دَوَّامة التّوْهـــان: بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين: الإلتصاق الصفيق والبُعد السحيق: السودان نموذجاً (7) .. بقلم: محمد فقيري – تورنتو
5 سبتمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
لكل ما ذكرناه في الحلقة السايقة ، فإننا نجد أن بعض الأحاديث مروية بصيغ مختلفة ، وفي كثير من الأحيان يستشهد أهل الحديث بالحديث ، ثم يقولون (أو كما قال) ، لأنهم غير متأكدين من أن النص المروي هو نفس النص الذي ذكره النبي ، ومعلوم أن هناك أحاديث كثيرة وُضعت ، منها ما تم إبعادها ومنها ما تسللت إلي كُتب الحديث ، كل ذلك جعل من الحديث مجالاً واسعاً لنسبة أقوال للنبي لم يقلها ، وكثير من الأحاديث التي كانت صحيحة في عصر من العصور ضُعفت في عصر آخر ، وكتُب الحديث والكلام عن الأحاديث أكثر من كُتب تفسير القرأن ، والخلاف في صحة الأحاديث وعدم صحتها وحسنها وضعفها عند أئمة المذاهب وكُتب الصحاح ، فيه خلاف ، ولم يتفق الإئمة الأربعة على كل الأحاديث ، فما أخذ به الإمام أبوحنيفة لم يأخذ به الإمام مالك، وما أخذ به الإمام الشافعي لم يأخذ به عند الإمام أحمد ، وما صح عند فرقة ضُعف عند فرقة أخرى ، ويستمر هذا الأخذ والرد إلي يومنا هذا ، فالفرق الإسلامية المعاصرة تأخذ بالحديث أو تتركه حسب مذهبها ، أو بما يوافق طرحها. وفي النهاية فالأحاديث الصحيحة هي ما توافق العقل ، ولا تتعارض مع القرآن ، وتعبر من ناحية لغوية ، عن لغة النبي ، وهي جوامع الكلم. يحتج البعض في دفاعهم عن صحة الأحاديث في أنها منقولة بنفس الطريقة وعن طريق نفس النفر الذين نقلوا القرآن ، فكيف لا نشكك في القرآن؟، هذا كلام غير دقيق ، لأن القرآن دوّن ، كُتبت الآيات عند نزولها ، فنُقلت مكتوبة ، عكس الأحاديث التي إعتمدت في النقل على ذاكرة الناس ، بكل ما يعتري هذه الذاكرة من ضعف ونسيان وخلط بين الأمور.
أود هنا أن أشير إلي مسألة مهمة ، وهي أن التحصيل العلمي في الدين ، أو التفقُّه ، لم يعد صعباً كما كان ، فكل المصادر موجودة ، توفرتْ الكتب ، وتوفرتْ وسائل أخرى في متناول الناس في منازلهم ، على شاشات الأجهزة الثابتة والمحمولة ، أصبح العِلم متاحاً على بُعد (كِلِك) في الكميوترات التي صنعها لنا هؤلاء الكفرة الفجرة ، فمن أراد ، بعزيمة وإصرار ، وجِد وإجتهاد ، أن يطّلع على الإرث الفقهي ، وأن يقارن الأحكام الفقهية في المذاهب ، وأن يقف على مسائل الخلاف ، وأن يقرأ التفاسير ، وأن يراجع علم الحديث ، يحتاج فقط إلي وقت يوفره ويخصصه للمعرفة ، الدين ليس حرفة ، وقد إنتهي زمن إحتكار العلم والمعرفة ممن يسمون بالعلماء والمتخصصين ، فلا تخصص في الدين ، الدين ليس كيمياء أو فيزياء أو علم ذَرّة ، الدين ليس شهادات عليا ودكتوراهات تُمنح لمن يحفظ الفقه التراثي ويُسمّعها ، ذلك ما يفعله بالضبط فقهاء العصر ، حفظ وتسميع ، والدين ليس لبساً معيناً ، الدين ليس خُطب منبرية ، الدين ليس لحية وثوب قصير ، الدين ليس مصدر مكاسب دنيوية ، الدين ليس إقطاعيات يقيمها أفرا د ، يذهبون ويجيئون كرؤساء العصابات ومدراء النوادي ، محروسين ب (البودي قارد) ، محاطين بالسائقين والخدم والحشم والتلاميذ ، الدين حالة أخلاقية يهذّبها الإنسان بمعرفة الله ومراعاته في سره وجهره ، الدين هو أن تعْلم ما يليك وأن تتوقف عن ما لا يعنيك ، الدين هو أن تعّلم نفسك بنفسك ، فتتحصل من العلم ما يبقيك في دائرة الإيمان بالله وتصديق النبوة واليقين بالمعاد.
