دكتور محمد عبدالله
في الحروب، لا يُقاس الدمار بعدد المباني التي تنهار فحسب، بل بما يصيب المؤسسات التي تصنع المستقبل. وما تعرضت له الجامعات السودانية خلال الحرب الأخيرة لم يكن مجرد تلف في القاعات والمعامل، وإنما ضربة أصابت أحد أهم مقومات تعافي البلاد. فالجامعات ليست مباني من الإسمنت، بل هي المكان الذي تُعد فيه الكوادر القادرة على إعادة بناء الدولة حين تضع الحرب أوزارها.
وسط هذا المشهد، برزت مبادرة تستحق التوقف عندها. فقد تكفّل الدكتور محمد نقد ميرغني، استشاري جراحة الأوعية الدموية المقيم في الولايات المتحدة، بتمويل إعادة تأهيل قاعة “البغدادي” بكلية الطب في جامعة الخرطوم بمبلغ 125 ألف دولار، على أن تنفذ المشروع منظمة «صدقات» بإشراف الإدارة الهندسية للجامعة.
ولا تكمن أهمية هذه المبادرة في قيمتها المالية وحدها، وإنما في رمزيتها أيضاً. فهي لم تأت عبر مؤسسة دولية، ولا من خلال برنامج حكومي، بل كانت مبادرة فردية من خريج رأى أن أفضل طريقة لرد الجميل هي أن يعيد الحياة إلى جزء من المؤسسة التي أسهمت في تكوينه العلمي والمهني.
ويروي الدكتور محمد نقد ميرغني أن قصة قديمة ظلت ترافقه منذ طفولته. فقد تكفل أحد المحسنين بدفع جنيه واحد مكّن والده من الالتحاق بالمدرسة في وقت كانت الأسرة تعجز فيه عن توفير الرسوم. ذلك الجنيه لم يكن مجرد مبلغ زهيد، بل كان بداية مسار غيّر حياة أسرة كاملة. وبعد سنوات طويلة، جاءت مبادرة إعادة تأهيل القاعة بوصفها امتداداً لذلك المعروف القديم، و وفاءاً لفكرة أن الخير الذي يُزرع في الناس لا يضيع أثره.
وليس هذا العمل غريباً على رجل عرفه السودانيون من خلال نشاطه المهني والعام، إذ سبق أن ترأس تجمع الأطباء السودانيين في أمريكا الشمالية “سابا” ، وظل حاضراً في المبادرات التي تربط نجاح السودانيين في المهجر بمسؤوليتهم تجاه وطنهم.
لكن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة أنها تقدم نموذجاً يمكن البناء عليه. فمنذ اندلاع الحرب، انصرف الاهتمام إلى المساعدات الإنسانية العاجلة، وهو أمر مفهوم وضروري، غير أن إعادة تأهيل مؤسسات التعليم العالي لا تقل أهمية إذا كان السودان يتطلع إلى مرحلة التعافي. فلا يمكن الحديث عن إعادة بناء المستشفيات من دون كليات طب فاعلة، ولا عن إعادة إعمار المدن من دون كليات هندسة، ولا عن استعادة مؤسسات الدولة من دون جامعات قادرة على تخريج أجيال جديدة.
وقد عُرف المجتمع السوداني، عبر تاريخه، بقيم التكافل والنفير والفزعة، وهي قيم أسهمت في تجاوز كثير من المحن. واليوم تبدو الحاجة إلى إحياء هذه الروح أكبر من أي وقت مضى، ولكن بأدوات تناسب العصر؛ فبدلاً من أن يقتصر النفير على بناء منزل أو حصاد محصول، يمكن أن يمتد إلى تأهيل مكتبة، أو معمل، أو قاعة دراسية، أو تمويل منحة لطالب انقطعت به السبل.
ولا يحتاج الأمر إلى أن يكرر الجميع ما فعله الدكتور محمد نقد ميرغني بالحجم نفسه. فليس المطلوب أن يقدم كل شخص مئات الآلاف من الدولارات، وإنما أن يسهم كل قادر بما يستطيع. فهناك من يستطيع تجهيز معمل، وآخر يمكنه ترميم قاعة، وثالث يتكفل بمنح دراسية، ورابع يموّل مكتبة أو مركزاً للأبحاث. وعندما تتكامل هذه المبادرات الفردية، فإنها تتحول إلى مشروع وطني واسع الأثر.
إن السودانيين الذين نجحوا في المهجر، في الطب والهندسة والأعمال والبحث العلمي، يملكون اليوم فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة مستقبل بلدهم، ليس عبر الشعارات، وإنما من خلال مشروعات ملموسة تترك أثراً باقياً.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه مبادرة الدكتور محمد نقد ميرغني. فهي لا تطلب من أحد أن يقلدها ، لكنها تطرح سؤالاً يستحق أن يوجه إلى كل من أنعم الله عليه بالقدرة: ماذا يمكن أن تقدم لجامعتك، ولمدينتك، ولوطنك؟
فإعادة إعمار السودان لن تبدأ من الخرسانات وحدها، بل من إعادة الاعتبار للعلم، لأنه الاستثمار الوحيد الذي تتضاعف ثماره مع كل جيل جديد.
muhammedbabiker@aol.co.uk
