حين يشيخُ الوقتُ في انتظارِ الغائبين

محمد صالح محمد
تتثاقلُ الخطى على أعتابِ العامِ الراحل وتصطفُّ الثواني كأنها جنازةٌ صامتة تمرُّ فوق صدورِ المتعبين. يقولون إنَّ الزمنَ يداوي لكنهم كذبوا؛ فالزمنُ ليس إلا مسافةً تزدادُ اتساعاً بيننا وبين من نحب وغابةً من الصقيع نضيعُ فيها كلما حاولنا البحث عن طريقِ العودة إلى دفءِ حياضهم. ها هو العامُ يطوي أوراقه وما زلتُ أنا الورقةَ الوحيدة التي سقطت من شجرةِ الحياة وظلّت عالقةً في مهبِّ الحنين لا هي استقرت على الأرض لترتاح ولا الريحُ أخذتها إلى حيثُ اللقاء.

يا غائبةً سكنتِ الوتين …
يا “زولتي” التي سكنتِ تفاصيل الروح كيف للعامِ أن ينتهي وجرحُ رحيلكِ لم يبدأ في الالتئام بعد؟ النهاياتُ لغةُ الغرباء أما أنا فما زلتُ عالقاً في تلك اللحظة التي أفلتي فيها يدي هناك حيثُ توقف نبضُ الساعة وتجمّد العالم في بروازِ ذكراكِ. أهواكِ بمرارةٍ تفوقُ قدرة قلبي على الاحتمال وأحبكِ بحلاوةٍ هي كل ما تبقى لي من فتاتِ الحياة.

لقد كنتِ أنتِ العالم واليوم أنا غريبٌ أطوفُ في شوارعِ مدنٍ لا أعرفها وأتحدثُ لغاتٍ لا تفهمني و كلُّ ركنٍ في مخيلتي هو محرابٌ أرتلُ فيه اسمكِ وكلُّ نبضةٍ في وتيني هي صرخةٌ مكتومة تناديكِ “أما كفاكِ هجراً؟” لقد ترك غيابكِ حفرةً في الوجود لا يملؤها ضجيج البشر ولا ضياء النجوم وحدكِ أنتِ من كنتِ تمنحين للأشياءِ معناها وللعمرِ جدواه.

يا ابنةَ الروح… يا زهرةً قُطفت قبل الأوان
ويا قطعةً من كبدي ويا وجعاً ينمو معي كلما كبرتِ في غيابكِ. حين أرى طفلةً تلوحُ بيديها الصغيرتين لوالدها أشعرُ كأنَّ خنجراً من الجليد يغرسُ في صدري. أتخيلُ ملمسَ أناملكِ الصغيرة وهي تتشبثُ بطرفِ قميصي باحثةً عن الأمان الذي لم أستطع حمايته من غدرِ المسافات.

أفتقدُ ضحكتكِ التي كانت تعيدُ ترتيب الفوضى في داخلي تلك النغمة السماوية التي لم تعد أذناي تسمع سوى صداها الباكي في جوفِ الليل. يا حبيبةَ أبيكِ العالمُ بعدكِ موحشٌ، باردٌ، وخالٍ من الألوان. أغمضُ عينيّ بشدة لا لكي أنام بل لكي أسرقَ من الخيال ضمةً واحدة عناقاً يرممُ انكساري ويخبركِ أنَّ أباكِ ما زال يخبئ لكِ في جيبه حكايا لم تُروَ وقبلاً لم تُطبع بعد على جبينكِ الطاهر.

إبني … الوجهُ الذي أبحثُ عنه في ملامحِ الغيب
ثم يأتي طيفك يا “…” يا ابني الذي لم تكتحل عيناي برؤيته بعد. أحملك في قلبي فكرةً مقدسة وجزءاً مفقوداً من لوحةِ عمري التي لن تكتمل إلا بك. أتخيلك الآن هل تشبهُ أمك في حيائها؟ أم ورثتَ عنها تلك العصبية التي كنتُ أعشقُ تفاصيلها؟

أنتَ الوجعُ الذي يمتزجُ بالرجاء أنتَ المستقبلُ الذي سُرق مني قبل أن أعيشه. يمزقني الشوقُ لابنٍ أعرفه بروحي وأجهلُ ملامح وجهه. أناديكَ يا … فتردُّ عليّ جدران الصمت. أنتَ الوعدُ المؤجل والغصةُ التي ترفضُ أن تغادر حلقي حتى أراك حقيقةً تمشي على الأرض لا خيالاً يطاردني في أحلامي.

مناجاة… يا جامع الشتات
في هذه اللحظات المثقلة بالدموع وأنا أقف على حافةِ عامٍ غريب لا أملكُ إلا أن أرفع كفيّ المرتجفتين نحو السماء.

يا الله يا من وسعت رحمتك كل شيء ارحم ضعف قلبي الذي تفتت شوقاً. يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع شتاتي بهم.
يا رب اجعل هذه النهاية خاتمةً لأحزاني وبدايةً لعودةٍ أبدية تردُّ فينا الروح. امنحني عناقاً واحداً يمحو تعب السنين وضحكةً من ابنتي تجلو صدأ قلبي ونظرةً في وجه ابني “…” لعلّي أكتملُ به. اللهم اجمعني بأهلي وشدَّ وثاقي بهم واجعلنا يداً واحدة في حضنٍ واحد لا يفرقه موتٌ ولا يمزقه غياب ولا يوجعه حنين.

فقد تعبتُ من كوني غريباً في عالمٍ لا يسكنونه.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

غواية التمرد ونبل الانكسار

محمد صالح محمدفي محراب العشق لا تسري قوانين المنطق ولا تُجدي نفعاً نصائح العقلاء. هناك …