ونبقى مع عالمنا الإسلامي ، عالم الشجون ، ونتناول مفهوماً من المفاهيم الخاطئة ، وما أكثرها ، فهناك فهم خاطئ لموضوع الأغلبية التي تحدثنا عنها في الديمقراطيات ، بالذات في الشرق الأوسط ، وبذاتية خاصة في السودان ، فالذين ينادون بـ (الشريعة الإسلامية) أو (الدولة الدينية) ، يحتجون بأنهم أغلبية ، وأنهم حسب اللعبة (الديمقراطية) من حقهم أن يطبقوا (الشريعة) بإعتبارهم (أغلبية) ، ولكن لا علاقة بين الأغلبية في المفهوم الديمقراطي وبين الأغلبية في المفهوم الديني(السوداني) الذي يمثل المفهوم العام في العالم الإسلامي . الأغلبية في الديمقراطية تمثل الحزب الذي يتحصل على أغلبية أصوات الناخبين في دورة إنتخابية معينة ، هؤلاء الناخبون يمثلون كل أنواع الطيف الإجتماعي والطبقى والعرقي والمعتقدي، لا يمثلون إثنية واحدة ولا عرق واحد ولا جنس واحد ولا معتقد واحد ، هم مجموعة من الناس من مختلف الإثنيات والأعراق والجنسيات والمعتقدات ، جمعتهم دولة واحدة تحت قانون واحد يساوي بينهم دون تمييز ، يُمكن أن تكون في هذه الدولة أغلبية من عقيدة واحدة ، أياً كانت، كأن يكون أغلبهم مسلمون ، أو أغلبهم مسيحيون ، أو أغلبهم بوذيون ، أو أغلبهم هندوس ، ولكن ذلك لا يؤثر ، وكما أن الناخبون لهم معتقدات مختلفة فالمنتَخبين لهم معتقدات مختلفة ، فلا معتقد الناخب يؤثر ولا معتقد المُنتخَب يؤثر ، لأن المنتخَب ، صاحب الأغلبية ، يحكم بقانون موضوع أصلاً ، قانون إرتضاه الجميع ، يساوي بينهم بما هم مواطنون ، والمواطنة هي الأصل ، وهذه المواطنة تعطي الحق للجميع في أن يُحكموا بقانون بعيد عن المعتقدات ، ولذلك ، فالكلام عن أن الأغلبية المسلمة تستطيع ــ ديمقراطياً ــ أن تحكم بالشريعة الإسلامية كلام منافي لمفهوم الديمقراطية ، من غير المعقول أن يشارك حزب ينادي بالشريعة الإسلامية في عملية ديمقراطية ، لا يمكن ، ففكرة الشريعة الإسلامية فكرة شمولية ، كلأفكار الشمولية الأخرى ، وعلى ذلك ، إذا تم تطبيق الشريعة الإسلامية المعنية فلا مكان للديمقراطية ، ولا مكان للمساواة في الحقوق والواجبات ، ولا مكان لحرية الأديان ، ولا مكان للحريات الفردية ، ولا مكان للمساواة بين الرجل والمرأة ، ولا مكان للحقوق الأساسية ، مثل حق غير المسلم في حُكم البلد ، ولا مكان حتى لحق المسلم في إختيار معتقد آخر ، ولا ولا ، إذن ، إذا أرادت الأغلبية المسلمة أن تحكم فليس لها غير الوصول إلي السلطة بالقوة ، وفرض الشريعة بالقوة ، وفي تلك الحالة ، فلن يعود السودان إلي العهد الكيزاني فقط ، بل سوف نتجاوز فساد الكيزان وخرابهم إلي عهد (طلباني داعشي) مريع ، لأن الذين يطالبون بتطبيق الشريعة إنما يطالبون في حقيقة الأمر بنفس شريعة طالبان وداعش وبوكو حرام ، أو في أحسن الأحوال بشريعة نميري الرديئة، فليست هناك نسخة أخرى معدلة من الشريعة جاهزة للتطبيق، أو أنهم يشيرون إلي الشريعة التي وضعت قبل قرون عديدة كما هي بذاتها ، ففيهم من ينادي بعودة الخلافة ، وهذه كارثة حقيقية ، إذ أن الوضع في الدولة الأموية والدول العباسية والخلافة العثمانية كان بينه وبين الدين بون لا يُقاس ، ولا مجال لسرد تاريخ تلك الدول وبُعدها عن الدين فهو معروف ، وكُتب التاريخ المدونة في تلك القرون تشهد.
نواصل
fageer05@gmail.com