الوجود الفاعل في المحيط الافريقي ضروري لاستمرار كيان الدولة السودانية، فبعد التوغل الجوي للجيش السوداني في الأجواء التشادية، وبعد زيارة الرئيس محمد حمدان دقلو لإثيوبيا، وامتعاض سلطات بورتسودان من ذلك على لسان وزير خارجيتها محي الدين سالم الذي دعا اثيوبيا لأن تبحث عن سبل للسلام بدلاً عن اعترافها بما أسماها (المليشيا)، في استنكار واضح للموقف الرسمي الاثيوبي تجاه رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام، الذي يمثل القطب الآخر لسلطة الحكم في السودان، المتقاسمة بين الجيش والمليشيات الارهابية من جهة وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية وحركات أخرى من الجهة الثانية، يبدو على البرهان وبعد تركيزه على المحيط العربي قد بدأ يفقد محيطه الافريقي تدريجياً، ومهما كانت قوة حلفاء البرهان العرب – السعودية ومصر ، إلّا أن خسارة دولتين بمقام تشاد غرباً وإثيوبيا شرقاً وتحفظات دولة جنوب السودان منذ اندلاع الحرب وانحياز كينيا ويوغندا الواضح لمشروع تأسيس، الذي يقوده رئيس المجلس الرئاسي، يعتبر نقطة طلاق بائن بين سلطة الأمر الواقع في بورتسودان ودول الجوار الافريقي، فالمال والسلاح وحدهما لا يكفيان للتمدد جغرافياً، واتوقع أن تستغل دبلوماسية تأسيس الرسائل الجهوية البغيضة التي كان يرسلها مساعد قائد الجيش ورئيس هيئة الأركان لدولة تشاد ودول الغرب الافريقي، في كسب هذه الدول التي يربطها عمق ديموغرافي مع السودان الغربي.
لقد عملت دبلوماسية البرهان جهد ايمانها على التماهي مع المحور المصري السعودي، وفشلت في إحداث اختراق في العلاقات الافريقية، وذلك لعطب قديم أصاب الدولة القديمة، وواحدة من كلفة هذا العطب كان انفصال جنوب السودان، الذي لعبت فيه مصر دوراً داعماً واليوم بدأت تشرب من كأس تمزيق السودان، وما زالت دبلوماسية محي الدين سالم تلعب نفس الدور المغلب للمصلحة المصرية في المنطقة، فعداء البرهان لاثيوبيا نابع من عداء مصر لها، والذي تعبر عنه مصر بلسان فلاقنتها في بورتسودان من أمثال سالم وغيره، وهذه العمالة السياسية والقوادة الدبلوماسية التي يقوم بها طاقم البرهان سوف تجعل الداعمين له يذهبون باتجاه فصل جزء من السودان والحاقه بما تبقى من مشروع الوحدة العربية الفاشلة التي لم تطعم السوريين غير الكيماوي ولم تقدم للفلسطينيين غير الصواريخ الإسرائيلية، ويبدو أن رئيس المجلس الرئاسي قد يمم وجهه شطر افريقيا منذ أن قال (أنا سوداني أنا أفريقي)، وربما وجد نفسه في مفترق الطرق حينما صحا من مفعول بندول جدة، فرفض أن يستطعم دجاجتها التي يطهيها على نار هادئة الشيف مالك عقار نائب البرهان، اليوم وجهت قناتا الحدث والعربية الموجودتين بالمملكة العربية السعودية السنتهما بالنقد لزيارة محمد حمدان دقلو لأثيوبيا، واستعانتا بالصحافة المصرية في التناول لأن الزيارة تعتبر مهدد كبير لمصر صاحبة القدح المعلى في تزويد جيش الحركة الإرهابية ومليشياته بما لزم من عتاد عسكري ودعم لوجستي واسناد جوي.
ستشهد الأيام المقبلة تصعيداً سياسياً كبيراً من مصر على خلفية زيارة دقلو لإثيوبيا واعترافها به، فمصر هي ضرّة اثيوبيا في زوجهما الأوحد النيل العظيم، وهي لا تقبل بأي تقارب سوداني حقيقي مع اثيوبيا بانية سد النهضة، والرئيس الاثيوبي أبي أحمد من الذكاء بحيث أنه ضرب على وتر مصر الحساس دون اكتراث لعويلها، فهو يعلم من أين يؤخذ الفرعون المصري، فزيارة دقلو لأديس أبابا تعتبر من أخطر الأحداث بالنسبة لمصر منذ اندلاع الحرب، ومن المؤكد أن الرئيس السيسي سيعيد ترتيب أولوياته بعد هذا الإنذار المبكر، وعليه أن يعلم بأن حكومة تأسيس لا يمكن هزيمتها بالسلاح وحده، وأنها تملك العمق الافريقي الذي سوف يرغمه على النظر للأمور بزوايا مختلفة جديدة، وما عاد الأفارقة أولئك الزعماء الذين يفتح لهم معمر القذافي الحاويات الفائضة بالدولارات ليحشوا جيوبهم، فاليوم يقوم على رؤوس الحكومات الأفريقية شباب وطني مستنير من أمثال أبي أحمد وإبراهيم تراوري الذي أعاد طلابه المبتعثين لحفظ القران بالبلدان العربية إدراكاً منه أن النهضة الحديثة لا يبنيها حفظة القرآن، هذه هي افريقيا الجديدة التي خرجت من استغلال الانجيل، وتخلصت من ابتزاز المسلمين لها بتحفيظ أبنائها القرآن، فبعد اليوم لا يجب أن يمنن عليها أحد أو يستكثر، فقد وعي زعماؤها الشباب خطر الاستهبال والاستغلال الشرق اوسطي، فبنوا السدود واخرجوا البيض الى خارج الحدود.
إسماعيل عبدالله
Ismeel1@hotmail.com
