة البنيوية.
يجب التأكيد أن هذه القيم تقديرية وتهدف إلى الشرح، لا إلى القياس الدقيق. كما أن اختيار العتبات ليس ثابتاً، بل يعكس تقديراً نظرياً للنقطة التي تبدأ عندها الأنظمة بفقدان قدرتها على الاستمرار. كما لا يفترض النموذج وجود دول تبلغ الكمال في أي من العوامل الثلاثة، بحيث تكون النتيجة الأعلى الممكنة في الواقع لا تتجاوز ال ٧٠٪.
قد يُنتقد هذا النموذج لإفتراضه تساوي تأثير الأبعاد الثلاثة، وهو نقد وجيه. إذ تشير الأدبيات إلى أن بعض العوامل – خصوصاً مهنية الجيش وقوة المؤسسات – قد يكون لها وزن أكبر في تفسير الانقلابات وعدم الاستقرار. ومع ذلك، فإن إدخال أوزان نسبية، رغم أنه قد يحسن دقة القياس، يقلل من قدرة النموذج على إبراز فكرتين أساسيتين: تكامل العوامل، ووجود العتبات الحرجة.
وعليه، فإن القيمة الأساسية لهذا النموذج لا تكمن في دقته العددية، بل في إظهاره أن استقرار الدولة ليس نتيجة نوايا سياسية أو توازنات ظرفية، بل هو نتاج تفاعل بنيوي بين عناصر لا يمكن إغفال أيٍّ منها دون المخاطرة بانهيار النظام ككل.
٨. الخاتمة
الديمقراطية ليست نظاماً يعمل بلا نهاية، وليست سوقاً يصحح نفسه تلقائياً. ولكنها – مثل كل الأشياء – لها حدود. وإذا تم تجاوز هذه الحدود – بكسر القواعد، وتآكل المؤسسات، وفشل التعلم – فإن الانهيار ليس احتمالاً فقط، بل نتيجة حتمية تقريباً.
الدرس المركزي: المشكلة في السودان ليست فقط أن الديمقراطية تُسقط، بل أن من يسقطها يتعلم، بينما من يحاول إعادتها يبدأ من الصفر في كل مرة.
نحو إصلاح بنيوي متكامل:
أولاً: الاعتراف بأن الديمقراطية السودانية لم تسقط فقط بسبب “خيانة العسكر”، ولكن تكامل ذلك مع حقيقة أن القوى المدنية تجاوزت حدود تحمّل النظام نفسها.
ثانياً: بناء مؤسسات تحفظ الذاكرة السياسية – مراكز أبحاث، أرشيفات وطنية، مناهج تعليمية توثّق أخطاء الماضي.
ثالثاً: وضع قواعد صارمة تُحمي الديمقراطية من نفسها – قوانين تمنع استخدام الديمقراطية لإلغاء الديمقراطية، ومؤسسات قوية لا يمكن اختراقها بسهولة.
رابعاً: فهم أن النموذج الرياضي المقترح (استقرار الدولة = مهنية الجيش × قوة المؤسسات × الثقة) ليس مجرد معادلة أكاديمية، بل خريطة طريق: تحسين أي بُعد بمفرده لا يكفي، والإصلاح الحقيقي يتطلب معالجة الأبعاد الثلاثة معاً.
الكلمة الأخيرة: السودان ليس “دولة فاشلة” بطبيعته، لكنه وقع في فخ الدورات المتكررة. الخروج يتطلب شيئاً واحداً لم يحدث قط: أن يتعلم المدنيون من أخطائهم بنفس الدرجة التي يتعلم بها الشموليون من أخطاء من سبقهم.
—————————————————-
*د. أيمن بشرى طبيب استشاري في الباطنية وأمراض الدم، حاصل على درجة الدكتوراه في الطب، وله عدد من الأوراق العلمية المحكّمة. عمل رئيساً لقسم أمراض الدم في مستشفى جامعي في النرويج. مهتم بعلم النفس والتاريخ. يكتب في قضايا السياسة ونظم الحكم من منظور تحليلي يستند إلى خبرته الطبية والبحثية والإدارية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم