يتواصل الحديث عن سد النهضة، وعن مشكلة الوفد السوداني الذي تتسم مواقفه بالضبابية والانغماس في القضايا الجزيئة وإهماله للقضايا الكلية (ولا نقول عدم إدراكه)، ومن الواضح أن اقتصار تشكيل وفد السودان بشكل أساسي على خبراء وزارة الري “”على أهمية دورهم” وعدم وجود خبراء زراعيين وقانونيين واقتصاديين ودبلوماسيين، أوقع الوفد السوداني في كثير من الأخطاء التي كان يمكن تلافيها. بالإضافة الي أن الوفد لا يستند على دراسات علمية متسقة، لذلك يلاحظ تتضارب الأرقام، وتصبح النتائج تخمينية.
في إطار ذلك نعلق على ما جاء على لسان بروف بابكر برسي والدكتور أحمد المفتي اللذين استضافتهما قناة سودانية 24 في برنامج دائرة الحدث عن مفاوضات سد النهضة.
المسالة الأولى: الجروف المتأثرة ومساحتها: ذكر بروف برسي أن مساحة الجروف التي سوف تتأثر بقيام السد تبلغ 100 ألف فدان، وهذا الرقم يخالف الرقم الذي ذكره سعادة وزير الري الدكتور ياسر عباس حيث قدر الرقم ب 150 ألف فدان، كما يخالف رقم بروف سيف الدين حمد رئيس اللجنة الفنية لمباحثات سد النهضة السابق أو الأسبق الذي قدر الرقم ب 50 ألف فدان. اعتقد ان التباين في الأرقام ناتج من عدم استخدام البيانات الموجودة لدي الأجهزة الحكومة المختلفة حول مساحات الجروف ومن ثم مقارنتها بصور الأقمار الصناعية وتحديد الرقم الحقيقي للجروف المتأثرة. إن عدم وجود رقم دقيق وموحد لمساحة الجروف سيؤدي الي كثير من التعقيدات للحكومة السودانية أسفل الطريق في عدة قضايا مثل حساب التعويضات والبدائل لمزارعي الجروف.
المسالة الثانية: أمان السد: ذكر بروف برسي أن المهندسين السودانيين المختصين قد تأكدوا بما لا يدع مجالا للشك أن سد النهضة آمن، وهذا كلام جيد ولا غبار عليه. ولكن المشكلة تكمن في القشرة الأرضية تحت المنطقة التي يبني عليها السد، فهذه القشرة نشطة وغير مستقرة، وسيزيد من نشاطها حجم البحيرة الكبير مما يهدد سلامة السد السروجي والسد الخرساني. اما المعالجات الهندسية التي تحدث عنها بروف برسي فهي منطقية في حالة القشرة الأرضية المستقرة أما في حالة القشرة الأرضية النشطة لا توجد لها أي معالجات الهندسية مجدية الي الآن.
كلام بروف برسي مثل حديث كبير مهندسي شركة المرسيدس عن ان المرسيدس تتصف بدرجة عالية من الأمان، اذ يمكن للسيارة ان تسير بسرعة كبيرة دون ان تطيح (تنقلب) وهذا الكلام صحيح في الطرق المعبدة، ولكن إذا كان الطريق فيه منحنيات او كان الطريق غير معبد وفيه حفر كثيرة وكبيرة فالسير بسرعة كبيرة في هذا الطريق سيؤدي الي انقلاب السيارة لا محالة. اول اجراءات السلامة في الطرق الغير معبدة او الطرق المنحنية، هو السير بسرعة متوسطة الي بسيطة وليس الركون الي درجة امان السيارة، وهكذا سد النهضة يحب ان يقل حجم المياه المخزنة في بحيرة السد كي تزيد درجة امان السد ويخف الضرر على السودان إذا ما انهار السد.
المسالة الثالثة وهي الحقوق المائية الحالية والمستقبلية للسودان: وقد أشار د. المفتي أن اثيوبيا لا تريد ان تعترف بحقوق السودانية المائية الحالية ناهيك عن حقوقه المستقبلية إذا أراد السودان أن يطور ويستغل موارده الزراعية. وقد أجاب بروف برسي بلهجة حادة أن سد النهضة لا يؤثر على حصص السودان ومصر المائية لأن سد النهضة هو سد للكهرباء. فيتحتم على اثيوبيا السماح بمرور الماء للسودان ومصر من أجل انتاج الكهرباء، كما أن السد يقع في منطقة اخدود فلا يمكن لأثيوبيا أن تستفيد منه في الزراعة. إجابة بروف برسي مقنعة جدا في حال ما اكتفت اثيوبيا بسد النهضة ولم تقم ببناء سدود جديدة على حوض النيل الأزرق. ولكن اثيوبيا صرحت غير مرة، انها تنوي القيام ببناء سدود أخري بغرض الري في منطقة حوض النيل الأزرق، عندئذٍ ستتأثر حصة السودان المائية التي لا تريد أن تعترف بها اثيوبيا. أضف الي ذلك تصريحات المسؤولين الاثيوبيين المتكررة ان الماء مائهم والأرض ارضهم.
المسالة الرابعة: بنود يجب التأكيد عليها، وعلى الوفد (وزارة الري) التأكد من توفرها:
1. اعتراف اثيوبيا خطياً بحقوق السودان المائية الحالية ومناقشة احتياجات السودان المستقبلية، خصوصا مع الزيادة المتوقعة في عدد سكان السودان (80 مليون عام 2050).
2. تضمين بنود تلزم اثيوبيا بتقليل كمية المياه المخزنة في البحيرة بصوره دائمة في حالة حدوث زلازل، انزلاقات أرضية، أو أي حركات تكتونية في القشرة الأرضية يمكن ان تهدد سلامة السد.
3. تضمين بنود تلزم اثيوبيا بالسماح للسودان تركيب محطات راصدة للزلازل في محيط السد لمراقبة النشاط الزلزالي في منطقة السد.
4. الأخذ بعين الاعتبار آراء الخبراء في المجالات الأخرى بما فيها آراء المناهضين لقيام السد.
5. عدم التوقيع على التزامات ما لم يتم طرح القضية على البرلمان المترقب للمناقشة العامة كما اقترح بذلك عدد من الخبراء.
د. أحمد عبد الله الشيخ
aaer4c@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم